اَلْحُرُوفيَّةُ الْعَربيَّةُ بَيْنَ الكائنِ والمُمْكنِ/ لَحْسَنْ ملواني*
بواسطة admin بتاريخ 30 أغسطس, 2017 في 07:34 مساء | مصنفة في رواق الواسطي | لا تعليقات عدد المشاهدات : 232.

الخط العربيّ فن، بدأ مع التدوين القرآني؛ حينما أخذ الناسخون يجودون ويحسنون في كتاباتهم إكراماً للنص القرآني والتماساً للبركة والمغفرة والتقرب من الله. ومن هنا نشأت خطوط أعطت للكتابة العربية بعداً جمالياً، إلى أن جاء شيخ الخطاطين الوزير ابن مقلة ليضع قواعداً لها.
ومسيرة الخط العربي، وتاريخ الحروف العربية، يمكنهما أن يكشفا الكثير من خبايا وخفايا الذات المسلمة، لاسيما إذا توغلنا في النصوص الصوفية التي كانت ترى في حقيقة الحروف دلالات كونية، ولقد «شكّل الخط العربي، أحد المظاهر البارزة والرئيسة، للحضارة العربية الإسلامية، منذ صيرورتها الأولى وحتى اليوم. تطور مع تطورها، وكان أهم روافعها والوسيلة الأساس في نشرها وتعميمها، وفي الوقت نفسه، عومل هذا الخط، كعمل فني قائم بذاته، له خصائصه ومزاياه التشكيلية والتعبيرية التي شهدت بدورها تطوراً كبيراً، خلال مراحل تطور هذه الحضارة، وما زال حتى يومنا هذا، موضع اهتمام وبحث وتجريب، بهدف استيلاد منجز بصري عربي معاصر، مما يكتنز عليه، من قيم تشكيلية ودلالية وتعبيرية.»
وإذا كان الفن التشكيلي يشهد تطورا ملموسا تقتضيه التغيرات الشاملة في المجتمعات، فإن اللوحة الحروفية حاولت وتحاول أن تفرض جماليتها بصيغة تتماشى مع تغير الأذواق والرؤى، إزاء الجمال بصفة عامة. فهذا الأخير يتغير المنظور إليه من عصر إلى آخر، وتلك سنة الحياة، ويتبدى لنا ذلك جليا أكثر في نوعية الملابس الرائجة وما إليها من جيل إلى جيل. واللوحة الحروفية بمفرداتها وتركيبتها تندرج في هذا التطور الذي يسَعُ كل المجالات الفنية والحياتية، بل إن التطور التكنولوجي بما له وما عليه عامل مؤثر في هذا المضمار، فقد ساهم بفعالية في تيسير إيجاد البدائل الفنية والتنويعات بغية التنويع في إبراز ملامح جمالية فنية آسرة. ذلك أن الإمكانيات التكنولوجية المتنوعة كان لها الدور الرائد في الدفع بالحروفيِّ العربي لتجريبِ إمكانياتٍ وصيغٍ تبدي قدرته الإبداعية في الاكتشافات الشكلية والمنظورية واللونية، فاستطاع بعض المبدعين الخروج بلوحات ساهمت في التخلي ولو بنسب محددة عن القوالب الجاهزة الجامدة المكررة.
وتجدر الإشارة إلى كون طبيعة الحرف العربي ذاته عامل مساعد فعال في التنويع في تشكيل الحروفيات بملامح جمالية مختلفة، ذلك أن هذا الأخير له سمات ومزايا خاصة وفريدة، استنادا إلى يسر تماهيه وطواعيته للتشكيلات والصياغات بلا حدود. وهكذا انخرط الحروفيون في تحديث أساليبهم في التعامل مع الأعمال الحروفية تعاملا يجعلها في مستوى مستحدثات العصر بتميزها ومغايراتها، إلا أن بعض الحروفيين لم يرقوا بعد بلوحاتهم بشكل يجعلها فعلا تحمل إبداعية تتجلى فيها سمة الحداثة بشكل جلي، بل ظلوا متشبثين بهيكلها ونِسَبِ مفرداتها، وكل ما يضاف إليها يضاف باحتشام لا يترك أثرا مُعتبَرا في إنجازاتهم. وفي المقابل نجد آخرين انخرطوا في تحديث اللوحة الحروفية بمبالغة تفقدها الصلة بالملح الحروفي الأصيل. وانطلاقا من هذه الحيثيات تطرح الحروفيات أسئلة شائكة على النقاد والمبدعين والمشاهدين في الوقت ذاته، ومن بين تلك الأسئلة:
* إلى أي حد يمكن للحروفية العربية أن تصمد بجماليتها أمام ما يجري من تغيرات في المنظورات والأذواق في هذا العصر؟
ـ هل وزن ومقياس جمالية اللوحة الحروفية يكمن في مفرداتها؟ أم في تركيبتها ومضمونها؟ أم بجرأتها على اختراق التقليدي نحو الإبداع بمنظور مغاير؟
هل يمكن للوحة الحروفية أن ترسي ضوابط لجماليتها بعيدا عن نقد مواز يوجه أساليبها ويرد على تساؤلات الجماهير والمبدعين؟ والحال الذي لا يمكن إخفاؤه أو تجاهله أن النقد الخاص بالفنون التشكيلية شبه منعدم، الأمر الذي يضفي نوعا من التشتت والإبهام إزاء الحروفيات العربية بأشكالها وأساليبها وتقنياتها واتجاهاتها وخلفياتها المتجددة.
هل الملتقيات والمهرجانات والمسابقات تملك ما يكفي من الأدوات التقييمية للأعمال الحروفية بشكل مقنع؟
ـ إلى أي حد ساهمت المدارس والتيارات التشكيلية بما يتجدد في إطارها في التأثير المباشر أو غير المباشر على الحروفيات العربية.
إن الحروفية العربية اليوم انخرطت بشكل فعال في الإبداعية بمعناها الدقيق أحيانا وباحتشام أحيانا، فما ينجز اليوم بعضه يبدي التميز والفرادة والخصوصية، وبعضها يظل وفيا لاجترار التقليد، ما يجعله يساهم في التكرار بشكل أو بآخر، وبذلك نجد أنفسنا أمام فسيفساء من الأعمال بقدر ما يثير الإعجاب يثير الارتباك أمام النقد وأمام الجمهور، الذي يجد نفسه أمام لوحات تحمل الملمح التجريدي بشكل مثير، وأمام لوحات تحمل ما يستطيع أن يقرأه ويفقهه بيسر. وهكذا يقع حائرا بين لوحة لها جذورها ومثيلها في تاريخ هذا الفن، ولوحة تحاول أن تقربه كي يغير نظرته نحو الفن الحروفي ببدائل جديدة. على أن اللوحة الحروفية كيفما جاءت تركيبتها وترصيف وفرداتها وهندسة خلفياتها تفرض نفسها بسمات فنية نذكر منها:
ـ حضور الحرف حضورا هندسيا بما يمليه من تداخلات وتموجات مغرية، تضفي على المعطيات غموضا مغريا، بإمكانه إشعال جذوة البحث والتساؤل لدى المشاهد مما يخلق بينه وبين اللوحة تواصلا من نوع خاص.
ـ اتزانية مركبات اللوحة شكلا ومضمونا.
ـ القدرة والتحكم في استعمال الخامات بتنوعاتها وخصوصياتها.
ـ الإيقاعية المتكاملة مع مفردات وخلفيات اللوحة.
ـ بروز القيمة الصوفية والجمالية والهوياتية للوحة بكلماتها أو حروفها وبإطارها وخلفيتها الزخرفيتين.
ـ التفرد في صياغة الحروف إظهارا لمرونتها اللامحدودة.
ـ بروز التناسق والترصيف للإبعاد والمسافات بشكل متكامل يفيض جمالا.
وختاما فإن اللوحة الحروفية تتطلب الكثير من الجهد والخبرة لولوج عوالمها بما يطورها لتقديم ملمح بصري يساهم في تهذيب الذوق، ويرقى إلى تمثيل الفرادة الإبداعية في علاقتها بالتراث والحضارة العربية. والحال أن البعض يلج مجال الحروفيات من منطلق الهواية، بلا دراسة واطلاع يفضيان إلى النهل ولو القليل من قواعد أولية كفيلة بالدفع بمنجزه نحو الإبداعية النوعية، بدل الإساءة إلى المنتج الحروفي بشكل من الأشكال. ومن شأن العطاء النقدي الموازي للمنتج الفني الحروفي أن يساعد على إنارة الطريق للمبدعين نحو الأفضل بعيدا عن الاجترار والتكرار وكل ما يقود نحو الرداءة بدل الجودة والإثراء.
تشكيلي مغربي

 

 

 

 

 

 

المصدر القدس العربي 

فنان تشكيلي من المغرب 

اترك تعليقا