قراءة في المجموعة القصصية” وقائع منسية من سيرة الكولونيل باباي” للقاص ـ ﭬـلولي بن ساعد/ محمد بوحبيب*
بواسطة admin بتاريخ 17 يناير, 2018 في 08:09 مساء | مصنفة في حفريات | تعليق واحد عدد المشاهدات : 311.

قسم الأستاذ قلولي بن ساعد المجموعة القصصية إلى قسمين: قصص قصيرة 
ﭔ. قصص قصيرة جدا.
ولقد ارتأيت أن أبدأ قراءتي المجموعة، من قسم القصص القصيرة جدا، ليس من قبيل التفاضل، أو توخي السهولة، بالعكس من ذلك، نظرا لكون النوع الثاني  يقتضي التركيز والانتباه إلى مقومات هذا النوع الجديد من الكتابة، وما يقتضيه من تقنيات ” الكثير منها “، لا نجده في القصة القصيرة. وسأقتصر في ذلك على التي لم أحس فيها تشابها في المضمون، تفاديا لتكرار أفكاري القرائية…
ـ انقلاب ـ…
وفيها فضح الكاتب، أساليب التلاعب لدى الوصوليين ” اللاهثين”، الذين لا يتورعون أن يستعملوا كل الوسائل، حتى الدنيئة منها، للوصول إلى اعتلاء ـ المراتب ـ وتبوء الوظائف؛ بالدوس على أخلاقيات التنافس الشريف، والسباق النزيه، المبني على الكفاءات والإمكانيات ـ التي سيكرسونها لخدمة الصالح العام افتراضا ـ فيعتلون المنابر، ويتصدرون المجالس، يمدحون العدالة الاجتماعية، ويشرحون أفضال الديمقراطية؛ ولكن عندما يجد الجد، تجدهم يعودون إلى حياض القبيلة، ” يتسولون ” الدعم والمساندة، يباركون عامل صلة الرحم والقبيلة، أو ما يسمى اصطلاحا ” الجهوية”؛ وهم في ذلك يعتمدون مبدأ ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما )، ولكن مع الأسف، يوظفونه بالمقلوب ” شوف بن عمك ولو كان صنما”.. 
والعواقب غير خافية على الناس عندنا… لا اكتراث للأهلية والكفاءة في شيء. 
فنص القصة القصيرة جدا هذه، بعنوان ـ انقلاب ـ تشريح لواقع العقلية 
” الهدامة”، التي تعرقل حركية التطور الفكري، وتمنع ذلك الشعار، الذي طالما سمعنا أولياء الأمور عندنا يرددونه ( الرجل المناسب في المكان)… عقلية جرت على البلاد والعباد الكثير من الويلات، ولا حاجة ـ في نظري ـ لذكر أمثلة، لأنها ماثلة للعيان… 
وبطل النص نجده ينقلب على عقبيه بدرجة 180درجة  ، لمجرد أنه يستشعر فشل مسعاه، ليعود إلى أحضان القبيلة، “يتسول” منها الدعم والمساندة، وفي خلده ” أخاك أخاك”، ولتذهب العدالة والديمقراطية إلى الشيطان…
ــ خيبة.. 
فضيحة ثقافية، أو إن شئنا أزمة الرجل المثقف، في مجتمع يقدر كل شيء، سوى الثقافة، وثمار العقل… فهذا شاعر، وجد عصارة فكره، في مكان غير لائق بالشعر ـ لغة الوجدان والعواطف ـ تدوسها الأقدام، فانهار، وصار يكن كل الحقد على ” مجهول” ( سأطاردهم واحدا واحدا.). ص74.
لقد حدث ذلك، لسبب لا يعرفه شاعرنا، ما جعله، يتساءل أمام الراوي، عن الشخص المتعجرف الذي فعل. وكيف للراوي أن يعرفه؟ وليس هذا فحسب، بل حتى دور النشر، قد لفظته، خوفا على نفسها من توابع ” عقابه هو”،

ـ حرب المفاهيم، تقودها النوايا: بدءا من دور النشر… هل كان يمكن، أن تقوم هذه الدور ـ لو كانت نواياها خدمة الثقافة ـ أن تحرص على نشر أعمال، هذا الشاعر، وإعادة نشر المجموعة الشعرية المرمية في المرحاض العمومي، لسببين اثنين: أولهاما. التعبير عن استياء ” عرابي الثقافة ” إن كان للثقافة عرابون، من الفعل الشنيع المقترف في حق الفكر والكتاب، قبل المساس بسمعة رجل واحد ـ الشاعر ـ ثانيهما . رد الاعتبار للشاعر، وتحسيسه، بأنه ليس وحده المعني بالاعتداء، بل دور النشر أيضا معنية بالظلم. ودفعه إلى الإبداع والدفع بالمزيد من النصوص إلى النشر

ـ ما الدافع للقائم بالفعل غير الحضاري! ربما قضية شخصية ـ لا ترقى درجتها إلى ـ وفي النهاية تسيء إلى كل من يقرضون الشعر، وينشرونه. وربما فعل ناجم عن منافس ” في الميدان” ودافعه الغيرة المقيتة”، وهو في النهاية، لا يشرف الثقافة والمثقف…
ـ ولكن أعتقد أن النص يمس ظاهرة أعمق، أراها في استهتار المجتمع، بكل ما يشير إلى الثقافة؛ بسبب ما انتشر من ظاهر مادية ” تجارية”، والرغبة عن عوامل التحضر والتقدم، ونلاحظ ذلك في شوارع مدننا، فكم من مكتبة تحولت محلا للأكل الخفيف، وكم من قاعة سينما، أقفلت أبوابها، وصارت مسكنا للقالق والحمام… وكم من مرة اشتكى مثقفو بلادنا من ضعف الاهتمام بالكتاب، وأهل الثقافة. ما دفع بالكثير منهم إلى النكوص و” التوحد”. مثلما حدث لبطل النص ـ الشاعر ـ ( انسحب يجر وراءه أذيال الخيبة والانكسار) ـ ولا منا ص لنا أن نفهم السبب الذي من ورائه جاء عنوان النص ” خيبة”. فهل هي صرخة من الكاتب، بلسان الراوي ينبه بها إلى فظاعة ما نعيش، وأن نحاول استدراك الأمر

ــ ادعاء….
هذا رجل رغب في الزواج من امرأة ـ كانت رغبته في ذلك شديدة. ورفضها إياه أشد… ويبدو أن الخاطب، لما وجد نفسه وجها لوجه، أمام الرفض القاطع؛ لجأ إلى وسيلة، غير شريفة، وهي التشهير بالمرأة، وتعريضها لألسنة المتقولين؛ ووسيلته في ذلك، قلمه، واجتهد ينهش به لحم هذه المرأة، ثم ختم ادعاءه، أنه عزف عنها بسبب سوء سمعتها. 
إنه جانب ثقافي ـ خلال المجتمع ـ طرحه الكاتب، بطريقة مختلفة عن طريقة النصين السابقين… فنجد البطل قد وقع في مستنقع ” الاغتياب والغيبة”. التشهير بتوظيف القلم، وكأنما لا يوجد غيره، يحسن استعمال القلم، الذي هو أشرف من أن يوظف في الإساءة. 
وما يثير انتباه القارئ في هذا النص، أن المثقف ـ المفترض ـ لم يقع ضحية المتحاملين على الثقافة والمثقفين ـ كما في نص ـ خيبة مثلا ـ بل لعب دور الجلاد، بتوظيف سمعته ـ وكأنما هي حصانة ـ في الترغيب المعلن، والترهيب المبطن بدءا.
ولما يئس من بلوغ مراده، لجأ إلى التشهير بالعرض والشرف ـ وهو انتقام رخيص، ينم عن سوء السريرة ـ

هل العنوان ـ ادعاء ـ يفي بالدلالة على مضمون النص؟..
نلاحظ أن الخاطب ـ المفترض ـ كونه من أهل القلم، قد وظف قلمه لأهداف لا علاقة لها، بمهام القلم ـ عادة ـ ولا بالكتابة التي تفيد. فخطبة المرأة، قد تتحقق ويتم القران، من غير صفة ” كاتب ” أو ” عالم”، لأن كل الناس يمكن لهم الزواج. وعليه فهو تاجر سيء. اعتبر كتبه نقودا، يشتري بها، ورأى المرأة مجرد بضاعة، يمكن اقتناؤها، إن هو أغدق في الدفع ” مظهر شائع وشنيع”…
وتبين أن المرأة، وإن لم يصرح بذلك الراوي، بالدافع لها إلى رفض الخاطب، 
ولكن العواقب، وسير الأحداث، أثبت أنها، ذات مبدأ أو هدف ثابت ” تمسكت بموقفها”… ولفظة ” ادعاء” التي هي عنوان النص، تفي بما يرمي إليه الكاتب، بلسان الراوي. ادعاء الخاطب، كونه رجل قلم وفكر وثقافة، أول الأمر، إخفاء نقصه خلف هالة ” إنتاج الكتب”… وعند فشله في مسعاه، قلب الادعاء، إلى آفة البهتان والكذب… وجعل الجلاد مكان الضحية ـ وغرضه المخفي ـ ادعاء سوء السمعة في المرأة.
ــ ثورة..
هذا شاعر آخر، أراد أن يحقق لنفسه المجد، ويصل إلى قمته من أقصر الطرق، ووسيلته في ذلك الادعاء والبهتان كذلك. وشمعته ـ قصيدة غزل ـ أقام لها في وهمه، جيشا من الحسناوات، في كل مرة، وفي كل مكان ” يحذف كلمات، ويحط كلمات” على أن القصيدة، لم يقلها سوى هذه المرة. 
ومن شدة حرصه على كتمان، كذبه ـ و وصوليته ـ رفض اقتراحا ـ كان يمسك عليه غيره بالنواجذ ـ رفض اقتراح صحفي بنشر قصيدته في صحيفته ـ 
ــ سؤال سيحتل فكر القارئ. ما محتوى الشريط المصور، الذي قدمه الصحفي لصاحبنا الشاعر. الاحتمال الأكبر، أن هذا الشريط، يحمل استعراض الشاعر 
” المتشوعر”، في كل جولاته وصولاته، في التغزل بالمرأة، وخلالها يظهر احتياله على الحضور، ما يعني أن الصحفي، لم يرغب في مساعدة هذا الشاعر، بقدر حرصه على أن يجعله، يتواجه مع ادعائه عبر الشريط. ” يفيق باللي فاقوا لو”". 
ثورة. عنوان النص. ما السيميائية التي يحملها؟ 
عندنا مثقفان اثنان. كل منهما يخوض ثورة. الشاعر يخوض ثورة، عرفنا في النهاية، أنه أشبه ﭔ ” الدون كيشوت”، يصارع الطواحين. يدعي بما ليس فيه. ويعتقد أن تغيير الأماكن، و الألفاظ، يشفع له لدى الجميع… وطبعا بعدما يشاهد الشريط بنفسه، يكتشف زيف حلمه، وسوء عمله. ثورة خاسرة… الصحفي ومن خلال عمله، في نقل أحداث ثقافية، وقع على الشاعر ـ وقاده فضوله الصحفي، لمعرفة طاقته ـ فلاحظ عليه الزيف، وهو بذلك ثائر على الزيف، والتقول. حرص أن يقتفي أثره في كل مكان… وفي الأخير عرض عليه نشر القصيدة، ليس من قبيل العون.. فعمله بذلك ثورة ضد الرداءة والاحتيال. ( لعله يفكر بعدها في نشر كل قصائده الثورية.).

انصراف..
شاعر آخر. مصيبته أنه وجد نفسه، يعيش بين أناس، لا يفهمون همه ـ القصيدة ـ 
فزوجته تثرثر عليه، عن أمور لا يتحمل ثقلها. وأطفاله يرهقون كاهله بطلبات، لا قبل له بها. وطفح به الكيل ذات مرة، فلم يجد أمامه، من سبيل للهرب، سوى القصيدة، التي يستأنس حلاوتها، ويستلذ مجالستها، لأنها الوحيدة، التي تعالج صحراءه من الشظف في العواطف، والانقطاع في التواصل. 
ــ لماذا ” انصراف”؟ 
بطل هذا النص، يختلف عن الأبطال الآخرين ـ في النصوص السابقة ـ فهو مثقف جاد. يعيش فنه وأدبه… مشكلته أنه لم يجد من يفهمه، ويستجيب لفعل التواصل معه ـ زوجته يبدو عليها جهل همه، أو عدم الاكتراث به ـ أما أبناؤه فتفرقت بهم السبل، وصار كل واحد منهم، يجري وراء رغباته، بعيدا عن أبيه، ومع ذلك كل يطالب بشيء… وما العمل بعد ذلك؟ لم يبق أمام الأب سوى الهرب برأسه، واللجوء إلى شعره… ولكن هل القضية بهذه البساطة! لا اعتقد. فالمشكلة أعمق بكثير ـ فالإنسان في مجتمعنا، غالبا ما يجد نفسه، يعزف خارج السرب، فلا أحد يفهم ما يقول. و لا أحد يقيم له حسابا. فكم من مرة، سمعنا أحدا يقول: ” دعك منه. إنه مجرد شاعر”. هذا الشاعر وهذا المثقف، الذي يعتبر عند الأمم المتحضرة، قطب الرحى في حيال حيال مجتمع، زبدة الناس ـ L’élite حين نجده عندنا موسوما ﭔ” مجرد” ـ ﭬـوال ـ يقول يفعل. فينكفئ على نفسه ـ مثلما فعل بطل النص ـ ثم يروح يفتش عن نفسه، في شعره، ويشكو همه لقصيدته، إلى حين…
فالعنوان بلفظ ـ انصراف ـ لا يخلو من سيميائية جميلة، تلخص هموم المثقف الواعي بهنات المجتمع. هذا المجتمع الذي كبله، هوس اللهاث وراء اللقمة، التي يملأ بها البطن، ونسي الجرعة، التي ستوقظ العقل، لينتج اللقمة…
ــ صدمة..
هذه عينة من محنة المثقف ـ القاص ـ وهموم الثقافة… نوع من التداعي والهيام بالكتابة… فهذا القاص يحاور نفسه، وكأنه أصيب بندم، لم يقدر على التصريح، بسببه. لما حاول أن يترك ” محبوبته” الكتابة القصصية، ويميل عنها إلى الكتابة الروائية، فسمعها تستفسره عن سبب جفائه؛ فحاول جاهدا أن يبرر فعلته، بالاحتجاج أن القصة تفرض عليه قانونا صارما، لتحقيق المقومات اللازمة، التي تتطلبها القصة الفنية الحقة. 
وبينما حاول أن يسير قليلا، ترويحا عن نفسه، لاحظ طابورا من الواقفين، ينتظرون… منهم من وجهه مألوف لديه معروف. ومنهم من لا يعرف عنهم شيئا. الكل ينتظر دوره، في سباق محموم… وهنا حدثه قلمه: أنت قليل الحيلة. ضعيف الدهاء. واستولى عليه الخجل؛ لما حدثته نفسه بالعودة، إلى ” قصته”، مخافة أن يُسخر منه…
هي حالة تضاف إلى الحالات السابقة، التي رصدها الكاتب، عن محنة المثقف وهموم الثقافة عندنا… تتمثل في تلك الظاهرة، التي دخل فيها الكتاب، وهي التحول من الكتابة في جنس أدبي إلى جنس آخر، ونمط معين ـ ربما غير النمط الذي الفه، وعرفه من خلاله القراء؛ فيجد نفسه في سوق مزدحم من أمثاله ـ وما الطابور الذي رآه البطل في انزياحه، وتأمله، إلا تعبير صادق عن واقع الكتابة عندنا، ومن يجرون وراء الشهرة من خلالها؛ فأصابه الإحباط والذهول والخجل، وفكر: هل سيواصل فكرة التحول عن معشوقته، فيقف في الطابور ينتظر مثل غيره، أم ينقلب على عقبيه، إلى ميدانه ـ الكتابة القصصية ـ وهنا المشكلة. هل سيسلم من الهمز واللمز، أم ستقبله 
” طليقته” على مضض، وفي ذلك، يفقد عنفوانه، ولذته في الكتابة,…
أعتقد أن الإحباط الذي استولى على البطل، مبرر بالنظر إلى ما يسود الواقع المعيش. فكم من كاتب عندنا، حاول الانتقال من الكتابة القصصية، مثلا إلى الكتابة الروائية، فقام كتاب آخرون ـ وربما نقاد ـ يثورون في وجهه: ما شأنك والرواية، أنت قاص وكفى… مع أن الكاتب، على لسان البطل في هذه القصة القصيرة جدا، قد اعترف ـ ضمنيا ـ في جانب، و ـ صراحة ـ في جانب آخر، أن القصة الفنية أصعب، بما تتطلب من الكاتب، من التزام صارم، بقوانين الكتابة القصصية، من: احترام للحبكة
ومكوناتها ـ الزمكانية والعقدة والتعامل معها، وبناء الأبطال؛ بالتالي، هو يحاول في هروبه إلى شيئ من التخفيف، من عبء القيد، والكتابة بشيء من التحرر...
ــ العنوان: صدمة. 
حبكة النص تقود القارئ، عبر ” متاهتها”، بإعمال شيء من التأمل، إلى أن الصدمة، واقعة ـ فعلا ـ بالنسبة للقصة، كنوع من أنواع الكاتبة الفنية. تتمثل في رغبة الناس عنها وتركها، وكأنهم يرونها غير ذات قيمة، في الإبداع الكتابي، وكأن القاص يقع في الدرجة الثانية، بعد غيره من المبدعين ـ وبلا وعي المثقف الجاد ـ يشعر بالتقزز من هؤلاء الذين، يسلمون في القصة، هربا من جنسها الفني، ويسعون لاهثين، إلى امتشاق الإبداع في جنس آخر، وهو الرواية. ولقد سمعنا في الآونة الأخيرة، من يطلقون أحكاما، مفادها أن القصة ـ الفن القصصي ـ في الجزائر، قد مات…
والصدمة بالنسبة للمبدع ـ للكاتب ـ بلسان الراوي ـ بمجرد أن حدث نفسه، بترك القصة، ليمارس الكتابة الروائية؛ أحس بوخز الضمير، كما لو أنه اقترف ذنبا، في حق أثيرته ـ القصة ـ فجعلها تلومه عن إعراضه عنها، والتنكر لها، وليس ذلك فحسب، بل وجد نفسه ” عاطلا”، فرض عليه ـ وضع القلم ـ وقد صادف ذلك الجحافل من الكتاب ـ المعروفين لديه، وغير المعروفين ـ الواقفين في انتظار، أن ينعم عليهم بفرصة للظهور والشهرة…
وهل هناك أشد وقعا من أن يشعر المرء، بالخجل من نفسه، والتوجس من أن يوصم بالخيبة والازدراء… (… كي لا تحدجه العيون المتلصصة، بنظرات الازدراء
والخيبة والسخرية منه، ومن أحلامه المجهة.). ص81.

ــ امتناع..
رجل مدمن على التدخين، وصل به الأمر، إلى أن يلزم فراش المرض، مرارا بسبب ما يعتريه، من نوبات الضيق والألم، الناجم عن التلوث بالنيكوتين وتوابعه؛ فكان صورة حية عن العناد، حتى وهو يحفر قبره بيده. ( لم يفكر أبدا في الامتناع عن التدخين.). ص81. 
وفي يوم ما، أخبره الطبيب بواحدة ـ فقط ـ من مصائب التدخين، وهي ” ضعف القدرة الجنسية”. ولم يذكر له غيرها. فقام صاحبنا من غير تأخير، ورمى بعلبة السجائر، من نافذة العيادة… عندها فقط، اعترف وأقر أن التدخين، “عادة ذميمة”، فأقسم على تطليقها…
ـ الإدمان على التدخين ثقافة ـ وإن كان من أفظع أنواع الآفات الاجتماعية ـ نلاحظ أن الكاتب، قد خص فردا واحدا بالتشخيص؛ مع كل ما عانى من ويلات صحية، إلا أنه كان يستهلك التبغ، والنيكوتين و ما معه من سموم، يستهلك صحته ـ خدمة متبادلة ـ
وبذلك أظهرته عيادته الطبيب، أنه مهووس بعادة أخرى ـ الإدمان الجنسي ـ ويبدو أن فراسة الطبيب، قد مكنته من تشخيص حالة هذا المدمن. ولكي يجعله يقلع عن إدمان التدخين، أخبره أن التدخين، يضعف قدرته الجنسية… وتبين أن حالة هذا ” المريض”، لا يصلح فيها سوى ” لا يفل الحديد، إلا الحديد”. عندها ـ فقط ـ تمكن المدمن، أن يختار بين أمرين، فغلب جانب القدرة الجنسية، على إدمان التبغ. 
ـ امتناع ـ عنوان النص…
في هذه المرة، لم يحسم الراوي، وجهة البطل إلى النجاة من مشكلة ما، مثلما فعل مع أبطال سابقين. بل ركز على الناحية النفسية ـ التي تحكمت فيها شهوات المادة ـ 
فدفعها لتتخلص من ورطة ـ إدمان التدخين ـ ليقع في ورطة أخرى، الانصياع لحفظ القدرة الجنسية ـ خوفا من ضعف القدرة نفسها ـ لأنه كما يبدو من إصرار البطل، وانقلابه لا يرى القدرة الجنسية، كضرورة طبيعية، للتوازن النفسي والعضوي لدى الأزواج؛ بل يخطط لحفظ القدرة الجنسية، أو استرجاعها، كهوس ” مرضي”، يكبل فيه كل شيء. فالامتناع في النص، لم يؤد إلى الحل، بل اخرج البطل من حالة مرضية، إلى حالة أخرى ـ لا يعدم القارئ أن يجد مثل هذا البطل في الواقع ـ لا تقل ضررا، وتحكما فيه، فهو كمن وقع في حفرة وحل ” يرفع رجلا، ليغرس رجلا”. 
والضحية في كل ذلك، هي النفس ـ الذات ـ لم يستطع صاحبها، أن يرسم لها حدودا تحفظها، ويوجه رغباتها، فجر جشعها عليها الويل… 
حلم1..
رأى بطل النص ـ كما يرى النائم ـ نفسه، يقف على قبر حبيبته ” حيزية”، وهو يأمل أن يتمكن من استرجاع، جزء من ” أسطورة حبه”… وكما جرت عادة الحلم، انحرف الشريط بالحالم، فوجد نفسه أمام شخص، آخر غير حبيبته، هو ” سعيد”.
يسأله عن هويته. وكاد يجن. ولما عاد إلى وعيه، وجد أن هاتفه، قد ملأ عليه المكان ضجيجا، ورنينا…
يقول علماء النفس: “الحلم تصور خاطئ.”.
والأحلام من طبيعة الإنسان ـ حتى الحيوان يحلم ـ وجزء من حياته. ” لا وعي الفرد، يخزن الأحداث، لتترجم نفسها في صورة أحلام.”، عندما يستولي النوم على وعي الإنسان. وأجدادنا يقولون : النوم موت صغير. أو النوم أخو الموت… وأيا كان الأمر، فإن البطل ـ لسبب أو لآخر ـ رأى نفسه، يزور قبر المحبوبة ـ يقرأ عليها فاتحة الكتاب ـ ترحما، وفي نفس الوقت، يريد استرجاع الزمن الجميل ـ في صورة توحد، مع شاهد القبر، الذي يحمل اسم المحبوبة ـ هذا الزمن الجميل، الذي قاسمها إياه، يوما ما. 
ولكن حدثا آخر، أفسد عليه ـ اللحظة الصوفية ـ وحول حلاوة الحلم، علقما يجرعه. فرأى ” سعيد”… يبدو أن ” سعيد ” هذا ـ وضعه الكاتب بين مزدوجين ـ ما هو إلا خصمه، الذي دأب ينازعه، على حب ” حيزية”. وبذلك نجد الحلم، يؤدي معنيين: الحلم ـ الحلم ـ الذي يراه النائم في نومه. ولا دور للحالم، أو لغيره فيه. ثم الحلم الذي هو جزء من واقع الحالم ـ البطل ـ الذي ارتبط ﭔ ” حيزية”، بحب كبير.
ويبدو لي أن الكاتب، اختار هذا الاسم ” حيزية”، لمرتبته في المخيال الشعبي الجزائري. إذ تخلد قصة حب كبيرة فطرية عنيفة خلدها ـ اين ﭬـيطون”، وأنشدها المطرب عبد الحميد عبابسة. 
ونرى أن رياح الحلم، لم تهب في صالح البطل؛ لأن ” سعيد” كان له بالمرصاد. 
وهو المنافس العنيد ـ حتى في الحلم ـ حلم النوم أفسده عليه. 
نجد أن عنوان النص ـ حلم ـ كان بوابة جميلة، لحبكته القصيرة جدا. وله معنى سيميائي ـ معنى الحلم في غمار النوم، ومعنى الحلم في معترك الحياة… والبطل خسر الحلمين. إن كان حلم النوم ـ مجرد تصور ـ أما حلم الحياة الواقعية، فقد انتكس، أولا بالمنافس، ثم بالموت الذ خطف الحبيبة، التي تركته، يعاني غائلة الحب والعشق، والفراق… وعاد إلى واقع الهاتف، الذي أزعجه بدوره

ــ حلم2.. 
ـ يختصر الكاتب عشر سنوات، من عمر الجزائر والجزائريين، في نض قصير جدا ـ بحجم أربعة سطور تقريبا ـ من القطع المتوسط… بطله وقع فريسة حلم، هو ليس بحلم، بل أشبه بكابوس … حل به لما استسلم أهل المدينة ـ القبيلة للنوم، أطبق عليه حاجز مزيف، تماما كان يحدث للجزائريين في العشرية الدموية ـ عشرية النار والدمار.
هب من كابوسه ـ كما يحدث دائما للحالم ـ فوجد نفسه شاردا، يعاني آلاما شديدة في رأسه…
هذا النص يمكن أن يصنفه القارئ ، ضمن أحداث الحياة العامة ـ بغض النظر عن الفطرة التي يعرفها الجزائري ـ ودون اعتبار للمستوى الثقافي للبطل ـ مثلما رأينا في النصوص السابقة ـ شاعر، أو قاص ـ كل ما هنالك، أن لا وعي البطل خبأ له 
مفاجأة غير سارة، أزعجه بها خلال نومه… ليلة مزعجة، يمكن أن تدخل في سياق ما عاشه الجزائري ـ خلال فترة معينة ـ وانعكست على حياته في شكل كوابيس…
لمَ استلهم الكاتب هذا الحدث في شكل كابوس مزعج، في ليلة من ليالي بطله، الذي لم يشر إلى مستواه الثقافي والعلمي… هل لأن المشكلة مست كل فئات المجتمع، دون استثناء ـ على عكس ما قرأت في رواية ـ مملكة الفراشة ـ للروائي واسيني الأعرج، الذي خص فئة المثقفين، وأظهر الثمن الذي دفعوه خلال المحنة ـ وأن كل مواطن قد تأثر، بشكل أو بآخر… والآن صار كل واحد، يرى ذلك كابوسا من نوع آخر، غير كوابيس النوم، رآه وهو يتمنى أن يراه مرة أخرى. 
ـ ندم..
قصة حبيب، شده الشوق والوجد إلى لقاء الحبيبة… سعى منقادا بقوة الذكرى، إلى مكان اللقاء المعتاد. ولكن لمجرد مرأى الحبيبة، أطبق عليه الندم بفكيه، وجعله ينقلب على عقبيه، ويختفي…
ـ نص من ثلاثة سطور ـ تقريبا ـ يلخص مأساة العلاقات الاجتماعية ـ الحميمة ـ بين الرجل والمرأة… فهذا الزوج ـ الرجل والمرأة ـ يبدو أنهما عاشا أوقاتا حلوة، وأقاما لنفسيهما أحلاما لذيذة، ولكن تضارب المشارب ، و تقاطع الأهواء، أنتج فرقة حتمية. فانفصلا؛ وجاء فعل الحنين، بقوته، يشهر سوطا، لا يقهر بسهولة، فانقاد له الرجل يقصد مكان اللقاء المألوف… والمفاجأة، أن مرأى المرأة، قد ترك في نفسه آلاما دفينة، وأيقظ من لا وعيه ذكرى غير سارة؛ تجلده جلدا في أعماقه، فلم يكن أمامه سوى الانسحاب والاختفاء عن نظرها. 
ـــ ندم بسبب أي شيء!.. 
.. الندم مارد جبار، ينبعث من قمقم، يقبع في آخر عربة، من طابور الأحداث التي يعيشها المرء… 
هذا الرجل ـ بطل النص ـ الذي أنهكه الندم، قد استجاب لنداء ـ ربما ـ عن طريق الهاتف، يدعوه إلى اللقاء في المكان المحدد، ( فانقاد مثلما ينقاد البحارة ـ في الأساطير ـ لنداء حوريات البحر ) مخدرا بالشجن والذكرى والحنين، وكاد ينسى ماضيه، ولمجرد أن لمح الحبيبة، عرف أنه أخطأ المرمى؛ ففر هاربا بجلده. لمَ قعل ذلك! هل لأن مرأى هذه المرأة، قد انقلب من النقيض إلى النقيض في وجدانه ـ من صورة محببة، إلى صورة منفرة ـ بسبب أن ما آلمه، كان لها ضلع فيه…
أم بكل بساطة، كانت قد ارتمت في أحضان خصمه، ونادته بالهاتف، لتعلمه أنها لم تضيع وقتها ـ في انتظاره ـ ولم تفقد حيلة، في الإيقاع، بمغفل آخر، أكثر منه. فكان له ذلك، بمثابة صدمة، بعثت بمارد الندم من أعماقه، ليبكي بقلبه، لا بعينيه…
فالندم في هذا النص القصير جدا، له حدان: ندم، لأن بطل النص عرف هذه المرأة أصلا. وندم آخر، لأنه وقع ضحية كيدها ومكيدتها...
انسياب..
هذه القصة القصيرة جدا، تشرح واقعا، أقل ما يمكن قوله عنه، أنه واقع الانتهازية، واصطياد الفرص… رجل يلتقي امرأة، وأول ما يرمي إليه هو التمكن من جسدها. 
( ترك يده تنساب بهدوء إلى صدرها.). ص85. وبالمقابل ما يهم هذا النوع من النساء، إنما هو اغتنام الفرصة، للتسلل، وجس انتفاخ جيب الرجل بالأوراق النقدية. ( تركت هي أيضا، يدها تنساب بهدوء إلى جيبه.). ص85.
انتفاء العلاقات الحميمة، بين الرجل والمرأة ـ كل طرف وقع تحت تأثير الوصولية ـ فوضع نصب عينيه هدفا ماديا محددا، فسعى إليه بكل حيلة ” بهدوء”، دون اعتبار لعرف أو خلق ـ عرف الحب الذي ـ عادة ـ يربط بين الطرفين.
هو نص قصير جدا، من جملتين طويلتين فقط. يلخص للقارئ، واقعا شائنا، استولى على العقول فيه، مبدأ ـ المادية البحتة ـ أو ما يمكن تسميته ـ قضاء المآرب ـ وقتيا، ووأد المبدإ الخلقي بين الطرفين…
ـ.. خلاصة ما تناولت من نصوص قصيرة جدا بالقراءة والتحليل، أعطاني فكرة، أن الكاتب ﭬـلولي بن ساعد، سعى إلى التعبير عن هموم المجتمع، من خلال أفراد انتقاهم من الصفوة ـ إن جاز التعبير ـ وزاد بعضا من العامة، الذين لم يلمح إلى مستواهم الثقافي ـ خاصة ـ ولقد نبه في بداية المجموعة، أن الأحداث والشخوص، مجرد تخييل ـ ولكن أرى أن الكتابة الفنية، أيا كان تبرؤ الكاتب، فإنها تعود إلى ـ فن الممكن ـ أقصد أن الواقع، لا يعدم ما ينتج من تخييل الكاتب، بصورة أو بأخرى.
كما وظف إمكانياته في مجال القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، من: خصوصيات ومقومات، ومن قصر وتكثيف، وترميز وتناص وحذف… 
ووظف حتى ” صدمة” القارئ، بنهايات مفاجئة، ما يضفي على النص حلاوة، وتشويق ـ للدخول ـ في مشاركته التخييل، و البحث في مصير الحدث، أو البطل ـ أو البحث في سراديب السرد، من أجل فك الرموز والإحالات، من خلال ألفاظ انتقاها الكاتب

في الجزء الثاني، من القراءة، سنتناول القسم الأول من المجموعة، وفيه القصص القصيرة…
وارتأيت أن أبدأ مناقشة هذه القصص، وقراءتها من آخر نص فيها، وهو الذي يحمل عنوان المجموعة كلها ـ وقائع منسية من سيرة الكولونيل باباي ـ 
ــ بدءا من صورة الغلاف: عسكري يظهر للرائي من جهة الظهر، تحت إبطه وارتأيت أن أبدأ مناقشة هذه القصص، وقراءتها من آخر نص فيها، وهو الذي يحمل عنوان المجموعة كلها ـ وقائع منسية من سيرة الكولونيل باباي ـ 
ــ بدءا من صورة الغلاف: عسكري يظهر للرائي من جهة الظهر، تحت إبطه الأيسر جرابه وفي يده اليمنى، سلاحه، الذ يبدو آليا، يرتدي بزة عسكرية  وهو منطلق إلى أمام، وعيناه إلى الأفق، وكأنه ينظر إلى هدف هناك، يستعجل الوصول إليه… الصورة خلفيتها خضراء، مفعمة ببياض شاحب، عند قدميه، يبدو حشيش مخضر يانع. ربما فيه حيوية ونشاط، يترجمان حيوية ونشاط العسكري ـ الكولونيل ـ الذي أمامه مهمة …
العنوان: وقائع منسية من سيرة الكولونيل باباي.
هناك سيرة رجل، كرس حياته وجهده منذ صغره، لخدمة وطنه، وأمامه هدف واحد، هو تخليص أرضه من براثن الغاصب المحتل. ويبدو أن الراوي وحده يعرف كل شيء عن هذا البطل ـ بينما هو منسي من الناس حوله ـ لقد حرص الراوي أن يعيد ذكره إلى أذهان الناس. و الكولونيل باباي… عقيد تدرج في مستويات الرتب العسكرية. إلى أن وصل إلى أعلى رتبة ـ عقيد ـ ما يعني أنه رجل غير عادي، بدأبه على الجهاد والكفاح، ليحقق النصر تلو النصر. ويرتقي ويرتقي. 
أما الاسم الذي لصق به ـ باباي ـ فهو اسم مستعار، واسمه الحقيقي، هوـ النعمي ـ فالاسم المستعار هذا أطلق عليه، لما قيل، إنه ظهر في ناحية وهران، بهذا الاسم، أو الكناية ـ لقد جاء من مسقط رأسه إلى الجزائر العاصمة، ونشط مع إخوانه في عمليات فدائية ضد العدو، ولما أحس ان العدو، بدأ يضيق عليه؛ انطلق خارجا، وعاد إلى مسقط رأسه؛ ثم غاب عن الأنظار، يحارب في مكان ما من وطنه، الذي أحبه، وآل على نفسه، أن يساهم في تحريره من الاحتلال… 
اسمه الحقيقي ـ النعمي ـ وقد أطلق عليه، باقتراح من خالته ـ فاطمة الداية ، وهي التي أدت دور القابلة يوم ميلاده ـ تريد بذلك تخليد اسم زوجها، الذي مات مع ستة عشر من رفاقه ـ وترك زوجته، التي عركتها الحياة، وأكسبتها الحكمة…
عاد النعمي من منطقة القبائل. ( عاد النعمي مع زوجته وأولاده، الذين ولدوا كلهم بعد الاستقلال، في بلدة صغيرة هناك في جرجرة.) ص56.
نزل ببيت أخته ـ زهرة ـ فأحسنت استقباله وأسرته. وذكرها مثوله أمامها، بخالتها فاطمة الداية… هذه المرأة التي لم تصدق يوما بموته ـ كما أشيع ـ فكانت تكرر عليهم، 
لا! لم يمت . سيعود يوما . وعرف بوفاتها من ملامح أخته. ( كانت صورة خالته فاطمة الداية تغطي كل سماء قريته.). ص58

ودخل بذلك في نوع من التداعي والمونولوج، كمن يلوم الأيام، أو يلوم نفسه على طول المدة التي، عاشها بعيدا عن مسقط رأسه ـ قريته. وكاد ينسى خالته العزيزة ـ لولا أن لا وعي ـ باطنه ـ قد خزن ذكرياتها، (… من أنساني فيها…). ص59.
دخل البطل ـ النعمي ـ في نوستالجيا شديدة، شدته إلى طفولته ـ كانت بمثابة أمه، ربته واعتنت به ـ ها هو في هذه اللحظة، لم يعد ذلك العسكري، الجاد ـ الصارم ـ الذي لا يعرف التراجع ـ القهقرى ـ مع كل النياشين على صدره، والنجوم على كتفيه، لم تكن لتمنعه من أن يكون رقيق القلب، جياش العواطف، أشبه بصبي

يحلم أن يعود إلى أيامه الأولى، ليرتمي في حجر خالته، ويشم رائحتها … 
ولم يستيقظ من أحلامه يقظته ـ إلا عندما وضعت صينية القهوة أمامه، فشم رائحة  الشيح والقرفة. ثم عاد إلى واقعه، ليجد نفسه في بيت أخته؛ وبجانبه كانت ابنته فاطمة تقلب صفحات ـ ألبوم ـ صور كانت تظهره مع جماعة من القادة ـ فما كان من أخته ـ زهرة ـ إلا أن تأخذ إحدى صوره، وتعلقها في إطار في بيتها…
يبدو تعلق ـ النعمي ـ بخالته وثيقا، لدرجة أن أطلق اسمها على ابنته ـ فاطمة ـ إحياء لذكراها، كما فعلت هي بإطلاق اسم زوجها عليه ـ النعمي ـ 
حاول النعمي بطريقة لبقة، أن يمنع اخته عن محادثة نساء الجيران، عن رتبته العسكرية ومرتبته، بأن ذكرها ألا تكلف نفسها، عناء تحضير عشاء، لأنه يفضل أن يكون عشاؤه طبقا من ” المسفوف”. الطبق الشعبي الذي يمتن به الجزائريون…
ـــ في الجزء المار معنا من القصة، نجد الكاتب، قد تفنن في توظيف التراث: الأمثال. الشعر الشعبي. ومأكل الأجداد، إلى جانب شيء من التناص من القرآن الكريم. وكذا عادات صلة الرحم، والتواصل بين الأجيال والأهل ـ من خلال توارث الأسماء ـ اسم البطل، هو اسم زوج خالته… واسم إبنته هو اسم خالته… حفظ صور الأحبة، وإظهارها في واجهة البيت. إلى جانب الارتباط العاطفي بين الأفراد: البطل مرتبط بخالته.. والخالة بزوجها. والأخت زهرة مرتبطة بأخيها، من خلال الاحتفاء بعودته بعد غياب طويل. وابن الأخت ـ صالح ـ مرتبط بخاله أشد الارتباط، إلى درجة، أن عرفه من خلال الصورة أولا، ثم لما التقاه؛ جسد تعلقه به، بأن فسخ خطبته، مع خطيبته ـ خديجة ـ حتى يلبي رغبة خاله، الذي أصر أن يزوجه إبنته فاطمة.
وأكثر من ذلك، أن الكاتب قد أحاط البطل، بهالة من “القداسة” ـ وكأنه محروس من قوى غير مرئية ـ فهو لم يصب ، ولو بخدش خلال كفاحه الطويل، ضد العدو، في أماكن مختلفة من الوطن. ثم تكريس كل طاقته وجهده، لخدمة المبدإ: الدفاع عن الوطن ، وتحريره من الغازي. وكان ذلك مكللا، بأن ارتقى في درجات الرتب العسكرية، إلى أن تبوأ أعلى رتبة ـ في ذلك الوقت ـ عقيد. المعروفة بعد استرجاع الاستقلال… بالإضافة إلى اتصاله بوجوه معروفة من القادة في تاريخ الثورة التحريرية

ــ ندخل في جزء آخر من أحداث القصة، مع الشاب ـ صالح ـ ابن أخت ـ النعمي ـ الذي تعرف على خاله، ماثلا أمامه، لا من خلال الصورة كالسابق. إذ لاحظ فعل الزمن والسنين، في ملامحه. وحدث أن السلطات المحلية، أوفدت إلى بيت الأخت زهرة، جماعة تعرض على الكولونيل باباي ـ النعمي ـ خدماتها، وتقترح عليه الحماية. فرفض العرض رفضا قاطعا، فيبدو أنه لم يسلم في شيء، من أنفة الثائر المبذال. خاصة لما علم أن أحد الموالين للغازي، والذي وشى به، جاء مع الوفد؛ فقال بأنه يرفض أي عون، وأية حماية، من هذا الصنف من الناس. وصرح لهم معتزا، أنه واحد من سكان القرية فقط. لا الكولونيل باباي… ثم أشيع عنه، أنه كان كان يعيش في وهران، بهذا الاسم ـ باباي ـ 
كما يكتشف القارئ أيضا، زاوية مظللة ـ ربما تركها الكاتب عمدا ـ إلى هذا المستوى، من سير الحبكة، والمشكلة في هذا الاسم الغريب، إذ هو من اختلاق الإشاعة ـ إشاعة الذين زعموا أنهم يعرفون النعمي بهذا الاسم ـ المستعارـ 
ولكي يبرر رفضه العون والمساعدة ـ الحماية ـ طلب من صالح، ابن أخته، أن يرافق من الغد، أبناءه يطلعهم على كل نواحي القرية، ومعالمها. 
ــ أرى أن الكاتب، قد وظف هذه الشخصية ـ النعمي ـ بالاستناد إلى حقائق تاريخية، عن مجاهدي ثورة التحرير الكبرى، أضفى عليها، قدراته في التخييل، وفن الممكن، ليصل إلى القارئ، نموذج من أولئك الذين أيديهم من شيء، بمجرد أن وضعت الحرب أوزارها، وأعلن عن استرجاع الاستقلال، فدخلوا إلى أهلهم، ورضوا بالعيش بينهم. و رفضوا حيازة أي شيء، أو نيل أي امتياز. واكتفوا عزة، أن طردوا المحتل الغاصب مدحورا، إلى ما وراء البحر. ولكنه لم ينس شيئا عزيزا مهما لديه، هو أن يعرف أبناء ولدوا في منطقة أخرى، أن يعرفهم بمسقط رأسه وأهله. 
إلى جانب هذا، يبدو على شخصية ـ النعمي ـ البعد الوطني ” أو كما نقول اليوم: شخصية وطنية”. فهو ابن ” زنينة”، في جنوب البلاد، ولكنه خاض الثورة التحريرية، في مناطق متعددة من الجزائر…
بعد هذا يعود الكاتب بالقارئ إلى شيء من سيرة ـ النعمي ـ ” المدنية”، وكبف كان له صداقات، منذ الصغر، احتفظ بها، ومعها ذكريات، من خلال صور تذكارية. فقد قادته العودة إلى دكان ” العوفي” الحكواتي، والذي درس معه في الكتاب، عند الشيخ.سي علي بن بغداد  وقاده هذا الأخير بدوره، إلى صديق ثالث، هو قويدر القهواجي. وعبر هذه العودة، وهذه العودة بدورها، كانت وسيلة القارئ، للتعرف على عادات وتقاليد، في المأكل والمشرب، تتميز بها المنطقة ـ زنينة ـ التي يبدو أنها مولد البطل ـ وكأني بالكاتب، يضير إلى أن الصداقة ـ كالعملة الصافية ـ مهما فرقتها الأيام، تبقى محتفظة بألقها وصفائها، ومهما كانت الأحداث مؤلمة. وهو بذلك يشخص المثل الشعبي ” غير الجبال اللي ما تتلاقاش”". 
حاول كل من ” العوفي وقويدر” استضافة الكولونيل ـ النعمي ـ أو باباي ـ ولكنه اعتذر في أدب، وألح أن يكون له جولة، عبر “حارة  الزيقم”، الحي الذي يحتفظ لنفسه فيه بذكريات كثيرة؛ كما مر ناحية المقبرة، وترحم على خالته ـ فاطمة الداية ـ وامرأة أخرى إسمها سلطانة   
ذات صباح فوجئ سكان ” زنينة ” بخلو بيت زهرة، أخت النعمي. لقد رحل الجميع إلى وجهة مجهولة. حتى إن صالحا، ابن أخت النعمي، قد فسخ خطبته، مع خديجة ـ خطيبته ـ ليتزوج بابنة خاله ـ فاطمة ـ 
حدث هذا ربما، نظرا للتغير الحاصل بالمنطقة، فقد غابت البيوت الأصلية، لتحل محلها، عمارات، كما بقيت بعض البقع فضاء مفتوحا، بعدما أزيلت منها المساكن. وبقيت أطلالها خالية على عروشها.
لقد حرك الكاتب الأحداث في هذا النص، على محورين اثنين: محور ثورة التحرير الكبرى، وأثرها على الناس ـ اجتماعيا وثقافيا ـ إلى جانب تحرير الأرض من أيدي الغاصبين. 
ثم محور البطل ـ النعمي ـ الذي تميز بالفرادة، والأوصاف الخاصة به، حتى إنه أثر في أصدقاء صغره… فهم لم يصدقوا، أنهم اليوم يرونه رأي العين، أمامهم ماثلا، بعد مدة غياب طويلة؛ اعتقدوا خلالها أنهم فقدوه إلى الأبد. فإذا به يحل بينهم. فجأة…
بالإضافة إلى الحالة النفسية، التي اتسم بها البطل ـ الكولونيل باباي ـ النعمي؛ وهو يعود إلى مسقط رأسه، حريصا أن يعوض ذلك الغياب الذي عاشه، بعيدا عن موطن، نشأ فيه
وترعرع في ربوعه… وما تلك الجولة التي قام بها، إلا نوع من النوستالجيا 
” المحمومة” إلى أماكن، ألفها وارتبط بها نفسيا وروحيا، وكأنما يتمثل قول الشاعر:

” كم من منزل يألفه الفتى وحنينه أبد الدهر لأول منزل”.

حكاية أخرى….
البطل الراوي يحكي عن زمن الطفولة؛ زمن اللعب واللهو في أزقة القرية، والجري وراء كتب المغامرات، وحكايات الجد…
ثم يركز على أحد معارفه ـ البوهالي ـ الذي خدع في حبه: تركته محبوبته، منساقة وراء بريق المال
ينقل الكاتب السرد إلى شخص ـ البوهالي ـ نفسه، فيحكي كيف أنه عاش أياما ـ لما كان طالبا جامعيا في الجزائر العاصمة ـ البهجة ـ وكيف زار مدينة ـ الباهية ـ وهران، فيركز بدوره، على حكاية دخوله عضوا في حزب سياسي ـ بالصدفة ـ ” ورب صدفة خير من ألف ميعاد.”… هذا لما سأله الراوي عن انتمائه السياسي: هل أنت شيوعي؟.. فانطلق يقص عليه، كيف أنه ذات مرة، وهو يسير، انساق وراء غواية فتاة، تسير أمامه، فحاول اللحاق بها لمغازلتها، حتى وجد نفسه، أمام مقر حزب سياسي يساري. فلم يجد بدا من التذرع، بأنه قدم للانخراط في صفوف الحزب. ووجد أمامه فتاته، تعرض عليه مشاهدة فيلم، عن مدينة صحراوية، فقبل العرض، وكان له معها مغامرة غرامية ـ على غرار ما حدث، بين جماعة مشاركين، رجالا ونساء، لا يفرق بينهم شيء ـ ثم خرج من المقر، على موعد لقاء مع الفتاة. ( … وفي البال لهفة لهدير غواية أخرى، وحكاية أخرى.). ص24.
ـــ قصة بطل، وقصة حياة، وتلاعب الأقدار بالناس في اتجاهات مختلفة، تلاعب الرياح بالأوراق المتساقطة، ومشارب متضاربة، لتحط بهم في مرافئ، قد لا تعجبهم.
فبدءا بحال الصغار في القرية، والمعاناة التي نالت منهم، وعضتهم بأنيابها، إلى هذا الفتى ـ البوهالي ـ والذي يقول عنه الراوي: لا أدري لمَ ينادونه ـ البوهالي ـ فبعدما قست صروف الدهر، وجرت رياح الحب، بغير ما تحب سفينته ـ إذ تركته التي أحب ـ وجد نفسه، يستغل منحة والده، ويتصرف فيها على هواه ـ وهو يعيش في العاصمة، وحسب ما روى بنفسه ـ عن نفسه ـ للراوي؛ فإنه قضى حياته، جاريا وراء اللذة، منساقا للغواية، ولم ينتبه لنفسه، إذ قال: ( إلى غواية أخرى، إلى حكاية أخرى.). ما يعني أنه لم يرتدع، ولم يتعلم درسا من دروس الحياة، عن التيه والضلال، في مشارب الحياة. 
ـــ في هذا النص، نوع الكاتب في طريقة السرد ـ الراوي يروي عن راو آخر هو بطل النص ـ نجد البطل الراوي، يحكي عن نفسه ـ بضمير المتكلم ـ وهو ما يسمى المصاحبة من الداخل ـ ثم جعل الراوي نفسه، يحكي عن أحد معارفه ـ بضمير الغائب ـ هو ـ أو المصاحبة من الخارج ـ زد على ذلك أن فضح الكاتب، جانبا اجتماعيا، في قطبين اثنين:
ـ تفشي الملذات والرذائل ـ بوسائل مختلفة ـ استغلال المناصب، تحت ذريعة النضال السياسي، للغوص في عالم الفساد الخلقي ـ مثلما رأينا في مقر الحزب السياسي ـ 
ـــ لماذا قال البطل ـ البوهالي:” إلى غواية أخرى، إلى حكاية أخرى”؟ 
لقد رأينا كيف أن هذا البطل، انتقل من مكان إلى مكان. من: زنينة إلى الجزائر العاصمة، إلى وهران، و في كل منها له مغامرة. بل مغامرات. ما يعني أن دخوله الحزب السياسي، ليس إلا خطرة في مغامرة، عاشها في القاعة مع المشاركين، في جو ” إيروسي” ما يعني أن ذلك، حكاية صغيرة في سلسلة حكايات، ستأتي بعدها، لتثري سجله ” المغامراتي”. يفهم القارئ ذلك من خلال نهاية النص (… وفي البال لهفة غواية أخرى، وحكاية أخرى.). ص24.
فنهاية القصة بمفهوم المصطلح الشائع لدى القراء ” نهاية مفتوحة”، على خوض مغامرات قادمة، وحكايات تابعة، قائم، مع شيء من التحفظ عن المفهوم، لأن النص كله مفتوح على أبجديات أخرى، لا نهايته فحسب.
ـــ ومدلول اللفظ ـ بوهالي ـ ومنهم من يقول:” بودالي”، في اعتقادي ـ هذه التسمية في المخيال الشعبي، تطلق على الشخص المنسرح، الذي لا يحسب للعواقب حسابا، ويضرب في كل اتجاه، و لا يقر له قرار. وأحيانا تصدر عنه أمور تحير معارفه؛ فيتساءلون: كيف لهذا الشخص أن يفكربهذه الطريقة؟ أو أن يأتي بهذا الفعل؟ وفي هذا النص، أتى بحيلة قد يغفل عنها من يتصور نفسه ذكيا ـ حين غير مجرى الحدث، من مجرد نزوة، تعقب فتاة، إلى أمر جاد هو النضال السياسي ـ ” لقد جنئت أنخرط في صفوف حزبكم

ـــ حراق..
كان ـ البطل ـ الشاب، تائها في أزقة قريته، وأذناه تلتقطان أصواتا، لا يعرف عمن، أو عما تصدر؛ ولكنه يفهم ما تعني ـ إنهم يرفضونه بينهم ـ (… لا مكان لهذا الولد الضال بيننا، إنه يريد أن يعلم أبناءنا فقه الخروج عن الصف.). ص31.
إنهم صادقون في ادعائهم، إلى حد ما، فهو منذ صغره، تعود الرفض ـ العزف خارج الصف ـ كان يرفض الامتثال للأوامر، عكس أنداده. 
لما مر بثلة من أقرانه ، سمع ابن شيخ القبيلة ” ينصحه”: ( سيأخذ منك التعب منتهاه، لن تجني سوى الخيبة، وبؤس المصير.).ص32. فيرد عليه صارما: ( يا أحمق! أردت أن أفتح عيونكم على الأفق البعيد، لكنكم راضون بالوضع…). ص32.
ينصرف وحده، قاصدا مدينة الجزائر العاصمة ـ البهجة ـ وبين يديه مصيره، كغيره ممن لبوا نداء ” الحرﭬـة”، يروم أن يلقي بنفسه في اليم؛ بعدما لم يجد ضالته في بلده… لقد أسدل الستار بينه وبينهم. ومحا الخوف من قلبه.
ـ هذا نص يتناول حدث الساعة… هو غير مرتبط بالجزائر وحدها، بل يمس أغلب بلدان العالم؛ وهو الهجرة غير الشرعية، أو ” الحرﭬـة”، لسبب أو لآخر. وفي الأيام الأخيرة، صنفت مفوضية اللاجئين ـ الحراﭬـ ـ باعتبار الدافع للهجرة، فحسب هذه المؤسسة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، فإن الأمر يتعلق ﺑ ” المهاجر والنازح واللاجئ”.
فمن الناس من يهاجر، أو ينزح، أو يلجأ… وبطلنا في النص ـ وإن لم يصرح بالسبب، يبقى أنه عازم على تغيير الأجواء، وإلقاء نفسه في عرض اليم، وليكن ما يكون. وقد يكون الأمر متعلقا بالنسبة إليه ـ بوضعه الاجتماعي ـ إذ يبدو أنه وحيد، لا أهل له، ولا صدر حنونا، يفضي له بأحلامه. كما أنه يرى قريته مجرد غابة، يسير أمورها، شلة من أناس، يمارسون السلطة ” البطريركية ” على غيرهم، بينما طبعه يأبى ذلك. فينطبق عليه المثل الشعبي ” اخسر أو فارق”. فبعدما نبذته الجماعة، ووصمته بنعوت ـ يرى نفسه بعيدا عنها ـ لم يبق له سوى الهجرة، بأي وسيلة. بعدما عانى في طفولته وشبابه، من ظلم بسبب ” ذنب” لم يقترفه، سوى أنه، رفض نير ” الوصاية”…
ـــ في هذا النص يسمع البطل حوارا لاذعا، يمس بسمعته وشخصه، لم يتعرف على المتكلم، وإنما فهم ” الهمز واللمز” الذي يعنيه… 
بينما في مرحلة الحوار المباشر، بينه وبين ابن شيخ القبيلة؛ كان كلامه لاذعا، ينم عن ثورة، تضطرم في أعماقه، وقد جلل كلامه نحو ” خصمه” بالسخرية القارصة”: 
(يا أحمق! أردت أن أفتح عيونكم على الأفق البعيد… إنكم قد صدقتم الوهم.). ص32.
حدث هذا مقابل أسلوب ابن شيخ القبيلة، الذي يتسم بالسلبية والانهزامية: ( سيأخذ منك التعب منتهاه، فنحن راضون بحكمة ولاة أمورنا.). ص32.
الحوار المباشر بين الشخوص، يعبر عن الحالة النفسية لكل منها ” الشلة من جهة، والبطل من جهة، وابن شيخ القبيلة وحده من جهة”. ويشرّح الطريقة التي يفكر من خلالها كل طرف، ويتبنى لنفسه، أسلوب حياة: البطل العزم على الرفض، وحمل مصيره بين يديه، وثلة ابن شيخ القبيلة، استولى عليها التواكل، وتسليم الأمر لأولياء الأمور: السمع والطاعة والتنفيذ…فحسب

خرير الذكرى.. 
في هذه المرة, اعتمد الكاتب السرد، من خلال استرجاع حلم، رآه البطل… جاءه الحلم بذكرى والده، يوصيه خيرا بالأرض… هذه الأرض التي دفع الأجداد من أجلها ثمنا باهظا، من أجل استرجاعها من أيدي الغزاة…
الأرض التي تعود أن يرى عمر العيفاوي، يسير في جنباتها، حافي القدمين يتغنى باسم امرأة، لقبها ﭔ” الشمس”، وسماها هو ” عيشوش”… في الشتاء البارد، يلتمس من الشمس الدفء، كأنما يتدفأ بشيء من ” عيشوش”، ثم يطلب بعضا من أغاني الصحراء، التي تتقنها، وتتحدث عن معاناة الشعوب…
عمر العيفاوي ” علامة” المدينة. غادر الحياة في عز الشتاء البارد؛ فلم تعد 
“عيشوش”، تقصده مع ابنتها ـ سناء ـ كانت تأتيه فتمسح عنه وجع الأيام، وقساوة الحياة. والآن، قد غادر المدينة، لما ذبح ” مخلولا” ـ ابن الناقة ـ مع أن عجوزا، ترجته أن يعدل عن ذلك…
يبدو أن عمر العيفاوي، صار إلى هذه الحال، بفعل المرض الذي أنهك زوجته، وجعلها سقيمة؛ فاليوم، قد قادته ” عيشوش” إلى الجهة الشرقية من المدينة، ما أثار شجنه وآلمه، وفطر قلبه، لما سمع زوجته المريضة، تنادي: عمر… عمر… فازداد ألمه وكمده؛ وسارع إلى الاختفاء، درءا للحزن والألم،.( … سرعان ما اختفى… عائدا إلى ركنه المفضل.) ص11.
وفي هذا اليوم، التقاه الراوي، فأخبره كم يفرح، وينشرح لما تزوره الشمس ” يقصد عيشوش”، وأنه يعود طفلا، أو صبحا أغواه الضوء… وهو الأمر الذي يدفع الراوي إلى التأمل. (… ولكني أستغرب عندما أراها، تنفصل عن كونها، فكرة مجرد فكرة لتتحول إلى شمس الحقيقة.). ص11.
ويشعر بالحزن، لأنه سمعه يقول عن شكواها من الشتاء، حين عزم على إخفاء عمر العيفاوي عنها… وعندما أطلق عمر العيفاوي ضحكته المجلجلة، وقبل أن يهرب 
ـ الراوي ـ من حكاية عمر والشمس وسناء، و عيشوش والعجوز، صحا من نومه، على صوت ولده الصغير، يملأ عليه البيت ضجيجا… (… وحلم  غريب صوره لي خيالي المريض… كما لو أنه حقيقة.). ص12. 
في هذه القصة، يدفع الكاتب بالبطل إلى عالم الحلم؛ والحلم في هذه المرة، يتعلق بشخوص في حياة البطل، وطريقة الحياة التي عاشها، في هذه البقعة… فهو أشبه بالدرويش الذي تصدر عنه أفعال وأقوال، قد يصفه بسببها البعض بالخبل والجنون؛ ولكنه في واقع الأمر، يمثل مخيلة القرية ـ أليس هو علامة القرية: يعرفه الجميع ـ 
النص ـ في نظري ـ وإن اعتمد فيه الكاتب السرد الفني، لا يخلو من إحالة على الواقع المعيش… فكم من قرية، أو منطقة احتفظت في مخيلتها، وروايات أجيالها بذكرى أشخاص، كان لهم الأثر البالغ في حياة الناس. فالعيفاوي بالنسبة للبطل، ذكرى تحمل جزءا من تاريخ القرية… والسؤال الذي يراودني هل سيحكي الذي عاشه في نومه على ولده، وبذلك ـ ومن خلال الحلم ـ ينقل حلقة من مخيلة القرية، إلى جيل آخر غير جيله، ليحفظها أمانة، فيرويها بدوره، لأصدقائه  وربما أبنائه

ـــ نمرة في مهب العاصفة… 
أستاذة موسيقى ـ التربية الفنية ـ بالثانوية. دفعتها الظروف إلى أن تمتهن البغاء؛ بسبب أنها في يوم ما، وجدت نفسها في مواجهة التطرف، الذي لا ينسجم في توجهه مع الفن، وما له علاقة بالفن… ومع الضغط، وجدت نفسها، تسقط في المحرم مع زميل لها ـ مساعد تربوي ـ ما جعلها أشهر ” من نار على علم”، في المدينة المحافظة صديقة ـ زميلة ـ لها، مارست المهنة الأقدم في العالم… وفي بيت زميلتها اقترنت بزبون بعقد زواج أثمر بنتا؛ ولكن جو المحيط، انعكس على العلاقة الزوجية، ووقع الانفصال بينهما …
في هذا اليوم، قرأت رسالة قصيرة على هاتفها. هي صديقتها مريم، تدعوها للحضور إلى بيتها حالا ـ كالعادة ـ لأن زبونا غير عادي في انتظارها… 
لقد استطاع هذا الزبون استنطاقها، فأفضت له بأسرارها ومعاناتها ـ بعدما وعدها أن يكون عونا، لها على عودتها إلى منصب عملها في الثانوية ـ النص قصة قصيرة في شكله، ولكنها تحمل الكثير من آلام المجتمع في مضمونها. فقد وضعتنا أمام مشكلة ثلاثية الأبعاد: نجد فساد الأخلاق، حتى بين الفئات المتعلمة ـ المثقفة ـ فهذه  البطلة، تعودت على ارتياد الأماكن المشبوهة ـ سيئة السمعة ـ وهي على مقاعد الدراسة. إذ كان يفترض أن تسهر مع الكتب، في حوار مع الكتاب والمفكرين؛ فضلت ارتياد الملاهي، والفضاءات المغلقة ـ تمارس الرذيلة ـ
وكما يقال:” من شب على شيء شاب عليه “. فها هي أستاذة موسيقى ـ كان يفترض أن تكون قدوة لطلابها ـ تربيهم على رهافة الحس والذوق الجميل من خلال محاورة الموسيقيين المشهورين؛ وصورة ناصعة لزملائها، ومهنتها العظيمة ـ أو قعتها نفسها الضعيفة، وشهوتها الطاغية في المحظور، مع زميل لها، يمثل همزة وصل، بين أعضاء الأسرة التربوية… 
البعد الثاني: الخداع والغش. الذي هو وليد سوء الخلق. والخضوع للنفس الأمارة بالسوء. فهذا الذي ادعى الارتباط بها بعقد زواج شرعي ـ والزواج رباط مقدس ـ على علم سلفا بأخلاق هذه المرأة، وسيرتها المشبوهة ـ كان واحدا من زبائنها ـ ولكن مع أول فرصة، تنكر لها ـ قلب لها ظهر المحن  ـ ونسي قداسة الزواج، ثم اتهمها بالخيانة الزوجية؛ وأنكر عليها ابنتها معه… ففعله بذلك أوضح صورة عن آفة اجتماعية ـ وإن كانت لا تختص بالمجتمع الجزائري وحده ـ فهي موجودة، وآثارها قائمة. 
البعد الثالث. ويتمثل في هذا الضيف غير العادي… الرجل المتحزب، الذي يستغل ظاهريا، صفته التي اكتسبها من بطاقة حزبه، ليوزع على أساسها الأحلام والأوهام في النفوس الضعيفة المرهفة، والأجساد المستغلة… وهدفه الأخيرالوحيد، من وراء ذلك،
إنما هو تحقيق أهداف شخصية ضيقة، لا تتعدى إشباع غريزة حيوانية آنية. وأبت إلا أن تقوده من أذنه كالخروف، أو من قرنه كما يقاد الثور…

وبعد أن ينال وطره من هذه الكتلة من اللحم والشحم ـ إذ لم تعد هذه المرأة غير ذلك ـ وكان بإمكانها أن تكون نمرة ـ بحق ـ تواجه العواصف ـ تنحني لها ولا تنكسر ـ تتحطم على صخرتها الإغراءات. تقمع الطامعين بحسن سيرتها؛ لو احترمت ” قدسية” كونها طالبة علم أولا، ومانحة علم وفن ثانيا… ولكن هي نماذج بشرية، لا يعدم القارئ السماع عنها تسعى في ثنايا المجتمع، وتفعل فعلها فيه…
ومثلما ألفنا من الأستاذ بن ساعد، في كتاباته السابقة، فقد استطاع بقدرته الإبداعية، وامتلاكه القدرة على السرد، الرصين الجميل في لفظه، السلس في نمو حبكته، أن يضع أمام القارئ، صورة ـ ولو قاتمة ـ عن مظاهر اجتماعية، يمثلها فئة من المجتمع، وهي التي تحفر قبرها بنفسها ـ مصير الأستاذة، الطالبة المتهورة، والأم المغدورة، والبنت المظلومة… وإن لسؤالا سيقض فكر القارئ، وهو : ما مصير هذه البنت، التي جاءت إلى الدنيا ـ ووجدت التنكر يقابلها ـ وهي تعيش في حضن امرأة بغي، وأب ناكر، متنكر لأبوته ـ هل حكم عليها بالشقاء لذنب، لم تقترفه؟
ــ وهذا العنوان؟ ـ نمرة في مهب العاصفة ـ 
يقول المثل:” فلان في مهب الريح” أو ” الشيء كذا في مهب الريح”. عن الرجل الذي لم يستقر له قرار ـ سبيل ـ و لا أسلوب حياة. يتلون حسب الموقع والوضع. والشيء في مهب الريح، أو الذي لم يستفد منه صاحبه، فراح هباء منثورا، ولم يبق له أثر. 
أما بطلة النص ـ الطالبة الجامعية، وأستاذة الموسيقى ـ فيما بعد ـ فكيف تقع، أو وقعت في مهب العاصفة، لو لم تخالف العرف، وأخلاق الطالب السوي، والأستاذ الرصين؛ فوجدت نفسها تتقاذفها الظروف، وتتداول عليها الأيدي والألسن، في مجمع الرذيلة، خاضعة لطالبي اللذة المادية…
وكان بإمكانها أن تنشأ طالبة مجدة؛ تحصل العلم والمعرفة، لتنقله ـ أستاذة ـ لطلابها؛ فتكون بذلك شمعة تنير دروب غيرها، ونمرة يحسب لها ألف حساب، في غابة المجتمع، يهاب جانبها، ويطلب ودها للاستفادة من علمها وأخلاقها. 
وقد يكون من القراء، من يبرر حالة هذه ـ البطلة ـ بما حدث لها في أولى أيام صغرها ـ الاغتصاب من طرف ذئب بشري ـ شخص أمي، لا يرى المرأة سوى كتلة لإشباع الغريزة ـ فلم يحترم حق الجوار، ولا حق الحياة الجماعية في قرية. لكن موقعها فيما بعد ـ طالبة جامعية، وأستاذة ثانوية ـ لا يسمح لها بتجاهل قانون المجتمع ـ المجتمع المحافظ ـ والتطاول على عادات وتقاليد مجتمعية راسخة؛ ولكن يبدو أن العنوان، يلمح إلى حالتها، حالة تحول النمرة الجسور ثعلبا، لا يعيش إلا على بقايا ما ترك الأسود…
ـــ لماذا استسلمت هذه البطلة للغواية؟ وسارت مغمضة العينين إلى الهاوية… قد يعود ذلك، إلى الحالة النفسية من جهة، وإلى نوع الثقافة الاجتماعية المحيطة بها. فهي بذلك، ترى أن ما تقوم به لا يعدو أن يكون مجرد انتقام بشع، من هذا المجتمع الذي ظلمها صغيرة، فراحت تكيل له من الإساءة، ونشر الرذيلة ـ بالجملة ـ ما يطفئ لظى الحرقة في نفسها…
وكان يمكن أن يحل محل الانتقام، نوع من سمو النفس، وصحوة الضمير، ورد الفعل الإيجابي، نحو أفراد آخرين في المجتمع؛ فتنشئ مثلا جمعية نسوية ـ مع من وقعن موقعها، ليلعبن دور التوعية ولفت الانتباه، إلى مخاطر اغتصاب الطفولة ، وما وقع لها شخصيا ـ في صغرها، وما تعرضت له أما ـ وعواقب ذلك على الأسرة والمجتمع.
ـــ ملاحظة: كنت أشرت سابقا، إلى خلل علامات الترقيم، في نصوص الأستاذ بن ساعد، وفي هذه المرة، سأشير إلى بعض الأخطاء اللغوية، التي ـ ربما نجمت عن سهو من الكاتب، أثناء الرقن ـ
… ترتديه مشطور = ترتديه مشطورا.ص39.
… بحثا عن مرفإ ترسوا عليه = ترسو. ص40.
… من سخاءها= من سخائها. ص40 
… عرفت فيه نماذجا= عرفت فيه نماذج.ص41.
… بأقصى حلات الإبداع= حالات. ص41.
… لا تتعدى الثلاث كلم= … الثلاثة كلم. ص41.
… ولم تنصاع= ولم تنصع. ص43.
ـــ بالإضافة إلى دور علامات الترقيم، والأستاذ بن ساعد، من غير شك يعلم دور الترقيم، في إيصال الفكرة، ونوع الجمل الناتجة عنها

ـــ طيف قابيل….
في هذه المرة، ستكون البداية من قراءة العنوان ـ طيف قابيل ـ 
وهو يتركب من لفظين: طيف + قابيل. وكل منهما يحمل دلالة، أقل ما يمكن لي أن أقول، إنه يحيل إلى كثير من العمق والمعنى. فالطيف يذكر الرائي بحدث ـ شيء ـ له أثره الكبير، ومدلوله الفعال، في نفس المعني، فهل يكون هذا الطيف، إشارة لاستعادة ماض أو بعيد، في سيرة البطل. يحمل إليه صورة جميلة عاش على فقدها زمنا معينا، أو صورة سيئة؛ تركت في أعماقهن أو لا وعيه ندوبا مؤلمة. وها هو أمام القارئ، يشخص الذكرى ـ صاحب الطيف ـ 
الجزء الثاني ـ قابيل ـ وهنا بيت القصيد ـ فلفظة ” قابيل” تحيل إلى قابيل التاريخ ـ التاريخ البشري ـ هذا الرجل، الذي وصم البشرية… فأول جريمة قتل ـ بدأت بذوي الرحم ـ وأي جريمة ـ سفك دم أخيه الشقيق ـ وبذلك حمل صفة أول مجرم على الإطلاق. أو من قتل سدس البشرية ـ كما يقال ـ ولم يجد امامه من معين، سوى غراب أسود، اقتدى به، ليواري سوءة أخيه. 
ثم ـ قابيل ـ أخو البطل ـ هذا الفتى المغوار، الذي كان يتخذ لنفسه لثاما، كلما أراد أو عزم على إذلال خصمه، فكان يغير عليه مخفي الملامح، ليضرب بيد خاطفة، متسترة تحت غطاء، يخف ملامحه، فكان الخصم يتلقى الضربة، ولا يرى صاحبها.
وأخيرا، البطل نفسه ـ الذي وجد نفسه ـ في موقف قابيل، أول قاتل بشري. ( وجد نفسه في المكان والزمان، غير المناسبين)، والشرطة في انتظاره. تحمله عبء جريمة، ليس له فيها ضلع؛ إذ استجاب لنداء هاتف خلوي، وصوت امرأة تدعوه ـ فقادته الغواية، تحت سطوة الشهوة المادية (… ودم أحمر بداخل المطبخ، حيث جثتها تتمدد، مسفوكا دمها. كانت الشرطة أمامي، ولم تعثر على أحد سواي.). ص52.
ـ عن بناء النص… 
اعتمد الكاتب في بناء حبكة هذه القصة، تقنية ” الفلاش باك”. وهي تقنية كلاسيكية، نجدها عامة في القصص البوليسي. فنجد البطل المجهول الهوية والمستوى الثقافي، يعيش أيامه في زنزانة، محكوما عليه بسبب جرم، لم يقترفه. إذ وجد نفسه في مسرح الجريمة، وفي وجهه الشرطة تقابله بالجرم ـ وضع لا يحسد عليه ـ وها هو مع جماعة محكوم عليهم؛ منهم تاجر حشيش، وشاعر هجاء، وصحفي أراد ّ كشف المستور. 
يتراجع السرد في منكب الحبكة، ليعود إلى هذا الشيخ الذي نكب بابن عاق، رمى به في مركز العجزة ليهرب منه ويعيش وحيدا مريضا… إلى تلك المرأة، بائعة الهوى، التي بسببها، وجد نفسه ههنا…
على مسافة ست صفحات، تناول الكاتب جوانب اجتماعية، يتناسل بعضها من بعض، ويتولد بعضها عن بعض… فبدءا بقمع حرية الرأي، ونقد السلطة. والتشنيع بمظاهر، تغبط حق المواطن، في نيل حقوقه الاجتماعية ( انتقاد المير، وسوء التسيير). إلى مظاهر المتاجرة بالمحرمات، والأخطر من ذلك عقوق الوالدين، وفساد الأخلاق. 
وقد أسند الكاتب إظهار ذلك، إلى حركة البطل، عبر احداث يسردها، في لحظة تجل، انتابته في زنزانته ـ ربما انطلاقا من ندمه، وأسفه على ما آل إليه أمره ـ راح متراجعا من نتائج هذه الأحداث إلى سرد تفاصيلها وأسبابها، ليجد القارئ نفسه أمام فظاعة هذه الأحداث، وفي هذه المرة لم يتواطأ مع البطل، بل يرى ما آلت إليه الأمور، طبيعيا كأنما هي قطعة من الواقع المعيش، مع أنها مبنية أساسا على التخييل، إذ صرح بذلك الكاتب في بداية المجموعة

/

* شاعر وناقدمن الجزائر 

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. Mohamed BOUHBIB قال:

    مساء الخير أستاذ بن ساعد… شكرا لك على نشر قراءتي لمجموعتك الرائعة، على موقع ” مسارب”

اترك تعليقا