حوار بين إدغار موران وجان ميشيل بلانكير :كيف نغير المدرسة؟* / ترجمة : سعيد بوخليط*
بواسطة admin بتاريخ 2 فبراير, 2018 في 03:17 مساء | مصنفة في حوار مسارب | لا تعليقات عدد المشاهدات : 121.

تقديم :أي مدرسة نريد؟كيف نكيفها مع التحديات الراهنة؟وعبر أية مسالك نقود التغيير ضمن مؤسسة ينظر إليها غالبا باعتبارها جامدة؟تستحق هذه الأسئلة الجوهرية نقاشا متجددا،جماعيا.لقد تغير كل شيء،منذ حقبة جول فيري :الأفراد،المجتمع، الاقتصاد، ثم سبل النفاذ إلى المعرفة.أما الوزير الحالي جان ميشيل بلانكير،لشؤون التربية الوطنية،الذي سيوضح لمجلة العلوم الإنسانية فلسفته عن المدرسة وكذا مفهومه عن دورها الحقيقي،عبر هذا الحوار العميق مع السوسيولوجي إدغار موران،المدافع عن تربية أكثر تجددا.ضمن إطار أساسه التقدير،ومع كثير من نقط الاتفاق لكن أيضا بعض التباينات،يرسم العالِم والسياسي حدود مدرستهما المثالية.
*إدغار موران : ولد سنة(1921)،عالم اجتماع وفيلسوف ومدير بحث شرفي في المركز الوطني للبحث العلمي.دشن العديد من الأوراش الأنتروبولوجية،بدراسته حول الموت،وعلى مستوى السوسيولوجيا اهتم بثقافة الجمهور،والشباب،وأعد سوسيولوجيا للحاضر. قبل انكبابه على مشروعه المتعلق بنظرية العقل المُركّب.فقد تمحورت كتاباته حول سؤال ثابت اتجه إلى إشكالية المعرفة :شروطها،طبيعتها، وقصدياتها.إذن حسب هذه الزاوية أولا،عالج الرهانات الكبرى للتربية،لاسيما من خلال عناوينه :عقل منظم (1999)،إعادة ارتباط المعارف(1999)،تعليم الحياة(2014).
* جان ميشيل بلانكير :هو وزير التربية الوطنية في فرنسا حاليا منذ 17 مارس2017،أيضا مهتم بأسئلة الشباب وحياة العمل الجمعوي.قبل ذلك،شغل رئيسا لأكاديمية غيويانا وكرتايل،ثم مديرا عاما للتعليم المدرسي،ومديرا عاما لمجموعة إيسيك.حاصل على شهادة الأستاذية في الفلسفة(جامعة باريس1)،مبرز في القانون بعد إنجازه لأطروحة(معهد الدراسات السياسية،باريس) .أصدر خاصة عمليه :مدرسة الحياة(2014) ،ومدرسة الغد(2016).
س- تشتركان في كونكما قد أوضحتما على التوالي من خلال مؤلفاتكما عن تطلعكما إلى”مدرسة للحياة”.هل تتقاطع لديكما نفس الفلسفة التربوية؟
*إدغار موران : يلزم على المدرسة التوفيق بين ثلاث مهام أساسية :أنتروبولوجية، مدنية، ووطنية.أنتروبولوجية،مادام لا يجدر فقط بالثقافة إكمال تهذيب الطفل،بل أيضا تطوير أفضل ما لديه،نظرا لقدرة الكائن الإنساني على القيام بالأفضل والأسوأ،أن يتهاوى أو يتسامى.المدرسة مدنية،لأنها ملزمة بتكوين مواطنين قادرين في الآن ذاته على التمتع باستقلالية ذاتية ثم اندماجهم في مجتمعهم. أما أن تكون المدرسة وطنية،فينبغي لها المساهمة في تطوير خاصية الحياة والتفكير للمجتمع الفرنسي.حقا،على المدرسة أن تسمح لكل واحد بإمكانية تحقيق تطلعاته،لكن دائما بين طيات جماعة.لذلك أقول بأنها تشغل تماما وظيفتها حينما يتأتى أن تلقن في ذات الآن فكرة المسؤولية الشخصية والتضامن مع الآخر.صيغة روسو “تعلم أن تعيش”،هو التهيؤ كي يجابه المرء مشكلات حياته الشخصية والمدنية،ويدرك بوعي مجازفات الخطأ والوهم،ثم يصل بين الشك والاحتمالات واللامنتظر.
جان ميشيل بلانكير :أتبينه تعريفا تاما بما يكفي.أضيف أن مجموع هذه العناصر تبدو لي مرتبطة بسؤال الحرية.كل تربية هي أولا تربية على الحرية،ويأخذ كل فعل حر معناه من خلال إضافة بُعْد الحرية الذي يخوله للطفل،والمراهق ثم الشخص البالغ.هذه الحرية ليست مقررة،بل حرية/ بناء، تنتقل عبر الاكتساب التدريجي والمبنية وفق المعارف والقيم :معارف تمكن من الارتقاء،وأن تجد حقلها بامتياز،ومسارها غير الجامد أبدا،وقيم تؤسس قوام المجتمع.يعتبر كل فصل دراسي بمثابة جمهورية صغيرة،بحيث يتمرن الطفل داخله على الحياة في المجتمع.
س-ماهي مرجعياتكم الفكرية بخصوص المجال التربوي؟
*إدغار موران :بديهيا،يلهمني مونتين ،الذي أكد بأن :”رأسا وُضب بكيفية جيدة يبقى أفضل من آخر جد ممتلئ”،ثم جان جاك روسو. يحضر لدي الأدب كثيرا.مثلا، دوستوفسكي الذي لا علاقة له بالبيداغوجيا،علمني بطريقة غير مباشرة شيئا ما أود تعليمه لتلاميذ الوقت الراهن : دلالة المعاناة الإنسانية، الرحمة، الصفح، إلخ.أعرف طبعا ماريا مونتيسوري، سيليستين فريني، باولو فريري،لكن بخصوص مادة التربية،فما يسعفني كمرجعية يكمن في مجموع ثقافتي.
*جان ميشيل بلانكير :تبقى المرجعيات القديمة بالنسبة إلي غير قابلة للتجاوز.حينما شرح أفلاطون بأن الدهشة صفة أولى للفيلسوف،فقد حدد لنا شيئا يذهب فعلا أبعد من تعريف الفلسفة.الدهشة بمثابة عنصر أساسي للوضع الإنساني. إنه المؤسس الأول.يأتي الطفل إلى الحضانة مفعما باندهاش خاص به،ومنبع فضول وسعادة،بحيث ينبغي معرفة توظيف ممارسة بيداغوجية.يعتبر أرسطو كذلك جوهريا بخصوص موضوع التربية ومجالات أخرى،لأنه الأول الذي اتجه تفكيره إلى الحرية باعتبارها هدفا نهائيا للتربية،مما خلق توازنا لدى أفلاطون وفق مظاهر أخرى.أما رابليه Raelais فيجسد انقلابا في الفكر الغربي،يعتبر مونتين وريثه المناسب : لقد سوغ الاثنان إصلاحا عميقا للتربية. أخيرا،لا يمكنني عدم الاستشهاد ب كوندورسيه condorcet،في اللحظة المعاصرة،صاحب الفكر المُهَيْكَل.لقد رسم منذ الوهلة الأولى،خطا لازال غاية الآن خطنا،أي الارتقاء بالفرد والمجتمع من خلال الثقافة.
س-هذا المثال الأعلى،المستلهم من الأنوار،يُعترض عليه أكثر فأكثر : يُؤاخذ عليه أنه ينكر تنوع التلاميذ وكذا الحالات،تحت مبرر ما هو عام. هل لازال نموذجا ملائما في الظرف الحالي، بينما تتجلى مطالب أخرى أكثر واقعية :تسمح لكل فرد بالعثور على طريقته،ثم يتألق ويندمج في سوق العمل؟
*جان ميشيل بلانكير : أعتقد بضرورة الاحتراس كي لانفرط في مناوأة المهام التاريخية للمدرسة.إنها هنا مادمت أساسية.في المقابل، يلزم مأسستها حسب الزمان. المرحلة الأولى للتمدرس، من الحضانة إلى نهاية المرحلة الثانوية،عليها أن تمكن كل واحد من اكتساب قاعدة المعارف تلك،والكفاءات وكذا ثقافة غير نفعية تسمح بكل بساطة على ممارسة الحياة.يتعلم الطفل القراءة، الكتابة، الحساب، ويتعلم أيضا احترام الآخر.من الممكن طرح بعض التباينات ،لكن دون أن يغيب عن بصرنا السعي المهم جدا،أي تمكين الجميع من هذه الثقافة العامة،تلك الإنسانيات الكلاسيكية وكذا الرقمية باعتبارهما أساسيتين قصد التوجه نحو الحضارة التي نساهم فيها. بعد هذا، أن يتأتى للثانوية، توجه نفعي وظيفي،فلا يظهر لي بتاتا مثيرا للصدمة،بل على العكس.بالتالي، لن يأخذ هنا التمييز معناه، سوى لأن الطموحات تختلف من مراهق لآخر.أفكر حاليا في مستقبل الثانويات المهنية والتعلم،على نحو يؤدي إلى تجديدها ويمنحها كثيرا من الجاذبية وفق فلسفة للتكوين على امتداد الحياة.يكمن الخطأ في احتجاز التلاميذ وسط أروقة،بل ينبغي بخلاف ذلك،مضاعفة الجسور بين التخصصات المختلفة للتكوين الموجود في الثانوية،والجامعة،بناء على تكوين مستمر.
* إدغار موران :لا يتعلق الأمر بالاختيار بين معرفة تنهل من الإنسانيات وأخرى نفعية / أداتية، لكن يلزم التوفيق بينهما طيلة أسلاك سنوات الدراسة.أضيف،لا ينبغي فقط للمدرسة التكيف مع الاحتياجات المهنية والتقنية للمجتمع،بل كذلك حاجات المجتمع إلى الثقافة.الانتماء إلى حقبة مهم(ولما لا الاعتراض عليها)لكن يجدر بها دائما الموازنة بين النفاذ إلى ثقافة متعددة يضرب عمق جذورها في القرون وآلاف السنين،تنتقل بين الإنسانيات،والأدب ،والتاريخ و كذلك اللغات القديمة.بالمناسبة،ابتهجت لكون جان ميشيل بلانكير أقر إمكانية تدريس اللاتنية واليونانية في الثانوية.
س –هل تطمحون إلى رؤية تطور في المقررات المدرسية،مثلا بإدخال معارف واختصاصات جديدة؟
*إدغار موران :إذا تناولت بجدية هذه الفكرة المنصبة على التعلم من أجل ممارسة الحياة،أعتقد بوجود ثغرات مفصلية تهم البرامج.بشكل خاص،نفتقد إلى تعليم حول ماهية المعرفة،حيثياتها،عاهاتها،صعوباتها.ليست المعرفة بصورة شمسية موضوعية التقطت للواقع،جاهزة للاستعمال،لكنها سيرورة تترجم وتعيد البناء،مجازفة دائما بالخطأ.هكذا تحديدا،تقع معرفة الأصول المحتملة لأخطائنا وأوهامنا،خلال كل أحقاب الحياة، ضمن الحاجات الأولى لكي نعيش،خلال كل أحقاب الحياة.ثقابة الفكر، معركة ينبغي من أجل تفعيلها تسليح العقول. ليس جسيما أن يخطئ الفرد داخل المدرسة. لكنه سيغدو بنتائج أكثر مأساوية،حينما يتعلق الأمر باختيار المهنة،والصداقة،والعلاقة العاطفية،والسياسة.المجازفة بالخطر وكذا الانخداع وضع لم تتخلص منه البشرية أبدا.يتبدى موضع آخر أظن من المهم استحضاره : ذاك المتعلق باستيعاب الآخر. حمولته كونية.نحن باستمرار في تماس مع ثقافات مختلف بلدان العالم ويلزمنا استيعابها.داخل كل عائلة،وكل تنظيم تتعدد ظواهر اللا-فهم.هما إذن فجوتان معاصرتان :المعرفة والفهم الإنساني.تجنب قدر مايكون ذلك الأخطاء،التي بوسعها أحيانا أن تكون قاتلة،ثم فهم الآخر دون احتقاره،وإدراك أن هذا الآخر يعتبر في الوقت نفسه مماثلا للذات، ومختلفا عنها.
* جان ميشيل بلانكير : أستعيد فكرة لإدغار موران :يبدو لي مثمرا توضيح رهانات الحياة المستترة وراء التعلُّمات،لاسيما خلال بداية كل مرحلة كبيرة،يتهيأ الطفل لها.توجد مثلا في الحضانة تجارب مختلفة لأوراش فلسفية، يبدأ الطفل بفضلها في اكتساب نوع من الوعي بالحياة،فن أخذ مسافة نحو الأشياء والانفعالات.يظهر حماسته مع اكتشاف الثقافة،والفن، والموسيقى… إنها إبستمولوجيا لاواعية غالبا،حاضرة سلفا داخل الأقسام الدراسية لكن ينبغي توضيحها بامتياز.يتأقلم أيضا الصف السادس مع هذا النوع من التفسير،لأن الأمر يتعلق بلحظة توجيهية.يدرك الطفل مرحلة ماقبل المراهقة،بحيث يشعر”أنه صار ناضجا”.تحتاج مجتمعاتنا الدنيوية إلى إعادة بعث ماعرفته مجتمعات قديمة :صيغة للتلقين بهدف الدخول إلى المراهقة.الإبستمولوجيا، بمعنى معرفة المعرفة،وفق المنحى الذي قصده إدغار موران،يمكنها المساهمة بهذا الخصوص.
* س-إدغار موران،لقد كرستم في كتابكم : enseigner à vivre،فصلا لتاريخ فرنسا. كيف ترشدون نحو هذا التاريخ دون الاصطدام بصخرة تحويله إلى رواية قومية وطنية مخادعة؟
*إدغار موران : أعتقد من جهتي بضرورة مواصلة تدريس تاريخ فرنسا على نحو متسلسل.هذا التاريخ روائي بما يكفي ومؤثر في ذاته، بحيث لن يحتاج كي يخلق صيغة “رواية وطنية”. يبدو لي بأن العمل على التعريف به يعتبر أساسيا خلال هذه الفترة المتسمة بأزمة الاندماج،لأنه يخول فهم تطور فرنسة الإقليم.يمكننا قراءة كل تاريخ فرنسا كتشكل تدريجي لوحدة متعددة الثقافة، انطلاقا من منطقة “إيل دو فرانس “خلال فترة “هيو كابيت” Hugues capet : اقتضى الأمر إدماج شعوب متعددة،بروتون، ألزاس،أوكستانيين، كاطالان، فلامون،مع لغات وثقافات مختلفة.حدث هذا الإدماج بفظاظة لكن أيضا عن طريق الزيجات المختلطة،والاتصال ثم التبادل.هو تاريخ متفرد،مختلف تماما،عن التاريخ الأمريكي مثلا.
*جان ميشيل بلانكير :يستهويني ما أدلى به إدغار موران عن التاريخ. إنه سديد جدا.يبدو لي من المهم تمثل هذا المدار للبناء الوطني قصد التمكن من الانخراط ،وإمكانية الاندماج فيه.
*س-يبدو أنكما لا تتفقان بخصوص إشكالية تعددية الاختصاص.بالنسبة إليكم إدغار موران،تمتدحون منذ مدة التوظيف البيداغوجي.بينما،أنتم ميشيل بلانكير،فتظهرون تحفظا أكثر.هل يلزم الاعتناء بتنظيم التعليم من خلال التخصص أو التطور نحو مقاربات أخرى تشغل محاور عدة؟
*إدغار موران :لامستم نواة قضية المدرسة.تتمثل إحدى المقتضيات الملحة في العثور ثانية على معنى القضايا الكبرى.والحالة هذه،هل هو نعمة أم نقمة،فجل التيمات الكبرى متعددة التخصصات،وقد انتهت فعلا بأن استُبعدت من المقررات !تناولوا مثلا إشكالية الكائن البشري،من هو الكائن البشري؟الجواب لايدرّس في أي مكان،بينما يمس بشكل أكثر عمقا هويتنا.بحيث يجد السؤال نفسه جليا، في البيولوجيا،والسيكولوجيا،والسوسيولوجيا، والأدب،والتاريخ،إلخ.نجزئ المعارف عبر تخصصات،ونشكل خبرات متخصصة،لكننا نغض من شأن الكفاءة كي نربط ثانية هذه المعارف ونأخذ بعين الاعتبار القضايا في شموليتها.لذلك أعتقد بأنه ينبغي القيام بتوظيف أكثر تآلفا عن تشارك الاختصاصات بيداغوجيا.حينما ندرس جاليلي،فيلزم التماس أستاذ الفيزياء والتاريخ وكذا الفلسفة….أزمة 1929 تهم سواء الاقتصاديين والسوسيولوجيين والمؤرخين.ويمكننا الحديث عن أمثلة عديدة.
* جان ميشيل بلانكير :ما قصده إدغار موران ممتاز،لكني أحترس ضد التأويلات التي نجعلنا نسقط في الهاوية.تتجلى مجازفة إذا أضفينا امتيازا بأي ثمن على تعدد الاختصاص، أي أن تستغرقنا كليانية تؤدي إلى تمييع المعرفة. تحتاج الأخيرة إلى مَحَاور للولوج كي تصير ملموسة.حينما كان إدغار موران طفلا، استطاع قراءة مئات الكتب.أيضا، أبدى اهتماما كبيرا بالسينما.هكذا،تشكلت لديه ثقافة عامة.لكني أخشى أن تتم اليوم بعض المقاربات التيماتيكية على حساب التسلسل التاريخي أو قواعد اللغة الفرنسية.إذا لم نفهم ماهو الفاعل،والفعل، والمفعول،فلن نستوعب قط الأفكار الدقيقة لرواية من تأليف دوستويفسكي.دراسة الكتّاب ضمن نسق منطقي شيئا ما يسمح بفهم سبب تطور لغتهم مع تاريخ الإنسانية.الكلمتان المفصليتان،بالنسبة إلي،هما الصياغة والتوضيح.ففي اعتقادي،يمثل تلقي ثقافة مهيكلة وواضحة،تهيئة ضرورية لفكر التداخل العلائقي كما الشأن مع فكر إدغار موران.
س-هل ينبغي عمليا،احتفاظ البرامج المدرسية في الثانوية على الأنشطة المتعددة الاختصاصات،أو ينبغي حذفها؟
*جان ميشيل بلانكير :أعتقد بأنه ينبغي الاحتفاظ بها،لكن ينبغي كذلك الاشتغال على تعدد التخصصات بالنسبة لكل تخصص .يفترض ذلك في اللغة الفرنسية،دراسة الكتّاب،ثم اقتحام التاريخ،والسوسيولوجيا، والعلم،إلخ.لذلك أنحاز لصالح مقاربة كرونولوجية للأدب بهدف نسج صلات مع التاريخ.أضيف بأن المدرسة الابتدائية الفرنسية تعتبر أصلا”مورانية” moranienneجدا مادم أن الفصل الدراسي ينشطه معلم تلقى تكوينا يخول له إرساء جسور بين المعارف.والتاريخ والجغرافية، مثلا،يشكلان فعلا تخصصان متصلان بأستاذ واحد.أيضا يمكننا بمناهجنا التقويمية أن نحث طبيعيا نحو تعدد الاختصاصات، مقترحين مثلا في امتحان شهادة “البريفيه” اختبارا يتعلق بتاريخ الفن.
* إدغار موران :يفترض تعدد الاختصاصات انتظاما.ليس الغموض لكنه التوصل العلائقي.أن تكون متعدد التخصص ،لا يعني اللانظام. بل العمل على محاورة مختلف التخصصات،وتغذية العقل ثم تركيب الفكر.التخصصات خصبة جدا حينما تنفتح.بالتالي،هناك موضوعات مشتركة التخصصات،وأخرى ليس كذلك،وأكرر تتجلى أمام بصري موضوعات كبيرة مثل” ماهو الإنسان في هذا العالم؟”،والتي تقتضي تكوينا جديدا متعدد التخصصات. هذا ما بادر إليه جان فرانسوا دورتيي حينما أصدر مجلته هاته أي العلوم الإنسانية.فعلوم مثل الإيكولوجيا،وعلوم الأرض،والفيزياء الفلكية تبقى مشتركة التخصصات .
س-إن طفلا قضى خمسة عشر سنة في المدرسة عاين حتما أساتذة،وسبورات، ودفاتر.يلزمه القيام باختيار توجيهي في حياته. وينبغي له أيضا أن يتهيأ كي يتدبر ميزانية،ويمتلك أسباب صحته،ويتعايش مع الغيرية الإنسانية. إلى أي حد سيتماهى هدف ”تعليم أن تعيش”مع الصيغة المدرسية؟
* جان ميشيل بلانكير :مدرسة الحياة،مفهوم مشترك،لا يمكنه التبلور دون كفاءة نستلهمها برانيا.المدرسة محراب،ينفتح.يبدو لي مهما جدا تطوير كفاءة المدرسة بالنظر إلى الخارجي. يوجد اليوم تلاميذ لم يروا البحر قط أو مركز المدينة لأنهم يعيشون في إحدى الضواحي.مستقبلا،سأعمل على القيام بمبادرات من أجل منهجة الرحلات المدرسية.ينبغي أيضا إعطاء مكانة أكبر إلى المعارف التطبيقية،وتثمين أحسن للأعمال اليدوية،دون مواجهة أو تصنيف تراتبي بين الذكاء اليدوي والنظري. بناء على وجهة النظر هذه،مقنع جدا توحد اليد مع العجين،المدرسة الابتدائية بالثانوية:التدرب على المسار العلمي من خلال استعمال اليد والتجريب،ثم إعادة ربط الفكر العلمي بالرهانات الحالية ضمن أفق متعدد التخصصات. أخيرا،أومن بالتداول الفني والثقافي كي ترتبط المدرسة ثانية بالحياة.الأدب مدرسة للحياة.أيضا الفن والموسيقى.ما اقترحناه من خلال”الدخول على وقع الموسيقى”لم يكن مجرد حكاية.يتعلق الأمر بإظهار أنه حينما نلج المدرسة مبتهجين ،فالثقافة، على ضوء الموسيقى، بمثابة خيط مرشد لما يجدر حدوثه بعد ذلك :ينبغي أن تكون المدرسة سندا للشخص كي يعبر عن نفسه ويتفتح.
*إدغار موران : الدعوة إلى التعلم من أجل الحياة،ليست بتقديم لوصفات.تلعب الإنسيات دورا.الأدب،منفذ ملموس للغاية نحو معرفة الكائن البشري.الفلسفة،تمرن على القدرة لتأمل الذات،إنها آلية للتفكير قصد الاقتناع بممارساتنا في الحياة. أيضا، المسرح ،الشعر، الفن والموسيقى،تجسد الشغف والإحساس الذي تمر عبرهم المعرفة.مع العلم،أن الأفكار لاتنتقل سوى عبر الشغف.إن انعدم الأخير،يصاب الفكر بالهزال، ويحكم علينا بتجزئة معارف جافة.إحدى كبرى اكتشافات علوم الدماغ،التي نجدها عند “جان ديديي فانسان” أو “انطونيو دامازيو”،تكمن في عدم وجود مركز للعقل الخالص. فما إن تتم إثارة بؤرة عقلانية،حتى يحدث نفس الأمر مع بؤرة عاطفية.بمعنى ثان،نحن في حاجة إلى جدلية العقل/ الشغف.يجب استعادتها بقوة،لأن تدريس الإنسيات ينحو صوب أن تقصيه الثقافة العلمية والتقنية،بينما يلزم تحاور هذين الثقافتين بشكل مستمر.يمثل وجود عقل جامد،وضعا مرعبا،كذلك الشغف بدون عقل، سيكون هذيانا.ومثلما قال أفلاطون،يحتاج التعلم إلى الإيروس.حب المعرفة وحب التلاميذ يتحتم تلازمهما.
س-حاليا من السهل بلوغ المعرفة في كل مكان بفضل الهاتف المحمول، اللوحات الاليكترونية، أو الحاسوب. كيف تتصورون دور التعليم على ضوء التكنولوجيات الجديدة؟
*إدغار موران : لقد تغيرت وظيفة المدرس،وأقول بأنها تنزع نحو الارتقاء. غاية الوقت الحالي،يعرض المدرس المعارف،ثم يلتمس تأملها في مرحلة ثانية. لكن اليوم،لا يحتاج أستاذ التاريخ إلى الخوض في تفصيل واقعة واترلو،فبوسع التلاميذ الوقوف على ذلك بأنفسهم.يصبح المدرس موجها للمعارف يرشد التلاميذ وسط محيط غامض وسديمي لمعارف يوفرها الأنترنيت.سيضفي عمقا على الموضوع اعتمادا على معرفته الأكثر رحابة والمتخصصة.
*جان ميشيل بلانكير :يتعلق الأمر تحديدا بإعادة اكتشاف تاريخي لتعريف الأستاذ.يستفيد الأستاذ راهنا من شروط تجعله تقريبا،مربيا جماعيا.لكن بالنسبة إلي،يلح سؤال كبير على حقبتنا يتمثل في معرفة إن كان بوسع العالَم وقد اكتسى طابعا تكنولوجيا أكثر فأكثر،أن يصير إنسانيا أكثر فأكثر.كيف يمكننا استثمار جل الممكنات بطريقة إنسانية؟في حالة المدرسة،يمر الجواب عبر الخاصية المركزية للخزانة،بالمعنى المادي وكذا الرمزي.عليها أن تمنح القدرة على قراءة الكتب والمقالات،بصمت وتركيز،وهو رهان مهم جدا بالنسبة لأنتروبولوجية المراهقة الحالية.في ذات الوقت،يلزم هذا الفضاء أن يمنح مساحات جماعية، ورقمية أكثر،تسمح للتلاميذ كي يبحثوا عن المعارف،والانتقال بها إلى الحصة الدراسية قصد الاستفسار بخصوصها.يلزمنا تشجيع كفاءات الاستكشاف والتركيز والتي قد يضر بها النزوع المعاصر نحو ما يعرف ب ”زابينغ”.
س- بين توجهات الاليزيه،والإكراهات القاعدية كيف تتطلعون على نحو واقعي إلى إصلاح المدرسة :من خلال القانون،التجريب، الضغط على الفاعلين الميدانيين؟
*إدغار موران :يمكن أن يتغير جانب بأكمله من طرف وزارة التربية الوطنية نفسها،لاسيما ماتعلق بإدخال موضوعات جديدة إلى المقررات المدرسية.حينما تبدأ جيوب المقاومة في الاشتغال،يلزم تطبيق الروائز والسعي إلى الإقناع :يمكن لتجارب مرشدة التبلور كي تبرهن على جودتها.أقتنع كثيرا بسلطة التجارب المحلية الصغيرة قصد تغيير المجتمع.يمر التغيير أيضا بتكوين أساتذة حتى يتمكنوا من تدريس التيمات الجديدة التي أدافع عنها.يبقى أخيرا،أن وزيرا لا يمكنه القيام بكل شيء،بحيث توجد أشياء خارج المدرسة.مثلا،لا يمكن معالجة قضية الفوارق المجتمعية عن طريق المدرسة وحدها،لأنها تتعلق بالمجتمع نفسه وكذا السياسات العامة للدولة.
*جان ميشيل بلانكير :لا أعتقد أننا في حاجة إلى قانون قصد تغيير المدرسة، بل ولا إصلاح بالمعنى الكبير للكلمة، يقرر فوقيا. نحتاج بداية إلى خلق شروط مجتمع الثقة.حينما أتابع المجتمعات الإسكندنافية،أكتشف بأن الثقة تخلق حلقات صالحة.لقد وثق الأفراد في مدرستهم،ثم العودة إلى المدرسة تخلق الثقة :الثقة في الفاعلين،الثقة المشتركة،وأخيرا ثقة التلاميذ في أنفسهم.تتجاوز هذه الإشكالية المدرسة،في فرنسا،لا يملك الأفراد مايكفي من الإيمان ببعضهم البعض.لذلك أتكلم عن جوهر الأشياء،ولا أقف عند حدود إشارات ،حول مسارات أو معايير،وحول فلسفة في أفق خلق تدريجي لشروط استعادة المجتمع لثقته في المدرسة،ثم المدرسة داخل المجتمع.تعود إلي مهمة بعث خطاب إيجابي اتجاه المدرسة،والقيام بذلك من خلال بلورة مقاييس ملموسة تغير اليومي ويكون لها مفعول رافعة.مثلا،تقسيم مستوي (CP ;CE1) إلى مكونين بهدف تفعيل التربية الأولوية التي تعتبر عند مقدمة كل نجاح للتلاميذ كي يكتسبوا معارف أساسية.هنا تكمن مهمتي باعتباري وزيرا.
س- لكن الثقة لا ترتبط بقرار…كيف تتطلعون إلى إرسائها وإشاعتها؟
*جان ميشيل بلانكير : أعتقد بأن الثقة تمر عبر خطاب تدعمه الأفعال.لذلك جاء خطابي الأول باعتباره خطاب ثقة. أقول، لكل المنتسبين إلى المنظومة،لاسيما المدرسين : نثق فيكم،ثم استشعروا دعم المؤسسة.أنتم، الأكثر قربا من المشاكل التي تواجهكم.ألتمس من رؤساء المؤسسات والموجهين أن يثقوا فيهم،وألتمس في المقابل من الأساتذة وضع ثقتهم في التلاميذ،وعلى الأخيرين احترام المدرسين،مثلما ألتمس من الأسر الإيمان بالمدرسة.ما أتوخاه على امتداد هذه المتوالية،ثقة التلاميذ الفرنسيين في أنفسهم أكثر،بمعنى تطويرهم لهذه القدرة على التعبير كتابة وتكلما،ثم الدخول إلى غمار الحياة بثبات أكثر مستندين على المعارف والقيم التي اكتسبوها :لا أريد بهذا إلغاء الاشتغالات العملية المرتبطة بوزارة كهذه :توظيف الأساتذة،تكونهم المبدئي ثم المستمر وكذا تحسين ظروف عملهم وفق أجواء مريحة.سأقترح أيضا مقاييس لتطوير علاقة الأسرة-المدرسة،التي تمثل نقطة فرنسية ضعيفة :سيمكن تعضيد الحقيبة اليدوية للآباء من تنظيم اجتماعات مع فرق صغيرة،مما يسمح بتوضيح أفضل للتوقعات الدراسية والتربوية : لماذا الطفل هنا؟ماهي الرهانات؟لماذا هناك واجبات يلزم القيام بها؟ماهي أوقات النوم الأساسية؟لماذا الإتيان بكتب إلى المنزل؟حول كل هذه الموضوعات،يلزم أن يشتغل التحالف أسرة/مدرسة قصد تجنب الاختلالات.من الأفضل أن يكون لنا آباء لم يذهبوا إلى المدرسة،لديهم إمكانات قليلة لكنهم يؤمنون بالمدرسة،بدل آباء ميسورين ومثقفين لكنهم يحتقرون المدرسة ولا يهتمون بتمدرس الطفل.الثقة،على جميع المستويات،تعتبر قوة ترياق ضد كل الحتميات المجتمعية.
*إدغار موران :أيضا،استعادة الثقة،أن نعطي المدرسين الثقة في أنفسهم،وسلطتهم، ودورهم. ليسوا فقط مجرد أساتذة مكلفين بتلقين مادة معينة. بل لهم مهمة جوهرية أكثر،عظيمة وجميلة كتلك التي يؤديها الأطباء.
*المرجع :
Héloise Lhérété et Jean François Dortier :sciences Humaines ;janvier 2018.numéro 299.pp :20- 27.

 

 

 

 

 

 

* باحث ومترجم من المغرب 

اترك تعليقا