“ما بعد الجندر” الحريم الثقافي من الكلام إلى الكتابة / قراءة ثقافية طباقية في المجموعة الشعرية “نسيان أبيض” للشاعرة نصيرة محمدي/ قلولي بن ساعد*
بواسطة admin بتاريخ 29 سبتمبر, 2018 في 04:55 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 467.

فاتحة القراءة 

تحاول هذه القراءة الثقافية تحليل بعض مستويات الأداء الشعري والإبداعي في المجموعة الشعرية “نسيان أبيض ” للشاعرة نصيرة محمدي  إنطلاقا مما تتيحه لنا مكاسب النقد الثقافي في شقه المتعلق بما أصبح يسمى في حقل الدراسات الثقافية  النقد الثقافي لتجليات النسوية الثقافية  وإذ كانت النسوية الثقافية كما تقر بذلك منظرة نسوية هي ليندا ألكوف هي ” الأيديولوجيا الحاضنة لطبيعة الأنثى أو الماهية الأنثوية المعاد تخصيصها للإقرار بالأنثى المقلل من قيمتها ” (01) فإننا لن نتوقف طويلا أمام زئبقية المفهوم الإشكالي للنسوية الثقافية كنظرية ثقافية   تتنازعها رؤيتان رؤية النقاد النسويين من الذكور ورؤية أخرى  هي رؤية النقد النسوي ما بعد الكولونيالي كما كتبته النساء وحتى داخل النقد النسوي الناعم هناك تضارب في الآراء والمنطلقات النظرية المنشغلة بما يسمى مستقبل النسوية الثقافية وإذ نسخدم هذا المفهوم فمن أجل وضع نوع من التمييز بينه وبين غيره من النسويات كالنسوية السياسية والنسوية الحزبية والنسوية الدينية  و النسوية اللونية التي  خصص لها المفكر فرانز فانون فصلا من كتابه ” بشرة سوداء أقنعة بيضاء ” الفصل الذي حمل عنوانا لا فتا للنظر ” المرأة الملونة والأبيض” في سياق تقويضه لمركزية الرجل الأبيض في علاقته المرضية بالمرأة الملونة أو السمراء  خاصة عندما تتجاوز حدود الحب كعاطفة إنسانية إلى حد الوصول إلى نوع من ” الإسشراق الجنسي ” والمراد من ذلك أننا نريد العمل على إستنباط بعض دلالات النسوية الشعرية كتجل لهذه النسوية الثقافية من خلال الغوص في أعماق النصوص الشعرية والنثرية التي حملتها المجموعة الشعرية ” نسيان أبيض ” للشاعرة نصيرة محمدي 

العنوان /  الدلالة النحوية والدلالة الثقافية المجاز اللغوي والمجاز الأبيض

دأبت القراءات النصية العتباتية قراءة العنوان كعتبة نصية  مجردة من دلالاتها الثقافية وفي غالب الأحيان فهي تكتفي بالوقوف عند الدلالة السيمائية للعنوان متأملة في آثاره البلاغية والدلالية ووقعها السيموطيقي لدى وعي المتلقي ولهذا فإننا لن نكتفي في قراءتنا لعنوان المجموعة الشعرية ” نسيان أبيض ” بالدلالة النحوية وحدها بل سنقترح دلالة أخرى هي الدلالة الثقافية إنسجاما مع ما تتطلبه مرجعية نقد الأنساق الثقافية أو الأنساق المضمرة والتي ليس في قدرة الدلالة النحوية للعنوان كعتبة نصية الكشف عنها وعن مضمونها الثقافي المتمأسسة مع أسئلة ” الإختلاف المؤجل لأثر الكتابة ” كما يسميه ديريدا بإتجاه التعامل مع العنوان بوصفه ليس فقط عتبة نصية ولكنه أيضا عتبة ثقافية يستحيل الكشف عن مضمونها أو تعرية أنساق الهيمنة المختبئة وراء البعد النحوي والدلالي للعنوان كغشاء سميك يحجب عن القاريء العادي ” حمى السؤال الأنثوي ” بتعبير الدكتور محمد بكاي وهذا لا يعني بالطبع التنكر لبعض إنتاجية قراءة العنوان في بعده الدلالي واللغوي بل سيشكل البعد الدلالي بؤرة إنطلاق وليس غاية في حد ذاته مما يتيح للقراءة الثقافية للعنوان ” نسيان أبيض ” إبداع نوع من التكامل القرائي بين رؤيتين من أنماط القراءة العتباتية بالإتكاء على مكاسب سيميولوجيا الثقافة أو السيميائية الثقافية وهو تيار من تيارات البحث السيميائي يمثل مرحلة متأخرة زمنيا من مراحل سيرورة البحث السيميائي الذي أشبع بحثا وتنظيرا وتلقفه النقاد العرب بنوع من الميكانيكية أو التقنية الشكلانية التي لم تتتجاوز حدود بنيات النص اللغوية والدلالية حتى أن ناقدة نسوية هي الدكتورة رجاء بن سلامة التي سبق لها أن ترجمت كتاب في النقد الشكلاني البنيوي وهو كتاب ” في الشعرية ” لتودوروف بالإشتراك مع شكري المبخوت لم تتردد  في الإعتراض على تغييب الأفق الثقافي للنصوص وفي نظرها ” أن الكثير من الدراسات السيميائية الغربية والعربية تصل بعد جهود وبهلوانيات مضنية إلى رسوم عامة جدا لا جدوى من ورائها ” (02) هذا ما مكن جماعة تارتو بوصفها الحاضنة المعرفية للسيميائية الثقافية من تخطي ” تيه النصية  ” بتعبير إدوارد سعيد فهي من حيث أنها مدرسة سيميائية النزعة سعت في بادئ الأمر إلى” التوفيق بين سيميائية دي سوسير  البنيوية التي تنتمي إلى حلقة براغ والسيميائية المنطقية التي تنتمي إلى الإتجاه الأمريكي ” (03) التوفيق الذي قادها في مرحلة لاحقة بفضل جهود وزعامة منظر كبير هو لوري لوتمان إلى البحث  عن الأثر الذي يولده المدلول بإعتباره مرجع الخطاب وإليه يعود إنتاج المعنى وهذا يعني أن “الرهان لا يتمثل في مغامرة للشكل أو في جسارة المعجم ففي كل مرة يخط فيها الكاتب مركبا من الكلمات يكون الوجود نفسه للأدب هو موضع التساؤل (04) فالأطروحة المركزية التي تتأسس عليها السيميائيات الثقافية  ترى أن اللغة كنظام سيميائي “لا تعد موضوعا مستقلا عن الثقافة والثقافة أيضا مجالا سيميائيا  تشتغل فيه العلامات اللغوية ” (05) وفي حديث صحفي  للشاعرة نصيرة محمدي ليومية الرائد عندما سئلت لماذا كتبت ” نسيان أبيض ” صرحت قائلة ” كتبت نسيان  أبيض لأنسى و لأتجاوز عتبة جديدة في الإبداع “(06) فهل هذا صحيح .. ؟  أعتقد أن الأمر لم يكن سوى ” تورية ثقافية” بتعبير عبد الله محمد الغذامي إتخذتها  الشاعرة ذريعة ليس إلا  للهروب مما وصفه الدكتور محمد بكاي ” حمى السؤال الأنثوي ” طالما أن القراءة الثقافية التي نتخذها مثالا وطريقة عمل لا تكتفي بإعادة إنتاج أسئلة الخطاب الظاهر كماهي  فهي في المقام الأول فعل تعرية وكشف عن الأنساق المضمرة في النص و”النصوص الموازية ” بمفهوم جيرار جينيت إنها أشبه  بما وصفه بختي بن عودة أنها القراءة التي ” تبدأ من أصغر خلية بل قل بنية ومن الحرص على التمييز بين الأنا والذات ” (07)  وإذ كان العنوان ” نسيان أبيض ” بمثابة ” ضرورة كتابة ” (08) فهل من الضروري أن ينسى القاريء / الناقد بعض ضروب هذا النسيان خاصة عندما يتعلق الأمر  بعنوان مجموعة شعرية والشعر يومئ ولا يصرح والمفارقة الكبرى هي عندما تكون هذه المجموعة الشعرية من إبداع أنثى عربية  فيجد الناقد نفسه  وهو الذكر  يمارس نوعا مما تسميه غياتري سبيفاك ” العزل المضاعف “  وبالتالي تنتفي مهمته النقدية أو تفرغ من جدواها وأهميتها بالنظر لذلك الترابط اللغوي بين النسيان والنساء  فالدلالة اللغوية أو المجاز اللغوي  للإسم النساء كما جاء في لسان العرب لإبن منظور يعني النسيان وليس إبن منطور وحده من كشف عن هذا الترابط فهذا إبن فارس في معجم مقاييس اللغة يقول أن ” النسيان والنساء أصلان صحيحان يدل أحدهما على إغفال الشيء وهو خلاف الذكر والثاني على تركه ” (09) مثلما يدل فعل النسي في مجازه اللغوي على التأخر وهو ما يعنيه إدوارد سعيد فيضع الآخر أو مايسميه اللاحق ضمن كينونة يصفها ” بالكينونة المتأخرة ” ولهذا لم يتردد الدكتور يوسف وغليسي في إستنباط دلالة هذا التأخر من اللغة من خلال العودة إلى القاموس المجيط للفيروز أبادي الذي يورد أن المرأة ” نسئت نسئا أي تأخر حيضها عن وقته ” (10) ووفقا لفعل النسيان يتبادر إلى الذهن سؤال آخر لماذا هو أبيض ولم يكن نسيان بلون آخر كأن يكون أخضرا أو أصفرا مثلا .. ؟  هل للنسيان لون أم أن الشاعرة أردات أن تخفف من حدة الإحتجاج الماثل في صيغة العنوان .. ؟  وهو بالمناسبة يحتل حيزا مهما في المعجم المفرداتي للنصوص حتى أن الشاعرة إختارته ليكون عنوان إحدى النصوص الشعرية التي حملتها المجموعة ” نسيان أبيض ” هل هو الخوف من الآخر ومن ” جغرافيا الحزام الذكوري ” .. ؟  بالمعنى الذي تختاره منظرة نسوية هي دينيز كانديوني  عنوانا لإحدى مقالاتها النقدية  وهل في ذلك دلالة على أن إختراق هذه الجغرافيا ليس بالأمر الهين الجغرافيا التي تتبدى لها أكبر من أن تتعرض لها الشاعرة في فعلها الإنتهاكي من خلال مجموعة شعرية واحدة هذا تساؤل وهناك تساؤل آخر وهو ضعيف السند بالنظر لمعرفتي بشخصية الشاعرة القوية  منذ أن نشرت أول نص في تسعينيات القرن المنصرم  وهو المتعلق بنوع من الخجل الأنثوي وإذ كان الخجل والخجل الأنثوي على وجه الخصوص في منظور ماركس هو عاطفة ثورية ومن ثمة فإن الدلالة الرمزية  والثقافية لمدلول البياض لا تخرج هي الأخرى غن فعل النسيان المترابط لغويا ودلاليا مع فعل ” النسي ” بإحالته  للإسم النساء لقد إحتفظ الأب بمختلف الألوان وأبقى للمرأة لونا واحدا هو الأبيض هذا هو ” لسان الأب ” في منظور جوليا كريستيفا  أو “لسان آدم”  بتعبير الناقد المغربي عبد الفتاح كليطو آدم الذي يهيمن على مجرى حياته النسيان مثلما تشير إلى ذلك المصادر التي إعتمدها عبد الفتاح كليطو في روايته لفعل النسيان فعندما “طرد آدم من الجنة نسي العربية وتكلم السريانية ولما عاد إلى الجنة نسي السريانية  وتكلم العربية ” (11) ويستنتج كليطو أن لسان آدم ما هو إلا خلاصة لفعل النسيان الذي راوده لأول مرة فالنسيان يقول كليطو ” زلة وفقدان للتوازن ينقل المرء من مستوى إلى آخر من الأعلى إلى الأسفل ” (12)  مستشهدا بنص الآية القرأنية ( وقلنا أهبطو من الجنة)  وبما أن اللفظ أب في تقدير الغذامي هوالأب المتمسك بالفكر الطبقي أو ا”لطبقية الثقافية ” بنص العبارة التي أوردها الغذامي في أطروحته عن النقد الثقافي “فالألفاظ طبقات ” (13 )كما  قال الجاحظ  إنه الحمق عندما يلازم نظام الخطاب بحسب توصيف  ميشيل فوكو ومع ذلك فإن لعبة الأنساق الثقافية بإستطاعتها الكشف عن خلاف ذلك من الترابطات اللغوية بين النسي والبياض خاصة    حين يخرج البياض عن ” حداده الأصلي ” وفقا لتشخيص ديريدا ويكف عن كونه رهينة الآخر الذكر ومن هنا فلابد من إخضاع اللغة إلى منطققريب جدا مما يسميه الناقد الأسترالي مابعد الكولونيالي بيل أشكروفت ” الرد بالكتابة ” ففي لعبة اللغة بين الأنثى والفحل ” نجد المرأة قد جعلت الرجل كائنا ورقيا اصطادته  بمجازها الأبيض وهو فستان مجازي يحيل إلى الصفحة البيضاء ” (14) والدليل على ذلك أن الغذامي يورد على لسان دوبان في ألف ليلة وليلة ” من أن الصفحة البيضاء تقتل” (15)  تلك هي بعض من قدرة  ” “المجاز الأبيض ” أو ” المجاز العابث ” كما جاء في إحدى قصائد الشاعرة نصيرة محمدي ” والكثافة المشعة في نجوم العيون ” (16) بما يعني أن منطق القراءة قراءة العنوان “القراءة البينية ” الجامعة بين النصية والثقافية  لم تعد ترضى برد مفهوم العتبة إلى مرجع نحوي أو لغوي أثبت على مر الأيام نسيانه لجزء  مهم من أضلاع القراءة ونعني بذلك البعد الثقافي في قراءة العنوان

ما بعد الجندر الحريم الثقافي يتكلم / الكتابة بيدين منفى القصيدة والأمومة الشعرية

لا زلت أعتقد  أن المنظومة النقدية التي تناولت أدب المرأة العربية إلا فيما ندر على الصعيد المعرفي قد تناولت بعض النماذج الإبداعية النسوية إنطلاقا من عدد من المفاهيم كالجندر والجنوسة والنسوية الأدبية وغيرها من المفاهيم ونحن لا ننكر ما لهذه المفاهيم كأدوات إجرائية من أهمية في سياق تلقي النصوص الإبداعية وقراءتها من الوجهة النقدية وعلاقة ذلك بالهوية النصية الأنثوية في النصوص النسوية المعبرة عنها وعن تاريخ طويل من القهر النسائي الذي مورس على المرأة العربية أو إمتد إليها من أعماق ثقافة ذكورية عملت على وأد صوت الأنثى بوصفه صوتا مختلفا لم تتعود عليه الثقافة الذكورية وليس في قدرتها السماح له بالخروج عنه وإختراق ” الحزام الذكوري ” أو نسف ما وصفته الباحثة التونسية رجاء بن سلامة ” بنيان الفحولة ” أو زحزحته قليلا رغم أن مفهوم الجندروهو المفهوم المستخدم كثيرا في أغلب الدراسات المعنية بالنصوص الإبداعية النسوية أو نصوص الجندر كما يشاع  يعني النوع الإجتماعي بصرف النظر إن كان ذكرا أو أنثى الأمر الذي جعل “إستخدامه في المواثيق الدولية  إعتبار من مؤتمر السكان بالقاهرة سنة 1994 لم يصل المعنى المقصود منه إلى كثير من الدول التي لم تفهم جيدا ماذا يقصد يمفهوم الجندر ” (17 )  فهل تتقبل اللغة العربية .. ؟  يتساءل ناقد عربي هو الدكتور يحي بن الوليد هذه النقلة ” بحمولتها الثقافية أم أن ذلك يتطلب رده إلى (إطاره المرجعي ) بمفهوم الجابري ” (18)    بينما لا يمثل مفهوم الجنوسة سوى  نوع من الإشتقاق اللغوي الوافد من الكلمة الشائعة الجنس حتى أن عبد الله محمد الغذامي فضل إختيار مفهوم الجنوسة بديلا للجندر حين أراد التأصيل لمفهوم ثقافي هو ” الجنوسة النسقية”  في كتابه ” الجنوسة النسقية أسئلة في الثقافة والنظرية “  ولذلك  تبدو الحاجة ماسة إلى إستدعاء مفهوم آخر ما بعد جندري  هو مفهوم الحريم الثقافي كأداة ثقافية إجرائية  تساعد على تفكيك أنساق المحمول الشعري النسوي ممثلا في مجموعة ” نسيان أبيض” للشاعرة نصيرة محمدي والتربطات الكامنة في أصل الكلام وعلاقته بالذات الأنثوية التي صودر منها هذا الحق في فترات سابقة من التاريخ العربي معبرا عنه بلغة علم النفس ” عصاب الكلام ” مجردا بالطبع من دلالاته الإستشراقية والكولونيالية أو من ” التمثيل الرغبوي للإستشراق ” بمفهوم إدوارد سعيد  الدلالات التي جعلت الباحثة السوسيولوجية البارزة فاطمة المرنيسي تتساءل لماذا تسلل فيكتور هوغو إلى أراضي السلاطين العثمانيين بسرية وأحتل موقعهم إلى جوار النساء والغريب في الأمر أن فيكتور هوغو تقول المرنيسي ” يمنع قارئه من طرح السؤال ويتوجه إلى نقاده في مقدمة ديوانه  الفن لا يعرف الحدود والأصفاد حيث يقول لك أمض حيث لا توجد فاكهة محرمة ” (19)  علما أن مفهوم الحريم الثقافي مفهوم كثير التداول في النقد النسوي الثقافي ولسنا أول من إستخدمه بل يمكن إعتبار الناقدة العراقية الدكتورة بشرى موسى صالح في كتابها الموسوم ” بويطيقا الثقافة نحو نظرية شعرية في النقد الثقافي” في الفصل الذي خصصته ” لعالم الحريم الثقافي “   من أوائل الناقدات اللواتي إستخدمن هذا المفهوم في سياق “تبيئته” في صلب النقد الثقافي العربي المعني بدراسة النص الإبداعي العربي النسوي أو نصوص الحريم الثقافي من خلال الإستئناس ببعض حفريات فاطمة المرنيسي في قضايا الحريم التي كرست لها كل جهدها النقدي   وعليه  فالسؤال الذي نزعم إثارته من خلال هذه القراءة هو التالي ( هل تكلم الحريم الثقافي .. ؟ ) وبعبارة أصح هل تكلمت نصيرة محمدي.. ؟  ولا بأس من العودة إلى غياتري سبيفاك الناقدة الهندية التي تقدم نفسها يوصفها ناقدة نسوية تفكيكية ما بعد كولونيالية تتساءل غياتري سبيفاك قائلة هل يمكن للتابع أن يتكلم .. ؟ لا أطرح هذا السؤال من باب الإستنكار أو الرفض بل أتخذ منه متكأ للبحث عن” تعايشات المعنى ” بتعبير رولان بارت بين الكلام والكتابة الكلام المنوط بذات ثقافية هي المرأة في ظل ثقافة ذكورية أو نسق ثقافي مهيمن إستأثر بكل فائض الكلام جاعلا من المرأة تابعا أو ملحقا به مبررا ذلك بالقاعدة التي جعل منها الغذامي عنوانا لإحدى فصول كتابه ” المرأة واللغة ” التي تقول ” الأصل في التذكير ” بالإستناد إلى قول مشهور لإبن جني ” تذكير المؤنث واسع جدا لأنه رد إلى الأصل “  (20) وإذ كان التابع في منظور غرامشي مخصوص بفئتين هما الفلاح والمرأة الصامتة لغياب ذواتهما ضمن نظام الثقافة السائدة في عصرهما فالدلالة التي نستنتجها من تساؤل غياتري سبيفاك ومفهوم التابع عندها بوصفها إمرأة أولا وثانيا لأنها تنحدر من أصول عالم ثالثية تعرض بلدها الأصلي الهند إلى إستعمار بريطاني صادر حق الكلام من المواطن الهندي وجعل منه تابعا وبالتالي فالمجاز الإستنكاري للسؤال / هل يمكن التابع أن يتكلم .. ؟ لا يطرح فيه الحق في الكلام إنطلاقا فقط من خارج المركزية الغربية المتكلمة بإسم الآخر ولكن أيضا من خارج المركزية الذكورية وداخل هذا السؤال تطرح سبيفاك  تساؤلا آخر أكثر حدة يقول مضمون هذا التساؤل “إن لم يكن للتابع تاريخ وإن لم يكن له أن يتفوه في سياق الإنتاج الكولونيالي فقد يظل التابع يقبع في الظل خاصة إذ كان أنثويا  ” (21) فمن الثابت  سياقيا وبيبلوغرافيا وهذا أمر لا يمكن الطعن فيه أو التحفظ عليه أن نصيرة محمدي أصدرت قبل هذه المجموعة ” نسيان أبيض ” ثلاث مجموعات شعرية هي على التوالي ( غجرية ) ( كأس سوداء ) ( روح النهرين ) وكتابان آخران يؤرخان لتجربتها مع الكتابة على الصعيد الصحفي مثلما أنها تناولت بعض أعمال الروائية غادة السمان أو ” أمها الروحية ” حسب توصيف الدكتور يوسف وغليسي من الناحية النقدية فهل هذا يعني أنها تكلمت .. ؟  لا أجيب بالنفي ولا أتنكر لكل ما قدمته الشاعرة من نصوص إبداعية منذ أن نشرت  مجموعتها الأولى ” غجرية ” سنة 2000 ولا أستعجل إصدار الأحكام المجانية التي لا صلة لها  بالنقد و بالكتابة النقدية الجديرة بالطرح والتناول الهاديء لكون أن التجليات الهيكلية والإبداعية المبثوثة بين طيات هذه المجموعة الشعرية ” نسيان أبيض ” تفرض على كباحث عن المعنى التحرر نهائيا من الأنساق المهيمنة لسلطة السيرة سيرة نصيرة محمدي الإبداعية والتوجه مباشرة لتفكيك أشكال تجليات النصوص الإبداعية لهذه المجموعية الشعرية بالتساوق مع ما تتطلبه الأسئلة التي يثيرها منطق القراءة الثقافية وهكذا سننطلق من أول وحدة ثقافية تواجهنا مباشرة وفي هذه الوحدة تستهل الشاعرة مجموعتها الشعرية بنص مشترك إشتركت في كتابته مع الشاعرة السورية بسمة شيخو حمل عنوان ” ذاكرة هشة ” فالقصيدة من الناحية التوثيقية خالية تماما من أية إشارة إلى ظرف أو مناسبة كتابة هذه القصيدة ورغم أن ظاهرة الكتابة المشتركة ليست جديدة ولا هي مستحدثة وفي الثقافة العربية هناك الكثير من الأعمال التي إشترك في كتابها أكثر من مبدع مثال ذلك الروائي عبد الرحمن منيف  وجبرا إبراهيم جبرا في عملهما المشترك ” عالم بلا خرائط  ” وغيرها من النصوص المشتركة فالنص الذي بين أيدينا يحيلنا بالضرورة إلى مفهوم جديد في الكتابة يسميه عبد السلام بنعبد العالي ” الكتابة بيدين ” أو ” الكتابة بصيغة المثنى ” متخذا في هذا السياق من تجربة جيل دولوزمع فليكس غوتاري اللذان أصدرا معا كتابهما الذائع الصيت ( ماهي الفلسفة ) في لقاءات كان يطبعها ما يسميه  عبد السلام بنعبد العالي ” التقارب المرجئ ” رغم أن الإثنين يقول غتاري   “رفضنا الرقص على الإيقاع نفسه كنا دائما في تفاوت ” (22) يحدث هذا بين رجلين بل بين فيلسوفين من فلاسفة القرن العشرين المنحدرين من سلالة نيتشوية طبعها التمرد والخروج عن ميتافيزيقا الحضور في الفلسفة الغربية التي كان نيتشة قد ناهضها منقلبا على الأب الهيجلي أو “الأب الوثني” بتعبير أدونيس ومن فضاء ثقافي هو فضاء الثقافة الغربية بما لا تصح المقارنة أساسا وهو نص يتخذ مما يسمى الوجع النسوي مثالا يتداخل فيه البعد الفردي بالبعد المثنوي ليس فقط لنصيرة محمدي ولكن أيضا لبسمة شيخو عبر صيغة ماكان يسمى في  النظام الثقافي للنثر العربي ” نظام الإسناد الذي صاغ كثيرا من المرويات وأخضعها لقواعده ” (23) هذه بداية الكلام الذي تفتتح به  الشاعرة  مغامرتها الشعرية الجديدة ضمن أفق هو أفق ” الكتابة المثنوية ” أو “الكتابة بيدين” بمفهوم عبد السلام بنعبد العالي ومن هنا فالقراءة الثقافية لهذا النص لا تعتبر أن فعل “الكتابة بيدين ” ضمن هذا السياق الذي جمع بين شاعرتين من شواعر العالم الثالث مجرد نص مشترك  إقتضته مناسبة ما أو ظرف زماني وإفتتاح نصيرة محمدي مجموعتها  الشعرية بهذا النص وجعله يحتل موقعها متقدما من حيث  الترتيب الكرونولوجي للنصوص التي حملتها المجموعة الشعرية ” نسيان أبيض ” لم يكن عفويا ولا هو بفعل الصدفة  بل له من الدلالات الثقافية ما يبررهذا الإختياروثمة إذن ضرب آخر من ضروب الكشف عن الأنساق الثقافية المهيمنة القائمة وراء ظاهرة ” الكتابة بيدين ” في بعدها الإحالي إنه الضرب الذي تكشف عنه الأبيات التالية

 ” ذاكرة هشة / كل ما تحتاجه في هذه المدينة

 لتمحو ندوب الغياب

على أجساد ذاكرتنا الطرية ” (24)

    فهشاشة الأنثى وعدم قدرتها على إختراق ” الحزام الذكوري أو نسف ” بنيان الفحولة” دفعة واحدة هو ما جعل الشاعرة تلجأ إلى نوع من ” نظام الإسناد ” لمواجهة الآخر المتهم بفعل النسيان وفي ذلك ” دلالة نسقية ” بتعبير الغذامي ” وهي دلالة كما يقول ” ذات بعد ثقافي مختلفة عن الدلالتين الدلالة الصريحة وهي عملية توصيلية والدلالة الضمنية وهي أدبية جمالية ” (25) ولنقل إذن أن الأمر يتعلق بتحول في أدوات المعالجة النقدية من النقد الأدبي النصوصي إلى النقد الثقافي تحول أردنا فيه محاصرة المآخذ التي تنطوي عليها الدلالتين الصريحة والضمنية وإحلال دلالة أخرى هي ” الدلالة النسقية ” لتجاوز الوضع القائم لظاهرة ” الكتابة بيدين ” أو ” الكتابة والتناسخ ” بالمفهوم الذي يقترحه عبد الفتاح كليطو على أن ما يعنيه عبد الفتاح  كليطو بالتناسخ هو تناسخ الألفاظ والوحدات النصية لكون الشعر مثلما يقول ” ميدان تجسيدات متواصلة وتناسخات مرهفة ” (26) بخلاف ما نرى من تناسخات أخرى طبعت هذا النص الإفتتاحي ” ذاكرة هشة ” هي تناسخ الأرواح الشعرية لشاعرتين هما نصيرة محمدي وبسمة شيخو بإتجاه الكشف عن الأنساق الثقافية لفعل “الكتابة المثنوية ” كما قدمها لنا عبد السلام بنعبدالعالي قبل   الإجابة عن ذلك السؤال الذي طرحته غياتري سبيفاك  ( هل يمكن للتابع أن يتكلم .. ؟.وعندما يتكلم وعلى إستحياء كما رأينا أو بنوع من ” نظام الإسناد ” فهل هذا يعني أن لحظة الخلاص قد حانت … ؟ وهل يمكن القول مع يوسف وغليسي أن ” الفحولة قد إنتهكت على يد الأنوثة ” (27) وماذا عن رد فعل المتكلم الأوحد تاريخيا وهو الذكر كما يقول سارتر ” أمام إنهزام النثر أو ما سماه باطاي التضحية بالكلمات .. ؟ ” (28) هل يبقى في وضع من لا يحرك ساكنا …؟  وعندما ننتهي من قراءة هذا النص بحثا عن مزيد من الإنتهاك لنص الفحولة الشعرية سنجد أنفسنا أمام نموذجين نموذج للفعل أو الكلام ونموذج آخر لنصوص المنفى بالنظر إلى أن جل النصوص المنشورة في المجموعة جرى توقيع أمكنة كتابتها ما بين باريس والجزائر هذا فضلا عن نصوص أخرى تحمل تيمة المنفى ومن الأمثلة على ذلك ( شضايا المنفى / مكان بارد / الغريبة تسأل عن أرضها ) وهناك نصوص أخرى لا تنطوي فواتحها النصية الخارجية على أسئلة المنفى وأوجاعه لكن بعض دلالاتها الخفية وأنساقها الضمنية تتسلل إلى باطن النصوص متخذة أبعاد أخرى ودلالات هي أشبه بالأنساق المضمرة ومن الجلي أن المنفى الذي تتحدث عنه  الشاعرة يأخذ بعدين بعد خارجي وبعد داخلي وإذ كان المنفى الخارجي كالذي خصص له إدوارد سعيد كتابا مهما هو ” تأملات حول المنفى “  بما هو ” إغراء للتحول والرغبة في إيجاد منظومة جديدة أو ولاء يحل محل الولاء الضائع ” (29)   وعليه  فالنصوص التي ذكرناها تنتمي من الناحية المجالية إلى أدب هو أدب المنفى أو ” أدب عبور الحدود ” كما تسميه الناقدة العراقية فريال غزول وتأكيدا لذلك تستخلص فريال غزول أن “الحداثة ذاتها كانت العامل المهم في  تجسيد آليات المنفى وتجلياته ” (30) ولعل ذلك ما يفسر على  الصعيد النفسي العودة إلى فرويد الذي يعتبر أول من ” قوض مفهوم البيت الآمن ونزع عنه  أقنعة الألفة ” (31) فما دلالة ذلك عندما نعاين التشكيلات الخطابية الطافحة بصور وأسئلة المنفى الخارجي   .. ؟ إن الجواب عن هذا السؤال سوف يطال بعض حالات الشعور بالوحدة أو ” الإنشطار الوجودي ” بتعبير علي حرب في رغبة الشاعرة المعلنة للرحيل بعدما إنصرف العالم عنها كما تقول ولذلك فهي لا تريد البقاء وكل ما تفعله أنها ستغادر قبل أن ” تسقط الثمار ويجف ماء الطريق” (32) وأحيانا أخرى تعلن أنها ستكون في مكان بارد لا يصلها فيه أحد وهناك تسأل عن أرضها الأرض التي تركتها تحت منحدرات (ألجي ) لقد خلخلت الشاعرة أسئلة المنفى وقامت بتشظيتها ووضعتها أمام القاريء  في نص هو “شذرات المنفى “  ولأن  الشعر هو إكتشاف الإلهي في اليومي كما يقول أزار باوند فقد جاء النص على شكل تغريبة إتخذت فيها نصيرة محمدي  من ظلال مريم  قناعا لها بما لهذا الإسم من دلالات دينية  لشعرنة نص الخطيئة كما إرتسمت في مخيال الشاعرة الخطيئة التي سيقابلها فعل النفي الإختياري بعدما تواطأت الأيام ضدها وإذ كان مفهوم الشذرة يحيل  إلى ما يسمى بالقصيدة الشذرية التي تجد تجذرها الإبستمولوجي والشعري لدى نيتشة وميشال سيوران صانعة  الفرق أو الإختلاف فإن قصيدة “شذرات المنفى ” تمارس على قارئها  قليلا من الإرباك ذلك أن القصيدة ليست من نوع القصيدة القصيرة جدا بحيث أنها تتربع على ثلاث صفحات كاملة من الفضاء الطباعي للكتاب موضوع المنجز الشعري وغير مقسمة إلى أجزاء أو شذرات وبالتالي فإن فعل التشذير  لا صلة له بالقصيدة كشكل بل ينصرف المعنى إلى تشذير  فضاء المنفى أو ما تسميه فريال غزول ” بتفكيك المكانية “  لكن أيضا لا ينبغي أن ننخدع بما تقوله الكلمات كدوال لها مدلولات فداخل النصوص هناك بعد آخر للمنفى هو البعد الداخلي أو المنفى الثقافي واللغوي أو مستوى البياض وإنطلاقا من أن الأنوثة بوصفها ” صفحة بيضاء وجهاز إستقبال مستسلم للمرسل قابل لأن ينكتب وينطبع عليه أي  تمثيل لغوي ” (33)  هذا ما يعني أن ” كل ما تملكه اللغة عن ذاكرة المرأة أنها جسد وهو جسد لا يملك سوى دلالة واحدة هي الدلالة الشبقية وكل رسائل الجسد الأنثوي ولغته ليس سوى هذه الدلالة الشبقية ” (34) للإبقاء على لغة المرأة الشعرية ضمن نمط واحد من الأنماط اللغوية وبلغة إدوارد سعيد إنه التمثيل أو تمثيلات الآخر فمثلما جرى ” تمثيل الشرق وفق الرؤية الغربية وإعتباره فضاء مناقضا لفضاء الغرب ” (35) جرى أيضا تمثيل المرأة وتجريدها من حقها في الكلام وعندما أرادت إمتلاك ناصية اللغة  “لإقتسام الفهم ” بتعبير ميشيل فوكو مع نظيرها الذكر وجدت أن اللغة مستوطنة ذكورية أو “مستعمرة ذكورية ” بتعبير الغذامي ولم يبق لها منها إلا ماله علاقة بالجسد / بإعتبار الجسد  “مفعول المرأة “مثلما تقول كريستيفا ولهذا المفعول ” وظيفة أمومية ما قبل أوديبية تستعاد في الفعل الجمالي الإستطيقي ” (36) هكذا يحصل فعل النفي اللغوي وهو نفي مضمر أو نفي لا شعوري لا يمكن القبض عليه إلا من خلال حس نقدي ثاقب ورؤية بصيرة تتجاوز المواضعات اللغوية التي كرستها سياسات البلاغة التي كان يردد الجاحظ أنها أشد من البلاغة وبكل تأكيد أن هذا المنفى اللغوي يختلف تماما عن المنفى اللغوي الذي سبق للروائي الجزائري مالك حداد  أن أبان عنه عشية الإستقلال عندما بدأ يشعر أنه منفي في لغته الأم العربية التي فاته أن يتعلمها لظروف تاريخية لا دخل له فيها  وهي دلالة أحيانا تؤدي دورا إنتاجيا في السياقين الشعري والأمومي فشعرنة الجسد لا تمارسها المرأة الشاعرة بمجانية ولتأكيد ذلك يمكن إيراد مثال آخر تضعه فاطمة المرنيسي موضع إختبار وفي ضوء ذلك  يصير “الحريم الثقافي نقطة إلتقاء وإنصهار لثلاثة من العوالم المرغوبة في العالم هي السلطة والثروة والمتعة ” (37) وإذ ما إتخذنا من ثنائية الثروة والمتعة متكأ لبيان إرادة ” القلب البلاغي ” بمفهوم عبد الكبير الخطيبي أو ” ترتيب بيت الأنوثة” أو البيت الثقافي للأنوثة بتعبير الشاعرة وسيلة بوسيس ” ليدخل الجسد في حالة من التوازن مع معطيات الحياة  المتطورة وعناصر الكون والحضارة الإنسانية ” (38) فسنجد أنه البيت الذي تلجأ إليه المرأة / الشاعرة جاعلة من قدرة الجسد ومن العاطفة الأمومية ركنا أساسيا من أركان ” الكتابة بالرد ” فلكونها مرغوبة والمرأة كما نعلم في منظور الرأسمالية الغربية ” رأس مال منتج ” هذا ما يعني أن فعل الكتابة بماهو فعل إشتهاء خاصة عندما يتعلق الأمر بالكتابة الشعرية  إنه نص اللذة الذي يأتي كما يقول بارت “من صلب الثقافة ولا يقطع صلته بها “  (39) لقد إعتبر  المتصوف الأكبر  محي الدين بن عربي  ” أن المعاني لا تقبل الضم إلى المعاني حتى تودع في الحروف والكلمات فإذ حوتها الكلمات قبلت ضم بعضها إلى بعض وإنضمام الحروف يسمى كتابة ولولا ضم الزوجين ماكان النكاح ” (40) وهذا ما يوحي به المرادف المفهومي ” للشبقية النصية “  الذي تحله ناقدة جزائرية هي الدكتورة آمنة بالعلى ” لكون أن “منطق التمازج والنكاح هو الذي تخضع له الكائنات الطبيعية وهو نفسه الذي يحكم عالم الكتابة بمعانيه وحروفه ” (41) ويقابله عند الغذامي  مفهوم مماثل هو “الجنوسة النسقية أو الزواج السردي ” وكل هذا ينبني على الإستخدام الأمومي للغة وفي لغة نصيرة محمدي يأخذ الضم للكلمات كإمكان لاشعوري بعض دلالاته الثقافية النفسية والأمومية بل إنها عندما تسأل الآخر كيف قطع درب الفتنة … ؟ وكيف أحب أنوثتها المنفية … ؟ سرعان ما يطرب لصوتها المجروح ” لتشهق كل الأمومة بداخلي ” (42) وكما في كل ضم أو تمازج أو نكاح أو ” زواج نسقي”  يترتب عن ذلك إنتاج للنوع البشري أوالنوع الإجتماعي أو الجندر ولكون الشعر والكتابة الشعرية على  مايرى أدونيس ” فن الإخصاب الروحي” فليس غريبا أبدا  أن تثمر الممارسة الضمية ما بين الحروف والكلمات عن إنتاج نوع آخر هو النوع الأدبي أو الجنس الأدبي المعادل الأخر للنوع البيولوجي ويكون المولود أنثى ومن جنس قصيدة النثر فتثمر لعبة الضم اللفظي والحروفي عن مولود شعري “  من أنوثة مضاعفة كحيلة عاطفية أو إستعارة هي مشروع الشاعرة الحضوري في ديالكتيك الإمحاء المتادل بين المرأة والرجل  (43)

ضيافة الآخر في القصيدة / النص النقيض / الهجنة وإرادة الإنشقاق

من أشد الأمثلة التي سنتوكأ عليها للوصول بالقراءة إلى بعدها التأويلي ونعني بذلك التأويل الثقافي جوابا على سؤال غياتري سبيفاك هل يمكن للتابع أن يتكلم .. ؟ أن الشاعرة نصيرة محمدي لا تكتفي بالكلام فقط بل تتعداه إلى مايسميه الشاعر المغربي محمد بنيس ” ضيافة الآخر في القصيدة ” دون إذن شفوي أو كتابي من الرقيب  الإجتماعي والأدبي الذكوري ودون حجاب أو مايعرف “بالحجاب المؤسساتي ” كماورد في إركيولوجيا  فاطمة المرنيسي الجنسانية  عندما يؤدي الحجاب وظيفة محددة تفرض على المرء ” إنضباطا ذاتيا لمواجهة قوة الآخر الجنسية وتعطيلها ” (44) رابطة إياه بما تسميه  المرنيسي “القدرة الإنشائية للخصي ” وفي هذا دلالة ثقافية على أن ” الحجاب المؤسساتي ” هو مجرد ” تورية ثقافية ” بتعبير الغذامي أو ذريعة يلجأ إليها الشاعر الفحل خوفا من الآخر ومن إمكان إصابته مما يسمى الإخصاء الشعري ومما لاشك فيه أن أشكال تجليات الآخر الحاضرة في ” نسيان أبيض”  تعرف إنتشارا وتعددا  مذهلا مابين الآخر الذكر المعني الأول بهذه الضيافة ثم الآخر الغربي بثقافته ونصوصه أو النصوص والأشكال الفنية  ” والنظريات  المهاجرة ” كما يسميها إدوارد سعيد ثم آخرا وهو الموت وإذ كان “الآخر سر لأنه آخر (45) بمفهوم ديريدا فإن مجهول الموت هو أحد الأسرار التي لاتعاش ولا أحد منا يعرف شكل الموت الذي يتربص به أو ينتظره  ولأجل ذلك تتساءل الشاعرة ” تراني أيها الموت ” وفي آخر لحظة تقاوم الإنتظار تتوسل إليه “

دعني هنا لحظات

أغرف من رائحة الحب

أمسك بتأوه جسد

ينتفض متلئلئا في حضن البعيد (46)

  علما أن سياسة كل جماعة ثقافية كما يورد أحد الباحثين إستشهادا بديريدا ” تقوم غالبا على خيانة أية ضيافة مطلقة حماية للملكية والخصوصية ” (47) مثلما يحضر الآخر ممثلا أيضا في أخيل ” الشخصية الإغريقية الإسطورية في إلياذة هوميروس الشهيرة غير أن هذا ” الأخيل ” ليس هو أخيل هوميروس أو أخيلوس بل هو أخيل آخر تستدعيه الشاعرة إلى متنها الشعري عبر نوع من الإنزياح  لظاهرة ” الإمتصاص اللغوي ” التي تحدثت عنها جوليا كريستيفا في كتابها الشهير ” علم النص ” ليأخذ هذا الإمتصاص على يد الناقد الثقافي أزراج عمر بعدا ثانيا هو ” إمتصاص الآخر ” هكذا يبدو أخيل الشاعرة أخيلا جديدا “بلون الغرق يتعطر في وسن العيون ” (48) وأحيانا يكون ” بمداد جرح مجنون لا يكترث لإغراء النهايات ” (49) وعندما نمعن النظر في أشكال تجليات الآخر أو ضيافة الآخر في القصيدة نجد أن الشاعرة لم تتردد إبدا في إستدعاء رائدة أخرى من رائدات النسوية الثقافية ويتعلق الامر في هذه الحالة بسيمون دي بوفوار صاحبة كتاب ” الجنس الثالث ” الكتاب الذي أعتبر إلى جانب كتاب ” غرفة تخص المرء وحده”  لفرجيينا وولف دليلان نسويان أسسا  لبدايات تشكل النقد النسوي في قصيدة جمعتها فيها برفيقها سارتر عندما تركت كتاب النسيان مبتلا بالأغاني الفرنسية  كما تقول وذكريات مقهى يحفر حكايا الوجودية ونزق سارتر وسيمون وهكذا فالشاعرة لا تتعامل مع فكر الآخر  كما لوأنه نوع من الذوبان في فكر الآخر وعدم ترك مسافة للتأمل والتساؤل وإستخدام قدراتها الفضولية في مناوشة فكر الآخر وعليه فنحن أمام مساءلة  ثقافية تستمد رمزيتها من محمول القصيدة النثرية الوافدة من الغرب ( مسقط رأس الآخر ) على الرغم من وجود بعض الترابطات السلالية في المنظومة التراثية العربية كمقابل لقصيدة النثر الحالية فيما يعرف بالشعر المنثور والشعر والمرسل وغيرها من مفاهيم الشعرنة النثرية التي لا تعني تحديدا قصيدة النثر كما تبدوا ممارستها لدى عدد من الشعراء والشواعر  بل المعنى يتجه إلى ماتسميه الباحثة المغربية حورية الخمليشي ” الإبدالات النصية الجديدة التي مرت بها القصيدة العربية  كربط الشعر المنثور بقصيدة النثر وتطورها منه ” (50) وبسبب من ذلك لجأت الشاعرة إلى كتابة نص هو ” النص النقيض ” لقصيدة النثر الفرنسية كما  أسست لها نظريا إمرأة بيضاء من الفضاء الثقافي الإمبراطوري هي سوزان برنار في كتابها الذائع الصيت ” قصيدة النثر من شارل بودلير إلى يومنا ” من أجل هدف محدد هو التأسيس “لخطاب نقيض ” يقوم على ” الوعي بالآليات الإبستمولوجية التي بنيت من خلالها المركزية الغربية التي تفصح عن ترابط المعرفة بالقوة من أجل تعديلها بتغيير موضع تعيينها ” (51) ولإستراتيجيات “الخطاب النقيض”  شروط ومواصفات فهو لا يعني بالضرورة نوعا من الإستبدال أو المحو لإحلال ” هوية أصلانية محل الهوية الغربية ” (52) فهذا الإحلال يقول ناقد عربي هو الدكتور محمد بوعزة ” قد لا يكون سوى تماهيا مع فكرة المعيار الغربي وبالتالي إعادة إنتاج للممارسة الإبستمولوجية الغربية المشكلة للمركزية الغربية مما يفضي إلى تمركز آخر محلي ” (53) ومن هذه الناحية لم تتناغم نصيرة محمدي  كثيرا مع العناصر المشكلة لشعرنة قصيدة النثر على الصعيد التقني في بعدها  المركزي ولم تحرص على توطين ذلك الثالوث الشرطي (المجانية والكثافة والغموض)  التي إشترطت وجوده سوزان برنار في أية قصيدة من قصائد النثركما وقفت عليه في ” ضجر باريس ” بوصفه ” نثرا خاما وغير إيقاعي على نقيض النثر الشعري الموزون ” (54) كما لوأن ” ضجر باريس ” لبودلير في منظور سوزان برنار هو  نص مركزي أو  هو النص المعيار وما على نصوص الهامش سوى محاكاته  والنسج على منواله دون أدنى تساؤل أو تردد   ولممارسة نوع من ” التعديل ” بتعبير غياتري سبيقاك أو” الإرجاء والتشتيت ” بالمعنى الدريدي نسبة إلى ديريدا   لقدرة ” الهامش اليقظ “  كما يسميه عبد الكبير الخطيبي  فقد خففت الشاعرة قليلا من محمول الكثافة الشعرية وأحلت محلها علامة أخرى هي العلامة الثقافية أو ” الجملة الثقافية ” ولم تكتفي بظاهر النص في ما يكشف عنه من خصائص لغوية وأسلوبية ومجازية وكنائية وغيرها من أفانين الدرس الإسلوبي المعاصر العاجز عن إستخراج المضمر والمغيب والمنسي من أنساق ثقافية تقيم في لاوعي اللغة وبين تجاويف الخطاب الإبداعي كبؤر مركزية أو ” لواحق منظورية ” بتعبير الناقد الأمريكي دافيد هيرش لكون أن الجملة الثقافية “مفهوم يمس الذبذبات الدقيقة للتشكل الثقافي الذي يفرز صيغه التعبيرية المختلفة ويتطلب نموذجا منهجيا يتوافق مع شروط هذا التشكل ” (55) وليست المسألة مسألة إنزياح في النسق أملته فكرة قرأت عنها الشاعرة هنا أو هناك بتأثير من ناقد أو ناقدة بقدر ما هو إختيار وجنوح نحو نوع من الإبدال للوحدة اللغوية بالوحدة الثقافية للنص إنها الوحدة التي تغري الشاعرة لأن تشبه نفسها بكتاب يتيم أو اللوحة المستحيلة هذه جملة ثقافية مغايرة تماما للجملة النحوية أو اللغوية التي لا تمكن القاريء من الكشف عن النسق المهيمن في الشعرية العربية مثلما أنها أيضا لم تلجأ إلى الغموض بدافع التجريب وتفجير اللغة من الداخل مثلما يقولون  بل قدمت نصوصا شفافة خالية من التعقيد وحتى عندما كانت تستدعي بعض النماذج الإسطورية والتاريخية والثقافية ( أخيل – سارتر – دي بوفوار ) فقد فعلت ذلك من منطلق ” التذويت ” والتطعيم الثقافي إن جاز التعبير بما يعني كتابة نص يشبهها ويعبر عنها وعن هويتها الأنثوية المعبر عنها إبداعيا تقع خارج نطاق الأسئلة الوافدة المحملة ببعض أنساق الهيمنة أو اللوغوس الذي يحاول فرضه النص المعيار كما وصلنا  عبر سوزان برنار وبودلير وبعض نصوص المدرسة الرمزية الفرنسية المرجع الأساسي لقصيدة النثر الغربية  غير أن هذا الأداء الإبداعي المتمثل في الخروج قليلا عن هيمنة النص الإمبراطوري الوافد من الفضاء الإبستيمي الغربي أو الفضاء المركزي لا يعني بالضرورة اللجوء أو الإحتماء بنص آخر يشكل معيارا مضادا للنص الذي نظرت له سوزان برنار وكتبه رجل أبيض هو شارل بودلير رغم أن الشاعرة لا تتخلى إلا قليلا عن ما يميز قصيدة النثر العربية عن ( ضرتها ) الغربية ونعني بذلك الموسيقى الداخلية كمكون إيقاعي في رحلة هي أشبه “بالعود الأبدي ” المعبر عنه بلغة بارت أن ” العود الأدبي إيذان بعودة المعنى ولكن كإختلاف وليس كتطابق وهوية ” (56)ومعنى ذلك أن الشاعرة تقدم نصوصا مهجنة كتعبير عما يسمى  بالهجنة الشعرية   الهجنة التي إتكأ عليها إدوارد سعيد لبيان وعيه الطباقي وفي رأيه أن ” كل التجارب التاريخية والثقافية  هي  هجينة مولدة عابرة للحدود ورافضة للخضوع للعمل الشرطي البوليسي الذي تمارسه المذهبيات الجامدة والوطنيات الصارخة ” (57) هكذا نرى أننا أمام كتابة شعرية أخرى هي الكتابة البينية المهجنة الخارجة عن معيارين المعيار الأول هو معيار قصيدة النثر الباريسية كما وصلتنا في نصوصها الأصلية أو مترجمة إلى لغة الضاد بإسناد من عمل نظري هو كتاب سوزان برنار” قصيدة النثر من شارل بودلير إلى يومنا “  ومعيار أخر هو القصيدة  

 العمودية النظامية قصيدة الشاعر الفحل المتمسك بقانون النظام لخليلي كنظام شعري مغلق بالإعتماد على مفهومين فككت أنساقهما المهيمنة ناقدة نسوية هي الدكتورة رجاء بن سلامة في (بنيان الفحولة )المفهوم الأول هو مفهوم عمود الشعر فمن شأن منظومة البيان تقول رجاء بن سلامة ” حماية عمود الشعر والإحالة القضيبية  الرمزية غير خافية  في صورة العمود وفي مفهومه بما أنه مذهب الأوائل والنهج المعروف والسنن المألوف ” (58) والمفهوم الثاني هو مفهوم الفحولة للحد من منظومة التمييز كما تقول ” بين الفحولي وغير الفحولي وهو الأنثوي الباعث على القلق ” (59) مفندة بعض المسلمات النقدية التي درج عليها النقاد التقليديون ومنها ما يعرف بالوعاء  وإعتبار المرأة مجرد وعاء سلبي يصب فيه “الشاعر الفحل” كل مايريد ومما لا يمكن القفز عليه أو نسيانه أن رجاء بن سلامة لا تكتفي بالعودة إلى لحظة الكتابة للقول كما ترى بتحول المبدع ذكرا كان أو أنثى إلى وعاء مما يعني دحض الصفة السلبية لمفهوم الوعاء مستخدمة ما يسميه السميائيون بالإزاحة والإحلال فتقترح بديلا مفهوميا عن ” الوعاء” هو الإنشطار”  “  ووفقا لما تراه مناسبا فإن فعل الكتابة ” إذكان ينطلق من وعاء فإنه ينطلق أيضا من إنشطار إنشطار الإنسان إلى ذكر وأنثى ” (60)  وعلى ضوء هذا التحليل وهو تحليل ثقافي لا تصير القصيدة النثرية عند نصيرة محمدي مجرد تعبير عن إنحياز نسوي ساذج لجنس أدبي إرتبط في مخيال المثقف  العربي بالتحرر من ” سلطة النموذج ” بمفهوم الناقد العراقي عباس عبد جاسم والدليل على ذلك وجود عدد كبير من الشعراء العرب الذكور الذين إتخذوا من قصيدة النثر الجنس المفضل لديهم ولا داعي لإيراد بعض الأمثلة فهي موجودة مثلما يكفي أيضا تأمل تجارب بعض ” الشواعر” والشاعرات اللواتي إقتحمن قلاع النظام الشعري العمودي المحصن بقوة الردع التي تنتهجها ” حكومة البلاغة ” بتعبير الغذامي وقدمن بعض النصوص المناوئة لقدرة الشاعرالفحل  على الإتيان بمثلها رغم أن هذا الإختراق ” لجغرافية الحزام الذكوري”  يعد في منظورالنقد الثقافي نوع من ” الإحتفاظ بمركزية المثول الرجالي ” على ما تستنتج ذلك ناقدة  جزائرية هي الدكتورة غزلان هاشمي حيث “  تعمد بعض الخطابات النسوية إلى الاحتفاظ بمركزية المثول الرجالي فحينما تفكر المرأة هنا تفكر بعقل الرجل وتستخدم لغته ومعاييره وتستعير اهتماماته فتغيب اعتباراتها وتقصيها بل وقد تصل إلى استخدام نفس تمثيلاته انتصارا لموضعيته المركزية ” (61)  فلا عجب إذن عندما تتجلى لنا القصيدة النثرية عند نصيرة محمدي بوصفها خيارا إرتبط في مخيالها الشعري والثقافي بنوع من الهجنة الثقافية والخروج الواعي عن النصوص المعتمدة أو النص المعيار الأصلاني أو الوافد هذا هو معنى  النثر المنشق أو ” الأدب المنشق ” الذي فصل فيه إدوارد سعيد في إطروحته عن النقد الطباقي  الذي يجد ملاذه  في نصوص النسيان كما تراءت لنا مهجنة غير قابلة للإقامة والأرضنة مضيافة وفي ضيافتها الآخر لا تقدم ذاتها بالسهولة الممكنة أو الوثوق الأعمى لإملاءات الخطابين الخطاب الشعري الأصلاني وخطاب الآخر   وفي سعيها لذلك تقدم خطابا آخر هو ” الخطاب النقيض” المعادل الموضوعي للنص المنفلت من القيد والأسر كنتيجة من نتائج النسيان المضاد لنداء الهيمنة الوافد أو المحلي فيتبدى لنا هذا النأي الذي يميز النسق المضمر في نصوص الشاعرة نصيرة محمدي ليس جديدا ولا هو طاريء من طوارئ الكتابة الشعرية عندها بل لقد بدأت الشاعرة ذلك منذ أن كتبت مجموعته الشعرية الأولى “غجرية “  الصادرة سنة   2000 والغجر كما هو معروف فئة لا تعرف الإستقرار ومن الصعب السيطرة عليهم أو إحتواء مشاعرهم وآهاتهم لكن هذا لا يعني أيضا أن ” غجرية ” هي نصيرة محمدي فالنقد الثقافي لا يتعامل مع النص المنقود وفقا لهذه الميكانيكية الفجة أو الذرائعية الباحثة عن تطابق بين الدال والمدلول مع العلم أنه لا وجود بالمرة في المجموعة الشعرية ” غجرية ” لأي نص يحمل العنوان ” غجرية “  وكل ما هنالك فقط أن الشاعرة لا تتوقع أن تظل الأرض “بغير شعر وبغير حنين وبغير أرملة الصحراء أو قبلة الغجري الأخيرة  ” (62) هذا ما يعني بلغة جيل دولوز أن الشخصية المفهومية وفقا لدولوز ” مجرد غلاف يضم الشخصية المفهومية الرئيسية  وكل الآخرين هم بمثابة الوسطاء والموضوعات ” (63) فوجود إسم نصيرة محمدي على علاف كتابها ” غجرية ” التي إفتتحت بها رحلتها مع الكتابة الشعرية ” كذات عالمة “  بتعبير محمد عابد الجابري أو ” كشخصية مفهومية ” بمعنى دولوز  التي كتبت وتجرأت على نشر المجموعة الشعرية ” غجرية ” في زمن ثقافي هو زمن العنف الأعمى الذي ساد جزائر التسعينيات وما بعدها بما تنطوي عليه الإحالة ” لغجرية ” من قراءات متوجسة من قبل القارئ الرقيب المشحون بمخزون كبير من بداهات الإدانة والردع والتوجس من الآخر ” الغجر ” لا يبرر أبدا أي نوع من أنواع التطابق أو الإئتلاف بين الناص والمنصوص  إنها حالة شعرية وبناء ثقافي للتعويض عن الغياب الفادح ” للمثقف الطباقي ” الوجه الآخر للوعي الطباقي المركب الماثل  في نصوص الهجنة الشعرية المعبر عنها بما يدعى ” النص النقيض ” لمركزية قصيدة النثر الإمبراطورية  كما لنصوص قصيدة الفحولة الشعرية الحاملة لإستعارة تحاكي ” إرادة القوة ” بالمعني النيتشوي لمفعول  الإستلاب الرمزي للرغبة  بمفهوم لاكان رغية الخروج عن إملاءات النمذجة الشعرية أيا كان مصدرها  وفي النهاية تخلص القراءة الثقافية التي إفتتحناها يتفكيك مدلول النسيان المدلول الثقافي إلى إعتبار ” نسيان أبيض ” هي إمتداد لمجموعتها الشعرية ” غجرية ” وأن النسيان الذي تحدثت عنه الشاعرة  عندما قالت كتبت “نسيان  أبيض”  لأنسى و لأتجاوز عتبة جديدة في الإبداع  هو غير النسيان المنبثق من أعماق هذا التحليل الذي إعتمدناه  كإستراتيجية ثقافية لقراءة هذه المجموعة قراءة ثقافية تستمد أدواتها المفهومية والنظرية  من حقل الدراسات الثقافية المنبثقة  من أفق هو أفق ما بعد الحداثة النقدية

خلاصة تركيبية

عندما كنا بصدد التفكير في إستحداث تصور لقراءة ثقافية لهذه المجموعة الشعرية ( نسيان أبيض ) كان المخطط الذي وضعناه لمحاصرة الإشكاليات التي واجهتنا حيال الدخول إلى مناخات النصوص الشعرية وأجوائها  أكبر بكثير مما تم إنجازه وهكذا فلحظة القراءة دائما تقلص من مسافات التحليل بما تعنيه إشارة النفري ” كلما إتسعت الرؤية ضاقت العبارة ” ومع ذلك فقد حرصنا أشد الحرص على تفكيك أهم الإستشكالات التي تثيرها محمولات النص الأداتية وهي محمولات بالطبع ثقافية فأقترحنا في البداية قراءة العنوان أو العتبة ( نسيان أبيض ) قراءة بينية لا تتنكر لوظيفة العنوان اللغوية والدلالية لكنها لا تتماهى معه وحده بالإنتقال من الدلالة النصية إلى الدلالة الثقافية ثم إحلال مفهوم الحريم الثقافي بديلا عن مفهوم الجندر للأسباب التي ذكرناها في مطلع هذه القراءة في صلته بفعل الكلام والكتابة بالنسبة لذات هي الذات الأنثوية المتكلمة في النص ضمن سياق كسياق الثقافة العربية التي إستبعدت الآخر من فعل الكلام وحتى عندما إقتحمت الأنثى الكتابة  وجدت أن اللغة لغة الكتابة  الإبداعية صارت مستوطنة ذكورية أو ” مستعمرة ذكورية ” بتعبير الغذامي فكان لا بد أن تناقش القراءة بعض الصعوبات من خلال التشخيص الثقافي لمنحى التجاوز في الكتابة الشعرية على صعيد القصيدة النثرية عند شاعرة هي الشاعرة نصيرة محمدي عبر مجموعتها الشعرية ( نسيان أبيض ) إنطلاقا مما إستنبطناه من عناصر إحالية تعاطت معها الشاعرة في نصوصها كتيمات أو موضوعات أثيرة وقضايا أخرى تتناص مع مفهوم الكتابة ذاتها كما تبدت لنا مهجنة أو بينية تعكس إنشطار الذات الشاعرة مابين (الهنا ) وهناك مابين الداخل والخارج هذا ما مكننا من وضع النص المنقود أمام إختبار القراءة الثقافية في بعدها الطباقي والتفكير في النص بماهو نص يقع ضمن دائرة هي دائرة النصوص المنشقة الغير قابلة للترويض أو الإقامة أو الإستسلام لقيم الطاعة الإبداعية  والأبوية  ومن هنا تنبثق قدرة النقد الطباقي في الكشف عن إرادة الإنشقاق كبديل عن ” إرادة القوة “

إحالات ومصادر

01)الحركات النسوية الثقافية مقابل ما بعد البنيوية – لندا ألكوف ضمن كتاب النظرية النسوية مقتطفات مختارة ترجمة عماد إبراهيم مراجعة وتدقيق عماد عمر – ص  327 دار الأهلية للنشر والتوزيع عمان المملكة الأردنية 

02)العشق والكتابة قراءة في الموروث – رجاء بن سلامة – ص 28 منشورات دار الجمل الطبعة الأولى كولونيا ألمانيا 2003

03)سيميائيات الثقافة وتحليل الخطاب سيموزيس السلطة والذات في خطاب الإشادة – عبد الفتاح يوسف – مجلة فصول العددان 91 / 92 ص 267 خريف 2014 شتاء 2015

 04)الدرجة الصفر للكتابة رولان بارت – ترجمة محمد برادة ص 88 – دار العين القاهرة الطبعة الرابعة 2009

05)سيميائيات الثقافة وتحليل الخطاب سيموزيس السلطة والذات في خطاب الإشادة – مرجع مذكور ص 268

06)الشاعرة نصيرة محمدي ” أنسى لأتجاوز عتبة جديدة في الإبداع – يومية الرائد 30/10/ 2016

07)اللحظة الجزائرية بين قدر المعنى وواجب المفهوم –بختي بن عودة – مجلة التبيين العدد 10 1995 ص 08  الجزائر

 08)العنوان وسيموطيقا الإتصال الأدبي – محمد فكري الجزار – الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1998 ص 15

09)النسيان في ضوء القرآن مقاربة مفاهيمية – أحلام بلعطار – مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية العدد 01 سنة 2011 – ص  178 نقلا عن مجمل اللغة لإبن فارس

10)خطاب التأنيث دراسة في الشعر النسوي الجزائري – يوسف وغليسي ص 43 منشورات  دار جسور قسنطينة الجزائر الطبعة الأولى الجزائر2013

11)لسان آدم – عبد الفتاح كليطو – ترجمة عبد الكبير الشرقاوي – ص 50 دار توبقال الدار البيضاء الطبعة الثانية 2001

12) لسان آدم المرجع نفسه ص 50

13)النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية – عبد الله الغذامي ص 138  نقلا عن البيان والتبيين للحاحظ – المركز الثقافي العربي بيروت الطبعة الثالثة 2005

14)المرأة واللغة – عبد الله الغذامي – ص 197 – المركز الثقافي العربي – بيروت الطبعة الثالثة 2006

15)نفس المصدر ص 197

16)نسيان أبيض – نصيرة محمدي – ص 87 منشورات الإختلاف / ضفاف الجزائر / بيروت الطبعة الأولى 2016

17) الجندر محاولة لتأصيل المصطلح ولمفهوم  الجندرة الأدبية – كوثر محمد القاضي ضمن كتاب جماعي بعنوان تمثيلات الآخر في الرواية العربية ص 252 أبحاث ملتقى الباجة الأدبي  الرابع منشورات دار الإنتشار العربي الطبعة الأولى 2011

18)الجندر في المقاربة النسوية العربية المعاصرة نقاط إنطلاق وخطوط تطور – يحي بن الوليد معهد العالم للدراسات أسئلة الواقع وإجاباته  بتاريخ 19 آب أغسطس2016

19)هل أنتم محصنون ضد الحريم … ؟ – فاطمة المرنيسي -  ترجمة نهلة بيضون ص 119 المركز الثقافي العربي بيروت / الدار البيضاء الطبعة الثالثة 2008

20)المرأة واللغة مرجع مذكور ص 16

21)النقد والنظرية ما بعد الكولونيالية – هانز بيرتنز ترجمة عمرو زكرياء مراجعة سيزا قاسم مجلة فصول العددان 87 / 88 ص 328 خريف 2013 شتاء 2014 القاهرة

22)الكتابة بيدين – عبد السلام بنعبد العالي – ص 08 دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الأولى 2009

23)النثر العربي القديم بحث في البنية السردية – عبد الله إبراهيم ص 08 منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث قسم الدراسات والبحوث الدوحة قطر الطبعة الأولى 2002

24)نسيان أبيض مرجع مذكور ص 09

25) النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية مرجع مذكور ص 73

26)الكتابة والتناسخ مفهوم المؤلف في الثقافة العربية عبد الفتاح كليطو ترجمة عبد السلام بنعبد العالي ص 22 دار التنوير للطباعة والنشر بيروت  الطبعة الأولى 1985

27)خطاب التأنيث دراسة في الشعر النسوي الجزائري مرجع مذكور ص 165

28)أنظر مقال سارتر أورفي الأسود تقديم منتخبات الشعر الأسود والملغاشي الجديد باللغة الفرنسية ترجمة فاطمة بلجرد ضمن كتاب مواقف مناهضة للإستعمار منشورات الجزائر عاصمة الثقافة العربية  2007  ص 21

29)تأملات حول المنفى إدوارد سعيد ترجمة ثائر ديب ص 40 دار الآداب بيروت الطبعة الثانية 2007

30)الأسس النظرية والثقافية لكتابة المنفى – فريال غزول ضمن كتاب جماعي الكتابة والمنفى تقديم عبد الله إبراهيم ص 45 منشورات الإختلاف ودار الأمان والدار العربية للعلوم 2011

31)الأسس النظرية والثقافية لكتابة المنفى المرجع نفسه ص 45

32) نسيان أبيض مرجع مذكور ص 83

33) ثقافة الوهم مقاربات حول المرأة والجسد واللغة – عبد الله الغذامي ص 72 المركز الثقافي العربي بيروت / الدار البيضاء الطبعة الثانية 2000

34) المرأة واللغة مرجع مذكور ص 203

35)أنظر مقال النقد ما بعد الكولونيالي عند إدوارد سعيد الخلفيات والمفاهيم لمحمد الجرطي ضمن كتاب إدوارد سعيد من تفكيك المركزية الغربية إلى فضاء الهجنة والإختلاف إعداد محمد الجرطي ص 09 منشورات دار المتوسط إيطاليا 2016

36) نساء يصيغة المفرد – جوليا كريستيفا – ترجمة فؤاد أعراب – مؤسسة مؤمنون بلا حدود قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية 18 يوليو 2018 ص 10

37)هل أنتم محصنون ضد الحريم … ؟ مرجع مذكور ص 69

38)صورة الجسد الأنثوي في الموروث العربي / حفريات ثقافية – وسيلة بوسيس مجلة الناص – ص 56 جامعة جيجل العدد13 جوان 2013

39)لذة النص رولان بارت- ترجمة فؤاد صفا والحسين سنجار ص 22- منشورات توبقال الدار البيضاء الطبعة الأولى 1988

40)تحليل الخطاب الصوفي في ضوء المناهج النقدية المعاصرة آمنة بالعلى نقلا عن الفتوحات المكية لإبن عربي ص 81 منشورات الإختلاف الطبعة الأولى 2002

41)المرجع نفسه ص 81

42 ) نسيان أبيض مرجع مذكور ص 82

43)سادنات القمر سرانية النص الشعري الأنثوي – محمد العباس ص 08/ 09 دار الإنتشار العربي بيروت الطبعة الأولى 2003

44)هل أنتم محصنون ضد الحريم … ؟ مرجع مذكور ص 153

45)حوار أجراه أنطوان سيبر مع جاك ديريدا ضمن كتاب ” المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة ترجمة حسن العمراني – ص -  63- دارتوبقال للنشر الدارالبيضاء 2005

46)نسيان أبيض مرجع مذكور ص 43

47)سياسات الضيافة شذرات من خطاب في الغيرية – رشيد بوطيب دار توبقال الدار البيضاء – الطبعة الأولى 2016 ص 14

48)نسيان أبيض مرجع مذكور ص 46

49) نفس المرجع ص 46

50) الشعر المنثور والتحديث الشعري حورية الخمليشي ص 183 منشورات زاوية الطبعة الأولى الرباط 2006

51)سرديات ثقافية من سياسات الهوية إلى سياسات الإختلاف – محمد بوعزة ص 55 منشورات الإختلاف ودار ضفاف بيروت / الجزائر الطبعة الأولى 2014

52)نفس المصدرص 54

53)نفس المصدر ص 54

54)قصيدة النثر من بودليرإلى أيامنا – سوزان برنار ترجمة زهير مجيد مغامس – ص 71 منشورات الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 1993

55) النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية مرجع مذكور ص 73

56)درس السيميولوجيا رولان بارت ترجمة عبد السلام بنعبدالعالي – ص 49 دار توبقال الدار البيضاء الطبعة الثانية 1993

57)الثقافة والإمبريالية – إدوارد سعيد – ترجمة كمال أبوديب – ص 85 دار الآداب بيروت الطبعة الرابعة 2014

58)بنيان الفحولة أبحاث في المذكر والمؤنث -رجاء بن سلامة – ص 47 دار بترا للنشر والتوزيع دمشق 2005

59)نفس المصدر ص 47

60)نفس المصدر ص 55

61)الكتابة النسوية بين المثول المركزي ووهم الإيديولوجيا الإصطفائية – غزلان هاشمي-  مجلة مسارات – ص 48 – العدد 03 الجزائر

62)غجرية – نصيرة محمدي – منشورات الإختلاف الجزائر 2000 ص 29

63) ماهي الفلسفة جيل دولوز وفليكس غتاري ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدي ص 79  مركز الإنماء القومي والمركز الثقافي العربي بيروت الطبعة الأولى 1997

/

 * قاص وناقد من الجزائر 

اترك تعليقا