الرواية الفرنكفونية في الجنوب الغربي.. جرح الكتابة خارج الذات / عبد الحفيظ بن جلولي*
بواسطة admin بتاريخ 24 يناير, 2019 في 08:45 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 68.

تحتفي الكتابة في تاريخيتها بالزّهو الوجودي، إذ تنعم الكلمة منذ انخلاقها بذلك التّبجيل الذي تكنّه وتعلنه لها جبهة الإنتصار للنص، والجغرافيا هي مجال انتاج النص، وأقصد على وجه الخصوص النص الرّوائي، حيث يصبح واجهة تعريفية للمكان، حتّى إذا استقرّ في الذّهن مفهوم الكونية بالنّسبة للعمل الأدبي.

 ظلّت الإحالة على المكان الذي انبثقت منه هويّة الكتابة لصيقة بالنص في إطار الدّراسات والبحوث التنقيبية عن الأصول المعرفية والأنثربولوجية للعمل الإبداعي، وفي هذا الإطار تلتمع أسماء أدبية شقّت طريق الكتابة والإبداع في منطقة الجنوب الغربي، وعلى وجه الخصوص مدينة بشّار، مسترشدة بالنّفس المنتج للنص في تناهياته الكونية المختلفة، إذ لم تُتَح لها البدايات الذّاتية لتقترب من اللغة الأم، فراحت تكتب بلغة بديلة، لأنّها أتقنت المداخل إليها والمخارج منها، وانفتحت على الزّخم الإبداعي الذي يسكن أعماقها حتى نافست في اللغة ذاتها أصحابها الأصليين.

إنّ الكتابة خارج الذّات، لا تعنّي المفهوم الاغترابي، الذي يؤدّي معنى الانسلاخ من القيمة الاجتماعية، بقدر ما أقصد بالمفهوم، جرح استيعاب العالم بلغة الآخر، الطّريقة التي تجد الذات بها ذاتها في لغة بديلة، بعيدا عن دفء وحميمية اللّغة البكر، البدئية التي تجاور الميلاد وبداهة التعرّف على الأشياء والعالم داخل نسق الوجدان المشترك للغة الأم، إنّها مأساة البحث عن الذّات وأركيولوجيا للوجودية النّاطقة باسم الجوهر الرّؤيوي للعالم، أو حدس الكتابة، حدس اكتشاف العالم في نسغ المعرفة . 

إن الكتابة عن هؤلاء ـ وكثير آخرون لم يسعني الإلمام بإنتاجهم ـ خارج تحديد المواقف من انتماءاتهم والتزامهم الأيديولوجي ورؤيتهم للأشياء، تعتبر نوعا من الكشف عن مسارات إبداعية، تحديدا في مجال الرّواية، يمكن أن تشكّل عاملا تنبيهيا بالنّسبة للباحثين والنقاد في مجال الأدب، قصد الوصول إلى  تغطية تقريبية لمجمل النّشاط الرّوائي الفرنكوفوني على السّاحة الوطنية، وخصوصا حينما يتعلق البحث بالنّصوص المؤسِّسة، كما يبدو لي في ما يتعلق بالرّوائي محمد ولد الشيخ، وبعده زايد بوفلجة الذي تفجّرت ملكته الرّوائية بعد سنين من حادثة واقعية.

إنّ تناول هؤلاء، يبقى في حدود القراءة والتّقديم والكشف عن مرحلة تاريخية في مسار الإبداعية الرّوائية الفرنكوفونية الجنوبية، وتطوّرها من وجهة نظر خاصة.

إنّ المدرسة الفرنسية في الجنوب الغربي، وعلى وجه الخصوص في مدينة بشار استطاعت أن تستقطب بعض الحساسيات الإبداعية، كون هذه الفعاليات كانت مهيّأة لتلقي الفعل الإبداعي والإنخراط في الدّائرة الإنتاجية للنص، حيث، وفي مثل هذه الحالات، تتجلى القراءة كمُفعِّل أساس للحلقة اللاّحقة المتمثلة في الكتابة، وعلى هذا يمكن أن تجد الكثير من مبدعي المنطقة باللّغة الفرنسية، على وعي كبير بالإشكال اللّغوي، الذي يجعلهم ينتجون داخل دائرة الإلتزام الوطني، من حيث الشّعور بالمسؤولية في تقديم الواجهة الشّخصية والموقف الذّاتي اتّجاه الحالة المتبلورة ضمن الحدث الرّوائي، ومن هؤلاء، من المتأخّرين أذكر الرّوائي «أحمد عمّوري»، صاحب رواية «حياة واحدة وعالمين»، ففيها تسترجع الشّخصية الرّئيسة البصر إثر عملية جراحية، بعد أن وُلدت فاقدة له، لكنّها تجد عالما

يختلف عن عالمها القديم، فتصبح فكرة العودة إلى عالمها، الهاجس الذي يستحوذ عليها، فالعودة إلى عالم العَمَى النقيّ هو العودة إلى عالم الذات، ولا يمكن أن نغفل المستوى التأويلي عند مفاهيمية الكتابة الإغترابية، أو التّفكير داخل اللغة البديلة، فالذّات ليست بمعزل عن أحبولة الكتابة، ذلك أنّ الشاعر جمال الدّين بن الشيخ يقول: «أن نحب ونحن نكتب ليس معناه أن نعترف بذواتنا، ولكن أن نشعر بأنّنا جزء من أحابيل هذه الآلية الحاصلة والتي تنبعث في صورة عاطفة ما». 

 وطبقا للرّوائي في حديث لي معه، يقول أنّ فكرة الرّواية تعود إلى فترة حصار عرفات، فجرح الهوية لدى الكاتب يمتد ليتعالق مع الجرح القومي، وهي من تداعيات الإحساس الاغترابي داخل اللغة البديلة، والوعي به، حيث التّململ المستمر داخلها لإثبات حالة التشبّت بالذات في جذورها الحضارية الباعثة.

مفصل الإبداعية الفرنكوفونية في المنطقة يتأسّس انطلاقا من سنة 1937 ـ وقد يكون قبل ذلك ـ تاريخ صدور رواية محمد ولد الشيخ المعنونة، «مريم في الواحة»، التي كُتبت في ثلاثينيات القرن العشري ، والتي من خلال قراءة تشريحية للعنوان، تتجلّى الدّلالة المكانية والشّخصانية التي تتفاعل ضمن منطق الرّواية في مقاربتها حالتي الإدماج والهوية الجزائرية المنتصرة عبر شخصية «خديجة» عنصر الزّواج المختلط، وبالتالي يحيل المركّب الدلالي على صراعية جمالية للذّوات الهوياتية المختلطة في علاقاتها بالمكان، مما يتجاوز عنفية الظاهر إلى عنفيات جمالية تتضمّنها «الإنتاجية النصية» بتعبير كريستيفا. التأسيس للرّواية الفرنكفونية في المنطقة بعقد الثلاثينياث، يحيل إلى احتفال فرنسا الاستعمارية بمرور قرن من الزّمن على وجودها في الجزائر، وبالتّالي تصبح موضوعة الهوية مطلبا دفاعيا ضدّ المسخ الإستعماري الذي يهدّد مكوّنات الشّخصية الوطنية، فينتقل المكان من مجرّد الجغرافيا إلى مفاهيمية الهوية، لأنّه المُوَلّد الأساس للخصوصية، فالواحة ترسيم لحدود الذات في إطارها الوطني الذي ينمو داخل التنوّع الطبيعي للفضاء العام.

تستثمر رواية «مريم في الواحة» البعد الجمالي للمكان لتفجّر من خلاله العنفية الجمالية التي يجب أن تمارس ضدّ الوجود الدّخيل، في استحواذه على الجمالية الهادئة للمكان، ولا يمكن اغفال عنصر التّعبير الذي تمثله اللغة البديلة، والذي يشكل وعيا اغترابيا داخل الذّات التي تفتقد الأيلولة إلى الكلمات في عمق الوجدان الجمعي، والذي تترجمه اللغة الأم، وهي مسألة في غاية الحساسية، دفعت بالرّوائي الإنساني مالك حدّاد إلى أن يتوقف عن الكتابة نهائيا، بعد أن فقد معول اللغة الأصيلة التي ينطق بها أجمل كلمة «أمّا» أو «الحب»، واعتبر ذاته منفيا في اللغة، ناهيك عن أنّ الرّوائي محمد ديب يعترف قائلا: «إنّ أخيلتي وتصوّراتي نابعة من اللغة العربية، فهي لغتي الأم».

يدخل في مرحلة تالية لمحمد ولد الشيخ، على الأقل بالنّسبة الى ما استطعت أن أصل إليه، المبدع الذي كان يكتم إبداعه، أو ما أطلق عليه مشروع الإبداعية المؤجّل، والذي يمثلّه زايد بوفلجة، من مدينة عين الصفراء، الذي كتب مذكراته في بداية الثمانينيات، بحسّ روائي يفيض فيه الفنّي، يروي فيها قصّته مع الأخت المسيحية «كاثرين»، التي جمعته بها قصّة حب، لكن عقيدتها كانت مانعا لإتمام الزّواج، فقرّرت التخلّي عن الخدمة في صف الأخوات البيض، لتحقّق رغبتها في الإقتران بحبيبها، فاتّفقا على الهروب من عين الصّفراء إلى فرنسا، إلا أنّ المحطّة الأخيرة في العلاقة كانت وصولهما إلى باب العمارة التي تقطنها بباريس، حيث تمّ اختطافها، ولم يرها منذ ذلك الحين، أي منذ نهاية الأربعينيات.

إنّ هذه الرّواية السيرذاتية تمنح الفضاء الرّوائي اتّساعا فنّيا، يجعل من الحدث في تلوّناته الواقعية جزء من الخيال الذي يتأسّس في اللحظة التي يستولي فيها الشك على وافعية الحدث، من شدّة كثافة المنحى الإنساني الذي تترجمه الرّواية، ولعل صراع الهويّات من خلال هذه الرّواية الذي يؤدّي عبر تداعيات الحدث إلى اختلاف المسارات الوجدانية، يطبع بشيء من الرّزانة الذّاتية وجهة الإنسان في شجب العنصرية التي تنشأ في جزء كبير منها استعمارية، كون الحدث في جذوره يعود إلى نهاية الأربعينيات، لكن تمظهرها الدّيني يفسّر كينونة الظاهرة على المستويين الإثني والأنثربولوجي.

المرحلة الثالثة بعد النّصوص المؤسِّسة، تظهر فيها شخصية أدبية سجالية أثارت جدلا كبيرا وما زالت، وذلك بسبب تمرّدها المعلن على «قيم مجتمعية» ترى فيها السّبب الكامن وراء تخلف المجتمع، إنّها الرّوائية الطبيبة مليكة مقدم، التي خرجت من عباءة الإنتاجية النصية الفرنسية، وشقّت لها طريقا يبسا في عمق اليمّ الأدبي الفرنسي، حتى نالت جائزة «ليتر» عام 1991، وهي جائزة عريقة تأسّست عام 1963، ويبدو من خلال رواياتها «الرّجال العابرون»، «رجالي»، «الممنوعة»، «نزيد»…، أن الكاتبة تعيش غربة مزدوجة، داخل الذّات وداخل الفضاء المعيش، حيث الرّفض المجتمعي لما تكتبه جعلها رهينة التربّص بها، سواء في فرنسا أو في الجزائر، وهو ما ذكرته في رسالة بعثت بها إلى المؤرّخ الفرنسي بنجامان سطورا.

هذا الرّفض كثّف بداخلها الاستمرار في تعرية الإنغلاق المجتمعي الرّافض ولوج مرحلة الحداثة، حسب رؤيتها، وفيما بعد كسّر كل إحساس بالإنتماء لدوائره المحافظة، ولعل هذا كان نتيجة تفتّح الوعي الثقافي والمعرفي في لحظة مستلبة تتعارك فيها الهويات، هوية متسلّطة مهيمنة (الهوية الاستعمارية)، وهوية منغلقة قامعة استسلمت للتقاليد البالية والخرافة (الهوية المجتمعية)، وبين الهويتين الضّاغطتين استسلمت لتلك التي رأت فيها تحرّرا وانعتاقا من كل التزام يحدّ من حرية التّعبير عن الذّات، وليس أي تعبير، إنه ذلك المرتبط بالحالات القصوى للجرأة، وبالتالي لم يكن أدب مليكة مقدّم إلا مكوّن بحث عن هوية مفقودة، تسبّبت في تغييب ملامحها كينونتين قمعيتين.

تستمرّ الإبداعية الرّوائية في الجنوب الغربي منتجة حالة لغوية بديلة تتفجّر داخل اللسان الفرنسي، محدثة انفجارا دلاليا ممتعا، حيث لا يمكن أن نغفل الجانب الخفيّ الذي يضمر سحرا في حركة اللغة وخفّتها، وانتشاءها تحت ظلال السّريان الصوفي المتعالي للكشف والتّعرية، وهو ما يجمع كل هذه الحساسيات الإبداعية المختلفة، حيث الإختلاف مع قناعاتهم الإيديولوجية وانتماءاتهم الفكرية ومواقفهم لا يمنع من الإعتراف بشراسة مواجهتهم مع اللغة، ومراودة بكارتها لاختلاس لحظة تفجّرها الأولى، إطلالتها البكر التي تحمل كل بشارات الشّعرية في التوارد السّردي.

ظهرت كتابات «ياسمينة خضرة» كموت الفجأة بالنّسبة للحياة المعلنة من آفاق غير منتظرة، ولعلّ روايته الأخيرة «ما يدين به النّهار لليل»، رغم الإختلاف مع ما يريد الكاتب إيصاله إلى القارئ، إلا أنّها كتبت بتقنية عالية في الحبك والتّماسك في الرّؤية السّردية، والتّرابط في الوحدات السّردية، وتوظيف اللّغة الرّوائية الشفّافة التي تبرم عقدا مع القارئ.

عبر كتاباته نكتشف أنّ «ياسمينة خضرة» من المثقفين الجزائريين الذين شكّلوا انتلجنسيا مغامرة داخل قناعات الذات، بحيث كسّر عدّة حواجز وصولا إلى الهوية الأولى المناضلة من أجل التحقّق الوجودي، انطلاقا من الإسم المستعار الذي يعود إلى زوجته، وهو ما يعكس المستوى الأول من المغامرة الوجودية، حيث المجتمع لا يعترف بمثل هذه التلاعبات الهوياتية، ثم يكسّر صرامة وانظباط العسكري بداخله ليحرّر رهافة المبدع، وفي مثل هذه المستويات يمكن أن نقرأ ياسمينة خضرة ومغامرته الحالمة داخل أنساق الكتابة المتحرّرة.

لا يمكن أن نتجاوز ضمن هذه العجالة الرّؤيوية الرّوائي والأكاديمي «رابح السبع» صاحب رواية «المدينة المحمومة»، الذي كسّر نسق الفرنكوفوني داخله وولج عالم اللغة الأم، انطلاقا مما يفرضه عليه تكوينه الأكاديمي، حتى إنّه مارس التّرجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية، ومسار رابح السبع يكشف تدافعية الهاجس الهوياتي في رغبته من التحقّق داخل أسوار اللغة الأم، وروايته الآنفة الذّكر، تعبّر عن مرحلة التّهديد لوجود الدولة في الجزائر، في مرحلة المأساة الوطنية، والمدينة توسّع من مفهوم المكان المحدَّد ليشمل الجغرافيا الممتدّة، وبالتّالي تَحَقُّق الهويّة الذّاتية ضمن خريطة الإحساس الجمعي بالمكان ومكوّناته الهوياتية انطلاقا من اللغة الأم.

تبقى هذه مجرّد قراءة في الواقع الرّوائي المُنجَز داخل اللغة البديلة، ومحاولة لفهم تناقضات هؤلاء الذين ساهموا في رسم المشهد الإبداعي في هذه المساحة من الوطن الرّوائي الممتد عبر جغرافيا الحنين والمحبة.

/

* ناقد من الجزائر  

اترك تعليقا