في مجموعته”ترانيم عاشق الحمراء”:الشاعر سمير خلف الله يكتب الحنين للزمن الأندلسي والتغني بالحراك الجزائري السلمي/ د وليد بوعديلة *
بواسطة admin بتاريخ 25 يناير, 2020 في 08:05 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 101.

صدر  عن دار النشر المثقف بالجزائر مجوعة شعرية موسومة ب”ترانيم عاشق الحمراء”-2019- للشاعر المبدع سمير خلف الله.

    ويأتي اسم قصر الحمراء المشهور بغرناطة موشحا للعنوان و منسجما مع الكثير من القصائد الشعرية التي احتفت بكل جماليات المكان في اسبانيا زمن الوجود العربي المازيغي الاسلامي بها، وهناك الكثير من الموضوعات التي تستوقف القارئ بأساليب فنية خاصة بالشاعر.

الشعر والأندلس.

اختار الشاعر خلف الله الرحيل لكثير من العناصر والرموز الحاضرة مع المكان الأندلسي، وجدنا هذا في قصيدته “أنا الأندلسي”، من الشعر الحر، وفيها نجد التماهي بين الشاعر والمكان وعودة لزمن الحوار بين الديانات،و تجليات الشعر و الفنون، وتلاحق الأمراء و الملوك و قادة الجيوش…

     وتحضر أخبار المحبين وحكاياتهم في النص، وكأن شاعرنا لم يريد أن يغامر بنص أندلسي الهوى دون مكاشفة شعرية لكل من شكل التاريخ والهوية و الجغرافية باسبانيا المسلمة،وختم قصيدته:”أنا لن أبكي يا عائشة الحرة/ ملكا مضاعا كما تبكي النساء/ فأنا أندلسي وعائد غدا/ لأرض الأجداد و الآباء”.(ص49)

     ويعود للأندلس عندما يتأمل جمال  منطقة جرجرة الجزائرية في قصيدة :أميرة من جرجرة”،شعر حر، فالزمن الجزائري يذكره بالزمن الأندلسي، ومن ثمة فكل مشهد جميل رائع، هو وثيقة سفر شعري لفتح أوراق ذاكرة أندلسية جميلة جليلة جريحة،نقرا في بنية استهلال النص توقف عند الجمال الحاضر وإحالة للجمال الغائب:”تذكريني بمن فيما مضى/ أحببتها/ ومن كل حنايا فؤادي عشقتها /أميرة أندلسية/ كانت كالسحر ترفل في حدائق الزهراء/ وقرطبة”(ص94).

و يوظف المبدع في هذا النص الكثير من الرموز الأسطورية مثل عشتار وسيزسيف، كما يعتمد تكرار الكلمات و التراكيب الخاصة بالألم و الضياع والذاكرة ليرسّخ معانيها عند القارئ.

    وفي قصيدة “غرناطة”،شعر حر، يزيل المكان الغرناطي عن فؤاد الشاعر/النص الحزن، ويلهمه الإبداع الجميل، كما يزيل الأرق والقلق، ويخاطب المكان-غرناطة كما يخاطب الانسان-المرأة ، بكل السحر والبهاء والغنج،لكنها (غرناطة-المحبوبة )بعيدة وقبل الوصول لها هناك العوائق و القيود، مع ملاحظة أن المشاعر و الأفكار كانت أكبر من التعبير الفني، فوجنا طغيان للتعبير النثري المباشر….     وهو ملمح يميز النص الشعري عند سمير خلف الله في بعض نصوصه، ونحن نميل للنصوص التي تعتمد التكثيف والترميز ومراوغة القارئ في المبنى و المعنى، لكن يبقى هذا اختياره الشعري الذي يشكّل تفرده عن غيره من الشعراء.

    وفي نص”ترنيمة عشق المورسيكي الأخير” نقرأ للشاعر ابن منطقة بن مهيدي بالطارف قوله الشعري:”غرناطة/ هي فردوسنا الأولى والثانية /ومن بعدها خراب/ ويباب وأرض قاحلة”(ص124).

   وسيجد المتلقي أن غرناطة هي الجمال والحضارة، وغيرها ليس إلا القبح والتخلف والصحراء القاسية، كما سيجد التأثر بالأسلوب القرآني و صوره و معجمه( التناص مع آيات سورة الحاقة).

   ويمكن أن يكون موضوع التجلي الاندلسي في شعر سمير خلف الله من الموضوعات الأكاديمية الهامة،بأقسام الأدب واللغة  و الفنون، ونصوصه تحتاج  باحثين ونقاد مقتدرين ليعانقوا الخصوصيات الفنية و الفكرية لهذا التجلي، فهناك الكثير من النصوص، فمن يقرأها ويحاور دلالاتها وملامحها وهويتها من طلبتنا وباحثينا في الجامعات الجزائرية؟

نصوص وعوالم من الأفكار..

       يمكن تقسيم باقي موضوعات المجموعة الشعرية إلى ما يلي:

1-نجد النصوص الشعرية التي تفاعلت مع الحراك الشعبي السلمي ونقلت التجربة و الصوت والتعبير من ميادين الثورة السلمية،فأبدع مطولة شعرية وسمها ب”شكرا لأحرار ثورة الابتسامة”،كما

       وجدنا قصيدة موسومة ب”هذا هو شعب الجزائر” ، وهي عن النضال الجزائري السلمي(عام 2019 وبعده) في مواجهة الاستبداد و الفساد،نجد فيها معاني العزة والشهامة والروح الوطنية، ودعوات لالتزام بالوحدة ونبذ التفرق الجهوي العرقي.

    ومنها نقرأ بطريقة عمودية، عن المسيرات الشعبية:

طلائع من نور تجوب المدائن

كعطر ورود الزنبق المتناثر

2-عاد الشاعر للقضية الفلسطينية و أنشدها حبه،في قصيدة”إليك فلسطين”نشعر عمودي،وفيها آمال للتحرر و العودة، ومنها:

سنرجع أقصانا عروسا بهية

بدير وقدّاس لنا تتزيّا

وترفع آذانا قباب علية

فتشدو سماوات ونجم الثريا

3- كما عاد للثورة التحررية الجزائرية،وممارسات الاستعمار و نضالات الشهداء ،مثل نص”هكذا غنى نجل الجزائر”ونص”لنا ثورة التحرير”، حيث يتغنى شاعر بالبطولات ويدعو للشهداء ويكشف الهمجية الفرنسية…

4- سافر المبدع سمير خلف الله في قصائد الحب والهوى،وهو ملمح يتكرر في المجموعة،مثل نصوصه:حبيتي أحبك حينما نغني،أعشقك،لأجلك حبي،مهلا عليك حبيبي…وغيرها.

     ونسجل هنا ملحوظتين:-بعض النصوص ترتقي للصوت الرومانسي عند جبران وخليل مطران- بعض النصوص سقطت في التقرير والنثرية.

    نقرأ من نص “مهلا عليك حبيبي” هذا القطع العمودي:

و آه لمن يبقى طريدا شريدا

بأرض الهوى يرتاد دربا طويلا

كليلا يعود القلب يسعى ذليلا

وربّ الورى هل عانق المستحيلا؟

براه الذي ما من إلاّه سواه

وما كان صوت الحب فيك دخيلا

   وترتقي نصوص الحب عنده أحيانا لعوالم قدسية جليلة، فيها التوظيف الصوفي ، وتلاحق أسماء الأعلام و الشخصيات من التراث الديني والأسطوري…،مع معاني الفداء و التضحية و الحلول …

      لنتأمل هذا المقطع الجميل من إحدى القصائد ذات الأداء الموسيقي التقليدي:

تحن إليه الروح قبل البصائر

ويهفو له سمعي ولمس الأنامل

سأنحت من شعري له ما يماثل

زخارف في الحمراء أو برج بابل

ومن فيض حسن أو جمال يعانق

سأكتب ما ينسي قصيد الفطاحل

      وهناك موضوعات أخرى مختلفة في نصوص الشاعر، مثل المديح النبوي، النص الوجودي الفلسفي…

       إن تجربة الشاعر متميزة في السياق الجزائري و العربي، ونستغرب عدم معرفة الكثير من المختصين  في الأدب الجزائري بهذا الاسم، وقد يعود هذا لزهده في الأضواء الاعلامية والمناسبات الثقافية الرسمية، رغم أن نصوصه تقول الجودة و الإجادة و التمكن من البحور الخلليلة، مع حوارية فنية خاصة مع التراث الشعري العربي ، وانفتاح عميق وبهي على المسائل الراهنة في السياسة و الفكر و الدين، ثم توظيفها جماليا لقول النص الشعري المتمرد،  الصادم ،المتحدي…

في الأخير

      يحتاج الديوان الشعري الجديد للشاعر الجزائر سمير خلف الله لوقفت كثيرة، لتكشف الملامح الفنية و الدلالية فيه، وهو ينتقل بين الشعر العمودي التقليدي في معجمه و موسيقاه، ليكتب الشعر الحر ، وينقل للقارئ مشاعره وأفكاره، إنه ديوان جميل ننصح بقراءته.

     للتذكير فالشاعر والأستاذ سمير خلف الله من ولاية الطارف، سبق وأن نشر ديوان قوافي للشعب والوطن سنة 2007 وديوان همسات في أندلس الأشواق سنة2017، بالإضافة لدراسات حول التاريخ والفكر و الهوية.

/

* ناقد وأكاديمي من الجزائر 


اترك تعليقا