تنشئة المثقف التابع في الجزائر/ سعيد خطيبي
بواسطة admin بتاريخ 26 مايو, 2020 في 02:25 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 126.

تنزاح مدن المركز في الجزائر إلى الهامش، وتتوارى منقلبة على ماضيها، تتخلى عن تاريخها، وتنسحب في صمت إلى العتمة. مدن مثل قسنطينة أو عنابة أو تلمسان أو وهران، لم تعد سوى أسماء على الخريطة، مساحات شاسعة تكاد تفرّغ من هويتها، تتكرر أسماؤها في نشرات الأخبار، أو في برقيات أحوال الطقس، كما لو أنها بقاع عادية، لا ميزة لها ولا شيء يفرقها عن غيرها، وبات من النادر أن يرتبط اسمها بفعل فارق كما كان حالها في ما مضى.
تكاد تتحول إلى «ظلال باهتة»، كما عبّر عنها الناقد قلولي بن ساعد في كتابه الأخير «أسئلة النص وأسئلة الثقافة» (منشورات الوطن اليوم، الجزائر 2020)، ولا وجود لها إلا إذا أسرفنا في البحث في «تجاويف التاريخ»، وفي بطون الكتب العتيقة. لم يعد متاحاً أن نعثر على مرآة لماضي تلك المدن، إلا في الحفر عميقاً، فعلى الواجهة لا شيء يبعث على البهجة، ولنا في حالة رواية «الطاعون» لألبير كامو نموذجاً، فبعدما سطعت تلك الرواية ـ مجدداً ـ تزامناً مع وباء كورونا، وقفزت إلى الأمام، تذكر الناس مدينة وهران، لكن المدينة التي تحدث عنها كامو لا نكاد نجد لها أثراً اليوم، لقد نابت عنها حواضر أخرى، انبثقت من الهامش وتطاولت، إنها «قرى منتفخة»، هذا هو الوصف الذي يلجأ إليه الناقد مقتبساً من الطاهر وطار، في توصيف الجغرافيا الثقافية في الجزائر. ويقصد منها بقاعاً نائية، لم تكن أكثر من مناطق عبور، أو مراكز عسكرية سنوات الوجود الكولونيالي، قبل أن تتطور بالإسمنت والحديد، انتفخت أفقياً غير مبالية ببناء ثقافي، وصارت مع الوقت أكثر اتساعاً وأكثر ضجيجاً، مقارنة بالمدن التاريخية في البلاد، بدون أن يُرافق تطورها العمراني أي مرادف ثقافي.
يقدم قلولي بن ساعد في كتابه الأخير مقاربة سوسيو ـ ثقافية في تحولات المدينة الجزائرية، التي تخلت عن صنعتها الثقافية، وأهملت محوريتها في التأسيس لعلائق حضارية متشابكة بين الناس، وأغرقت في التعالي في البنيان، وتحولت إلى مدن صامتة، تنام قبل أن يحل الليل، لأن لا شيء يشغل بالها، وليست معنية بالتفكير والإبداع. لقد انصرفت المدينة إلى العمران، وتنازلت عن دورها تجاه الإنسان والثقافة وتجاه الاستشراف الحضاري، تخلت عن «أنسنة» مشاريعها، كما ذكر صاحب الكتاب. هذا الحال الذي ترزح تحته غالبية المدن في الجزائر، كان له أثر على نفسية ساكنتها وعلى تكوينهم، وقد زاد التعداد الديمغرافي، بل سجل طفرات استثنائية في العشريتين الأخيرتين، وتوافد البشر على هذه التجمعات الإسمنية، التي تحيا من أجل ضرورياتها البيولوجية، بدون أن يتخلى ساكنوها عن «بدويتهم»، واختفت ما كانت تُراهن عليه البلاد من تعددية ثقافية، حيث بات الخطاب الوحيد المشرع هو خطاب ثقافي أحادي، ينظر إلى الحال نظرة واحدة وضيقة، وانجر عن هذا التسابق في التعالي إهمال فادح للسياسات الثقافية

ذا التصحر الثقافي يعكس، في الواقع، إلى حد كبير النظرة القاصرة للسلطة إزاء الثقافة، فالمؤلف يقدم قراءة متوازنة في تأثيرات هذا الجو العمراني العشوائي على نفسية المثقفين وعلاقتهم بالجهة الحاكمة، ويقول: «ليست الجزائر استثناءً، لها أجندتها ومسلماتها وسياسة عملها، ولا تقبل مطلقاً بأي اختراق لمفاهيم الثقافة التي أنشأتها السلطة، لتسهيل مراقبتها وتوجيه مساراتها، وبالتالي فهي تختار نوعاً خاصاً من المثقفين، وتحديداً تريد في صفوفها مثقفاً تابعاً يضفي المشروعية على الخطاب السياسي الرسمي وممارساته»، ثم يورد توصيفاً لهذا المثقف التابع السلطوي، أن لا يغرق في النخبوية، ولا يعتمد اللغة ذاتها التي يكتب بها، بل يجب أن يرتمي في حضن الجماهير، أن يتوجه إليهم بلغة يفهمونها، كي يسهل عليهم هضم ما تود السلطة قوله.
ويتقاطع المؤلف في هذه النقطة مع ما ذهب إليه المفكر بختي بن عودة (1961-1995)، الذي سبق له أن عرّف المثقف السلطوي بذلك المثقف الذي تمضغه السلطة ثم تجتره، قصد أن يُعيد تدوير كلامها، وإعرابه وإتاحته للناس مستعيناً بالمفردات التي يسهل عليهم فهمها. لا ينفي المؤلف أن السلطة أفلحت في خياطة مثقفين على المقاس، يلتزمون بدفتر شروطها، مستفيدة من «المؤسسات الثقافية الرسمية ومشتقاتها الجمعوية المدنية، انطلاقاً من الدعم المالي والإعلامي القائم على أسس براغماتية تديرها أجهزة إدارية وبيروقراطية»، كما كتب، فهذه المؤسسات تقوم بدور في استقطاب المثقفين وفي تدجينهم في خدمتها، مكرسة حضورها بمديحهم لها أو التغاضي عن غلطاتها في نصوصهم. لقد نجحت في تنشئة مثقفين مُهادنين وفي التأسيس لما أطلق عليه «الطبقية الثقافية» بتعبير عبد الله الغذامي، حيث صار المثقفون طبقات، يصنفون بحسب قربهم من السلطة وولائهم لها، ما أفقد المثقف وظيفته الأساسية وحوله إلى ناطق باسم السلطان، لا ناقدا له.
ضمن مسعاه في خلخلة هذه الطبقية الثقافية، وفي معارضته لمثقفي السلطة، يكرس قلولي بن ساعد فصولاً من «أسئلة النص وأسئلة الثقافة» في عرض ونقد أعمال أدبية من الهامش، يميل إلى مبدعي الظل، إلى المقيمين في مجاهيل الأدب الجزائري، ويُعالج نصوصهم، متجنباً تكريس المكرس، في معارضة ضمنية له لصنائع الحاكم الثقافية. بدون أن يغفل عن الدفاع عن نفسه وعن النقاد عامة، وهم دائماً ما يتهمون بالتراخي، وبعد الالتزام بواجبهم وعدم متابعة ما يصدر إبداعياً، ويضيف: «لم يتردد أبداً النقاد الجزائريون في متابعة النصوص القصصية والروائية الجزائرية والمغاربية على صعيد النقد والتحليل، في أي زمن من أزمنة تحولات الكتابة السردية الجزائرية والمنظومات الثقافية المنبثقة عنها، على عكس ما يُشاع في بعض الفضاءات الثقافية والإعلامية، من أن النقد الأدبي الجزائري متخلف جداً عن الكتابة السردية الروائية على وجه الخصوص». وقد أثبت قلولي بن ساعد عدم جدوى هذه التهمة المطاطية، وقارب في كتابه نصوصاً قصصية وأخرى شعرية ثم روائية، ثم خصص حيزاً مهماً في الدفاع عن نوع كتابي آخر، نادراً ما نلتف إليه وهو: القصة القصيرة جداً. يسير في كتابه إلى خلخلة المركزية الثقافية، يتعامل بحذر مع ما يميل إليه البعض من تراتبية أدبية، يُمارس دوره كناقد نصوصي وناقد ثقافي، ويقدم إشارات أراد منها تفكيك رموز خطاب أدبي متململ في الجزائر .

 

 

 

 

المصدر القدس العربي

اترك تعليقا