مغامرة الكتابة عند تقي الدين بوسكين / د وليد بوعديلة *
بواسطة admin بتاريخ 19 فبراير, 2021 في 06:48 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 224.

مدخل :

 “إن الإنسان عدو ما يجهل ..وما لم يقرأ أيضا “

 في سياق حركية كبيرة لدور النشر الجزائرية، ومع كثرة النصوص و تلاحقها على وعي القارئ، وتعدد الأسماء الأدبية في المشهد الثقافي الجزائري ، يحضر اسم المبدع تقي الدين بوسكين بمجموعة من الأعمال.

 سنقف عند رواية “سوبار فوحا”(دار المثقف للنشر2019) للكاتب الجزائري ابن منطقة سكيكدة، في جهة الساحل الشرقي ، فماذا نقول عن العنوان وعن حكاية الرواية؟ وما مميزاتها؟

في العنوان..

 في البدء نقول بأن العنوان صادم، ويتحدى ذائقة القارئ الجزائري، ولا يفهم معناه القارئ في الدول العربية بالخليج وبلاد الشام ومصر، لأن هذا التعبير جزائري خالص، واختراع لفظي شعبي، يدل على وصف الحذاء البلاستيكي الذي يطلق رائحة كريهة مع كثرة الاستعمال، وتحديدا الحذاء الرياضي الذي يلبسه كثيرا الأطفال من الطبقات الفقيرة التي لا تتمكن من شراء أحذية غالية الثمن.

 وفي الرواية يرتبط طفل متشرد(والو) بهذا الحذاء، ويتعلق بذاكرته في فترات عمرية أخرى، لأنه عايش معه يوميات صعبة(جوع، برد، فقر…)، وتشكلت عنده الرجولة والارتباط بالأرض ومقاومة المحن، وبالنسبة لنا فنحن كنا نتمنى لو اختار الكاتب عنوانا آخر لروايته، كي يستطيع الوصول لعدد كبير من القراء داخليا وخارجيا، بخاصة ودلالات العنوان لا تشكل حضورا كبيرا في المتن الروائي، و كان بإمكان المبدع بوسكين الاشتغال على سميائية العنوان و شعريته و مراوغته وفتحه لأفق الدهشة عند القراء، ومن العناوين التي نجدها مناسبة وننصح بها الكاتب مستقبلا إن كتب أجزاء أخرى(رغم أن هذا ليس من استراتيجيتنا في القراءة عموما وهذا الاقتراح ضد حرية الإبداع والذوق الفني، لكن لأن بوسكين يسير في طريق الفن والأدب والتفوق مستقبلا فعلينا أن نبادر بالتوجيه)نقترح مثلا:نهر الذاكرة، ذاكرة نهر، النهر الآخر، نهر اللعنة، الشلال الصاعد، الليلة القادمة، الخاتم الثائر…او أي عنوان أخر .

مغامرة الكتابة..

 بعيدا عن إشكالية العنوان نقول: الكاتب تقي الدين بوسكين صاحب مقدرة سردية متميزة، تسير نحو عوالم المغامرة، ليقول هويتها الفنية، بطرح وطني واشتغال على العجيب والغريب و الخارق.

 و يصعب تحديد الاتجاه الروائي للرواية، وقد وجدنا النقاد لدارسين لتاريخ الرواية الجزائرية والعربية كتبوا عن الاتجاهات التاريخية، الفلسفية، الاجتماعية، النفسية، الاصلاحية،

البوليسية…ونحن نضع رواية “سوبار فوحا” ضمن أدب الغرابة والرواية العجائبية، رغم صعوبة التحديد، لأنها توظف التاريخ، الدين، السياسة، السحر…لنقل هي أقرب لرواية الواقعية السحرية(هل قرأ بوسكين روايات أمريكا اللاتينية؟؟)

ورواية “سوبار فوحا “تطرح مسألة التنوع الديني الثقافي في المجتمع الواحد، وكيف تتصارع الأهواء والأفكار، كما قد تلتقي وتتحاور، في مشاهد سردية تلعب مع الأزمنة والأمكنة، وتخلخل وعي القارئ لدرجة يجد صعوبة في تتبع الأحداث، و القارئ الجزائري لم يتعود هذا الأدب الغرائبي كثيرا، بخاصة وقد أطلق الروائي على طفل متشرد اسم” والو”؟!، كما استعمل ملامح من الخيال العلمي وأدب الرعب والغرابة، عندما رحل في علامات استعمال الخواتم الخارقة لمنح القوة السوبرمانية لأفراد من المجتمع، قصد تخليص الأرض من الشر ومواجهة الأخطار…بتقنية يموت فيها من يمنح سر وسحر البقاء لغيره(وهذا فيه إشارة لرمزية الفداء والشهادة..الشهيد)

النص والملامح..

 من المآخذ التي صادفنا حضورها عند تذوقنا للنص ومتابعتنا للأحداث وللسرد نذكر :

-كثرة الحذف الزمني لدرجة تتسارع الأحداث دون أن نلقى الاستغراق في الوصف للشخصيات والأمكنة، وهنا تتقلص درجة التشويق لعدم وجود مساحات نفسية وفكرية، عبر المونولوق أو غيره من التقنيات الفنية.

 -إن ربط أحداث روايةٍ من عالم الخوارق والعُجب بتجليات جزائرية لم يخدم سحرية الأحداث، وكان على الروائي وسارده استعمال لحظات وأمكنة ووقائع خيالية ليست ضيقة ومحددة جزائريا، باستعمال التلميح لا التصريح…

 ويبدو من لغة الرواية أن المبدع له القدرة على الاشتغال الفني الرؤيوي البعيد على هذه التقنية، فلا داعي لحضور ألفاظ مثل الحراك، العشرية السوداء، مدن تلمسان و العاصمة….في نص عجائبي مدهش.

-بعض الجمل السردية فيها خطاب راق اكبر من عمر الطفولة(الطفل والو) ، فيها معاني وجودية و كونية فلسفية.

-وجدنا بعض الصفحات تنزع منزعا إعلاميا وتاريخيا ودينيا، بطريقة تقريرية مباشرة، وهذا أحالنا للتكوين السياسي والفكري للكاتب، ونحن نميز بين السارد في الرواية والحياة الشخصية للكاتب .

 وقد نقول (ونحن لا نعرف الكاتب ولم نلتقه شخصيا)بأن تقي الدين عارف بكتابات مالك بن نبي، ومهتم بتاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، ويميل للسياسة مفهوما وممارسة، لذلك يتصارع في نصه البعد الفكري مع البعد الفني، وكلٌ يريد السيطرة على الفضاء النصي.

أخيرا..

هي رواية تتشكل بفضاءات مكانية عجائبية (النهر، الشلال، ..)، وتمارس انقلابها الزمني المتحول ، وتحاول أن تؤسس لملامح التسامح والتعاون والتعايش السلمي في الوطن، ولو بتعدد الأعراق و القناعات، وتفتح- بجرأة- مسألة الحضور اليهودي والمسيحي لبعض الجزائريين، في الماضي والحاضر، مع الاعتراف باختيار اليهود الجزائريين لطريق الاستعمار والرحيل معه زمن بدايات الاستقلال.

 المبدع بوسكين.. واصل مغامرتك ونصك المغاير.

/

 

 

* ناقد وأكاديمي من الجزائر 

اترك تعليقا