لماذا أفضل دستويفسكي على تولستوي …/ حميد عبد القادر *
بواسطة مسارب بتاريخ 25 يناير, 2013 في 10:34 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1955.

 

قرأت دستويفسكي في سن مبكرة. وتطلب ذلك مني جهدا وصبرا كبيرين. تمكنت من المسك بخيط القراءة بعد عدة محاولات باءت بالفشل، فرواية “الجريمة والعقاب” مثلا، تركتها جانبا خلال القراءة …الأولى، بسبب ايغالها في المأساة، وولوجها عمق السريرة البشرية، بيد أن المحاولة الثانية كانت موفقة، وقد أدركت أن الرواية تتماشى مع تفكير الشاب المراهق الذي كنت عليه آنذاك، والذي جعلني أتضامن مع الكاتب ضد بطله “راسكولنيكوف” وقد باع نفسه للشيطان، وفضل المادة على الروح، وعزز أنانيته. وعليه أعتقد أن الحالة النفسية التي يوجد عليها القارئ، هي التي تحدد مدى قدرته على قراءة الروايات النفسية التي أنعتها بالروايات الخطيرة (وعلى رأس هذا النوع من الأدب أضع رواية “الشاب فيرتر” لغوته، والتي لم أخرج منها سالما) فإن كان الإنسان يعاني من حزن او قلق، عليه ان يبتعد عن دستويفسكي، لأنه روائي يزيده غما، ويقرأ روايات خفيفة لا تتطلب مجهودا كبيرا. لذا أقول أن قراءة دستويفسكي تتطلب لحظة صفاء، ومن الأفضل ان تكون مرفقة بموسيقى تنأى عن الحزن على غرار باخ أو شتراوس (شتراوس الرائع صاحب “الفالسات” المليئة حبورا). ولما مسكت بهذا الخيط، سهلت علي القراءة، بدأت برواية “الإخوة كارامازف” في ترجمة عربية أنجزها السفير سامي الدروبي (تمرين قاسي على القراءة. تصل بأجزائها الثلاث حدود اللألف وثمانمائة صفحة. وكنت أقرأ بمعدل مائة صفحة في اليوم. خمسون في الصباح الباكر. وخمسون اخرى ليلا). ثم انتقلت إلى قراءة “مذللون مهانون”، و”الأبله”، و”اللاعب”، وغيرها من الروايات. ولما عثرت على كتاب اندري جيد حول دستويفسكي، تحصلت على عدة مفاتيح لفهم هذا العالم الروائي المعقد، وبالأخص ما يتعلق بإصابة دستويفسكي بمرض الصرع (وهي الخلاصة التي يدحضها فرويد لما كتب سنة 1926 أن دستويفسكي مصاب في الحقيقة بحالة “هيستيريا” فسرها بتعاطفه مع القاتل واعتباره كمخلص)، وتأثير ذلك على كتاباته. وكيف ان الكاتب لم يخرج من نفسه، ولم يصور إلا نفسيته المريضة والكئيبة.
كل هذا جعلني أفضل دستويفسكي على تولستوي. والحق أن سؤال “دستويفسكي أم تولستوي؟”، وأيهما أفضل، نجده قد شغل كثير من الكتاب والمثقفين. حتى أن الناقد جورج ستاينر ألف كتابا وضع له هذا السؤال كعنوان. فأبدى انحيازا إلى كليهما، ولم يتمكن من الميل إلى أحد منهما. فاعتبر تولستوي كـ”الوريث الأهم للتقليد الملحمي”، ودوستويفسكي كـ”واحد من أهم العقول الدرامية منذ شكسبير”.إلا أن الروائي الفرنسي “دومينيك فيرناندي”، عضو الأكاديمية الفرنسية ألف سنة 2010 كتابا حول تولستوي، وفيه فصل كامل عن هذه الإشكالية. ومن خلال الكتاب فضل فيرنانديز تولستوي واعتبره روائيا كاملا، بينما قسى كثيرا على دستويفسكي ووصفه بالروائي الناقص حداثة، وذهب إلى نعته بفاقد الأصاله، “لأنه يكتب وفق تصور التراجيديات اليونانية القديمة”، على خلاف تولستوي المبدع. ولم يفعل فيرنانديز سوى السير على خطي فلاديمير نابوكوف الذي انتصر لتولستوي.
وبعيدا عن فيرنانديز، أعتقد أن ثقل الأخلاق في اعمال تولستوي، هي التي جعلتني أراه أقل قيمه من تولستوي. هذا الأخير لم يجعل من الأدب رديف الفضيلة، بل رمي بالإبداع إلى جانب “الشرط البشري”. اما تولستوي الذي ينتمي إلى طبقة النبلاء، فكان كاتبا أخلاقيا، مثلما تجلى في روايته “آنا كارينين” (مدام بوفاري الروسية) التي وصف فيها انهيار امرأة خائنة. أما دستويفسكي، فكان ينتمي إلى الطبقة الوسطى. حياته كلها كانت ضنك وحاجة. وقد لخصت زوجته الثانية “آنا غريغور ريفنا دوستويفسكايا” (كما ينطق بالروسية) وكتبت في مذكراتها :”اقشعر بدني من حديثه. وأدهشني بصراحته. فهذا الرجل الذي تبدو عليه مظاهر الإنطوائية القاتمة يتحدث عن تفاصيل حياته بصدق وإخلاص مع فتاة غريرة يراها لأول مرة. ولم تتبدد حيرتي من هذا التناقص إلا بعد أن اطلعت على أوضاعه العائلية وأدركت سبب بحثه عن أناس يضع ثقته فيهم ويفضي إليهم بما يعتمل في نفسه. كان يشعر بوحدة قاتلة بعد وفاة زوجته الأولى ماريا عيسايفا وشقيقه الأكبر ميخائيل ويعيش محاصرا من قبل الخصوم والحساد والدائنين”.
إن حياة دستويفسكي حياة روائية بامتياز، هي المأساة بعينها، وهذا ما يعجبني فيه.وما كان يتخيله نيكولاي غوغول، سواء في رواية “المعطف” أو “النفوس الميتة”، عاشه دستويفكسي فعلا. أما تولستوي، فلم يصنع مأساته إلا بعد السبعين لما قرر ترك زوجته وأبناؤه وهام على وجهه بدون وجهة بعد ان فقد الثقة في كل القيم التي كانت من حوله. فلفظ أنفاسه الأخيرة فى حجرة خشبية متواضعة على إحدى محطات القطار.

 

 

 

 

 

————————————————————————————–

* حميد عبد القادر (كاتب واعلامي من الجزائر)

اترك تعليقا