القصيدة المقاتلة.. “عابرون في كلام عابر” لمحمود درويش …/ حكيمة صبايحي *
بواسطة مسارب بتاريخ 2 فبراير, 2013 في 04:04 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 5842.

1 ـ سياق القصيدة :
ثارت إسرائيل ضد هذه القصيدة، كأنها تثور ضد خطر كوني يهدد كيانها، و هكذا الشعر، إنه القوة التي لا تصمد أمام اختراقاتها البهية، أية قوة في العالم، حتى و إن كانت إسرائيل التي تفعل ما تشاء بالأمم و الحضارات أمام كاميرات العالم، و هي على يقين أن أحدا لن يجرؤ على اعتراض مشاريعها التدميرية للأرض و الإنسان في فلسطين العريقة.
يقول محمد بنيس عن سياق قصيدة: عابرون في كلام عابر لمحمود درويش، مايلي: ” أبرزت القصيدة أن الإسرائيلي بحاجة إلى عدو، به يتعرف على نفسه، و به يبرر ما يشاء في فلسطين و في كل مكان. لذلك كانت “هيستيريا القصيدة” تتجاوز حدود القصيدة، من الكنيست إلى أمريكا و أوروبا إلى المحكمة في باريس. هيستيريا ضد أن يكون الفلسطيني واضحا تماما، عندما ينتخب الحجر ليحرك مدار الأسئلة “من الحدود إلى الوجود”، و عندما يصعد بالكتابة إلى أفق قول ما لا يقال. هكذا تكون قصيدة عابرون في كلام عابر” كتابة مع زمن الانتفاضة، و بها يتأكد، ثانية، أن محمود درويش شاعر أدرك، منذ فترة طويلة، أن الشعر توأم الفكر، و أن الشعر يصوغ، في حداثتنا، قضايا الوجود الفردي و الجماعي، من غير تهاون أو تخاذل”.( مقدمة كتاب: عابرون في كلام عابر/ محمود درويش، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1991م).
و يضيف في المقدمة ذاتها عن القصيدة، محمد بنيس:” و كيف تفصل بين شاعر و شعبه أو بين الشعب و شاعره؟ عبثا فعلوا، تشهيرا و تخوينا، لأن صدور محمود درويش عن غير إملاء الجاهز، و قناعته بالمستقبل المغاير الذي بدونه لا تكون دولة فلسطين حرة، يظل وفيا للراسخ فيه، شاعرا قلقا متسائلا، مستقصيا جسورا، يرصد ما يعيد به بناء الذات وسط هدير كلمات لا تسمي زمنها، يتمسك بما يبدد اليأس، يتعلم من القلب أعماقا لا يبلغها البحر، يخرج بالصداقات على عهد الخيانات المريضة، و يصاحب الزمن بالكتابة حتى يكون فيها باحثا عن بذرة التكوين التي لا تشيخ، لأنه هكذا: “سأدافع عن الفروق الصغيرة/ و سأواصل وصف الشجر”. ” ( مقدمة كتاب: عابرون في كلام عابر/ محمود درويش، ص 07).
أما محمود درويش صاحب القصيدة ذاتها، فيقول في الكتاب ذاته، مايلي: “إن كثافة خداع النفس تحتاج إلى زمن طويل ليدرك الناظر إلى صورته أن تلك الصورة لم تكن صورته الحقيقية، بل صورة الحالم في مرآة، صورة الواهم و قد اندمج في وهم تفصله عن الواقع آلاف السنين، صورة الخارج من كهف الخرافة إلى تاريخ لا يعرفه. تلك هي حال الإسرائيلي المحاصر، الآن، بآلاف من الأطفال الفلسطنيين، ولدوا على غفلة منه، ولدوا من دون إذن: من أين جاءوا؟ ألم تكن هذه الأرض أرضا بلا شعب؟ و غيرها من الأسئلة الأولى التي تقتضي إعادة إنتاجها، بمثل هذا التدفق، إعادة نظر في الصورة ليس الإسرائيلي معدا لتحمل صدمتها، من فرط ما توغل في تطوير صناعة الوهم الثقيلة. من كونه ضحية صاغت هويتها الإنسانية العالمية من هذا الشرط… إلى الانخراط في دور نقيض و في هوية مضادة، يدرك الإسرائيلي أنه لا يخوض صراعا على صورة الأرض في الحق الإلهي و في الحق الواقعي معا، بل يخوض صراعا مع صورته الحقيقية في الصورة المتخيلة التي أنتجها بأداة لم يعد يحتكرها، و في شرط لم يعد قادرا على تحديد هويته السابقة، و لا قادرا على تبرير كل ما يفعل.” ( كتاب عابرون في كلام عابر: محمود درويش، ص 25 ـ 26).
2 ـ القصيدة المقاتلة:
يقول محمود درويش عن غضب الإسرائيليين من هذه القصيدة: “أعلن الإسرائيليون الرسميون الحرب على هذه القصيدة التي لم تكتب بعد، و على القصيدة التي كتبت، لقد حفروا فيها بحرا ليشيروا إلى أنه مقبرة اليهود. فهل بلغ الاستشراق المخابراتي الإسرائيلي هذا المستوى العالي من الجهل: ليتهمني بأني أدعو إلى رمي اليهود في البحر، عندما أطالبهم بالجلاء عن أرضنا المحتلة؟ كما يطالب اليهود يهودهم بهذا الجلاء أم أنهم في حاجة ملحة إلى هذه الفرية لإعادة إنتاج المقومات المنهارة لبداية تحتاج إلى تجديد بدايتها كلما اقتربت من نهاية؟.” ( عابرون في كلام عابر، ص 45).
و يضيف في المقالة ذاتها من الكتاب ذاته، عن القصيدة ذاتها، محمود درويش:”هل هذه الحملة موجهة إلى القصيدة حقا؟ لا أعتقد ذلك، بل هي جزء من الحملة الرسمية على وعي السلام الجدي، الذي لا يعبر عنه عدد كبير من المثقفين الإسرائيليين و اليهود الداعين إلى الاعتراف بدولة فلسطينية، إلى جانب الدولة الإسرائيلية، فور الانسحاب من المناطق المحتلة. و إلا، فما معنى قول ” يديعوت أحرونوت” إنني وجهت ضربة قاتلة إلى اليسار الإسرائيلي الذي يدعو إلى ضرورة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية؟
ما هي الضربة؟ و ما هي القصيدة؟ هل تخلصوا من حمى الأسئلة، و من انشقاق الوعي، و من حرب الحجر، ليشغلوا الرأي العام بقصيدة؟. و هل هم يخافون القصيدة حقا؟ لا أظن. و لكنهم امتلأوا حتى التخمة بقصائد المهاجرين الأوائل عن تجفيف المستنقعات في الخضيرة. و عن العودة إلى فردوس تمخض عن جحيم حروب لا نهاية لها، بطائرات تبعد الصراع عن أرض الصراع، إلى أن اندلعت حرب الجوهر في الداخل، فلم يعد في وسع آلة التفوق العسكري أن تعمل، و أصيبت الرؤوس النووية بالشلل، لأن حسم المعركة بما يملكه الإسرائيليون من قوة لا يعني إلا الانتحار”. ( عابرون في كلام عابر/ محمود درويش، ص 46).
3 ـ نص القصيدة: “عابرون في كلام عابر”
- 1 -
” أيها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم، وانصرفوا
و اسحبوا ساعاتكم من وقتنا، و انصرفوا
و اسرقوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
وخذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء…
   – 2 -
أيها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف ـ و منا دمنا
منكم الفولاذ و النار ـ و منا لحمنا
منكم دبابة أخرى ـ و منا حجر
منكم قنبلة الغاز ـ و منا المطر
و علينا ما عليكم من سماء و هواء
فخذوا حصتكم من دمنا.. و انصرفوا
و ادخلوا حفل عشاء راقص.. و انصرفوا
و علينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء..
و علينا، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء !

  – 3 -
أيها المارون بين الكلمات العابرة
كالغبار المر، مروا أينما شئتم و لكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
فلنا في أرضنا ما نعمل
و لنا قمح نربيه و نسقيه ندى أجسادنا
ولنا ما ليس يرضيكم هنا :
حجر… أو حجل
فخذوا الماضي، إذا شئتم، إلى سوق التحف
و أعيدواالهيكل العظمي للهدهد، إذا شئتم،
على صحن خزف.
فلنا ما ليس يرضيكم: لنا المستقبل
و لنا في أرضنا ما نعمل
  – 4 -
أيهاالمارون بين الكلمات العابرة
كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة، و انصرفوا
و أعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس
أو إلى توقيت موسيقى المسدس !
فلنا ما ليس يرضيكم هنا، فانصرفوا
و لنا ما ليس فيكم: وطن ينزف شعب ينزف
وطنا يصلح للنسيان أو للذاكرة ..
أيها المارون بين الكلمات العابرة
آن أن تنصرفوا
و تقيموا أينما شئتم، و لكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا
ولتموتوا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا
فلنا في أرضنا ما نعمل
ولنا الماضي هنا
و لنا صوت الحياة الأول
ولنا الحاضر، والحاضر، و المستقبل
و لنا الدنيا هنا و الآخرة
فاخرجوا من أرضنا
من برنا …..من بحرنا
من قمحنا..من ملحنا…من جرحنا
من كل شيء، و اخرجوا
من ذكريات الذاكرة
أيها المارون بين الكلمات العابرة !…”

——————-

 

4 ـ شعرية القصيدة :
أ ـ المطلوب طريقة واضحة لتحليل النص الشعري: يطالبني طلبتي بمنهج للمقاربة الشعرية، فأقترح المقاربة البنيوية، لأنها تعنى بالمعطى البنيوي و هو مجلى الشعر و الشعرية، و أؤكد بإصرار، أن لا آليات محددة بدقة غير قابلة للتحول، في مقاربة نص عصي عن التحديد، فهو أي النص الشعري، على وجه الخصوص، و النص الأدبي، على وجه العموم، قائم أساسا على شرط و مشرط الحرية، و هذا ما يمنحه ألقه الجمالي و أبعاده الفنية. فأقترح، ما أسميه: المقاربة الشعرية للنص الأدبي، أيا كان نوعه: سردا أو شعرا، معتمدة على أهم مبادئ البنيوية: البنية ـ النظام ـ النسق ـ البؤرة ـ العدول/ الانزياح/ الفجوة الفارقة ـ مسافة التوتر الفنية و دلالاتها. و للنوع الأدبي عناصره البنائية المميزة له عن بقية الأنواع، فمكونات النص الشعري البنائية: الإيقاع/ الوزن و القافية/ الانتظام النسقي/ التكرار، و البلاغة/ الخيال/ المجاز، و النحو/ التركيب و مختلف الأساليب، و ما يتشكل من تشاكل تلك المكونات من أبعاد دلالية يستقطبها بعد ما ليخلق الدلالات المفارقة، مما يشحنها بطاقة الشعرية بنيويا و دلاليا. أما مكونات النص السرد فمختلفة ـ و إن اشتركت جميع الأنواع في خصيصة العلائقية لتنتج الأثر الجمالي الخاص بها بدلالاته المختلفة، من خلال ما تمنح من ذاتها في بعدها اللغوي أو الفلسفي أو الفكري أو… و ما تأخذه من العناصر الأخرى التي تمنح من ذواتها أيضا، في علاقة عصية عن التحديد، لأن لا معنى لها إذا أخذت اقتطعت مفردة، أو حتى في علاقة ثنائية، فمعناه لا يتجلى إلا في علائقيتها المعقدة و المتعددة و مع الجميع و في آن، لذلك فهي ـ أي العناصر المكونة لبنية النص الأدبي ـ عندما تعزل عن بعضها البعض، فإنها تعود إلى ذاتها في بعدها المعلوم المرتبط بمجال اشتغالها اللغوي، أو سواه ـ تركز على سعة النثر في أبعاده البنيوية: السرد، و الأحداث، و الشخصيات، و الفضاء: مكانا و زمانا و إيديولوجيات، و أسماء أخرى، قد تنبثق من المتن السردي و قد تأتي من حدود النص. فإذا علقنا عنصرا من هذه المكونات البنيوية الأساسية لتستوي القصة/ الرواية على حكاية ما، فقد العنصر ما تمنحه بقية العناصر من معان و ظلال، و لن يستعيدها إلا في علائقيته، و دونها سيظل معزولا عن الدلالة و الجمال. إنها بمصطلح باختين: الحوارية، في كل أبعادها، فكيف و أين نجدها؟ هل لها مجلى آخر غير النص؟ هل النظرية الأدبية مثلا، يمكن أن تحيل عليها و تستوعبها، و تضبط آلياتها المنهجية الإجرائية الصالحة لكل النصوص؟. و الأسئلة إشارات استنكار.
فهل، بعد هذا، يمكن الحديث عن وصفة سحرية، تصلح لكل النصوص؟ هل يوجد منهج يمكنه بآلياته الإجرائية أن يقترب من كل النصوص، دون أن يؤذي جمالياتها و دلالياتها؟. أتعجب كيف يطالبني الطلبة بقيد يصلح للقبض على معنى كل النصوص، و النص ذاته منفلت من كل القيود، و لا يتحملها، و لذلك فهو متحرر و محرر بطبيعته، و متى فرضت عليه المفاهيم و النظرات و النظريات، فقد أهم خصيصة تميزه عن سواه: الاختلاف، و التجاوز، و التخطي، و كل ذلك يتحقق برؤيا جديدة، لا تكون جديدة إلا إذا أخذت ذاتها إلى أبعد من الأخرين، أو أعمق، أو إلى مكان ، أو زمان لم يصله أحد سواها، و لا نص دون هذه الرؤيا التي يتمركز حولها و بها المعنى في مبناه، و دونها فالنص: لعبة لغوية صاخبة الخواء و القرف، تخص لعبة خشبية، لا الإنسان/ هذا الصرح الطبيعي العظيم عندما يعتلي قمم الشعر البهية، و يصير صرحا جهنمي التدمير عندما يعتلي قلبه عروش الجهل و مجاعة الجشع و فحش الأناني التي تعمي صاحبها فيحسب نفسه مختار الأرض، و على أهلها أن يسخر أعمارهم ليخدموه و ما أدراك؟.
هل يطلب مني طلبتي عولمة الفقراء، عندما يطلبون مني ـ و كأني إذا لم أقدمه، فأنا عاجزة عن التعليم، و أفتقر إلى آليات ذكية أمارس بها حرفتي: التعليم في الجامعة، من خلال تخصصي: تحليل النص و الخطاب الأدبي جماليا و أدبيا ـ أن أقدم طريقة يمكن تطبيقها على كل النصوص، لا تتعبهم، و يمكن نقلها على قصاصات صغيرة، يستظهرونها دون أن يلحظ ذلك أحد ساعة الامتحان و ينجحون، و لا يهم طلبتي، ما أنفقه من جهد لأشرح النصوص على ضوء أعماقي، فالنص الشعري على وجه الخصوص، يتطلب كفاءة إنسانية مع النص، هي التي تؤهله لإنجاز حوارية راقية على مقام جماليات النص، و عليه فكل نص يتطلب محاورا كفءا، ليس على مستوى مكوناته البنائية و معانيها الذاتية فحسب، و لكن على مستوى ما ينخلق فيها و بها، من جراء علائقيتها من أبعاد، لا يستوعبها البعد العادي و الذاتي و الفردي، و لكن البنية في كليتها و في علائقيتها، تستوعبها و تحتضنها و تفسرها و تمنحها مسوغاتها الجمالية و الدلالية. الكثير منهم يعتقد أني أحكي حياتي، عندما أحيلهم على إشارات النص و إحالاتها، و كيف يمكن أن تصادفنا في الواقع، في شكول مختلفة، و لكنها هي فينا أو حولنا أو في عالمنا و تخص الآخرين و قد تخصنا ذات يوم و نحن معنيين بها، و إن لم تخصنا بطريقة مباشرة، مادامت تخص الآخرين، و هذا هو الشعر، لا يخلق عوالمه من الخيال المطلق، ذلك الشبيه بالفراغ المطلق، و كله في هذه الحالة وحشة، و لكن الإنسان يخلقه شبيها به، حتى عندما يختلف عنه، بما يخلقه من فجوة فارقة تنطلق منه لتصل إلى نقيضه أو إلى أي بعد آخر سواه، و كل ما يرتبط بالإنسان و يشبهه في طبيعته المتحولة، لا يجوز أن نحبسه في شكل أو طريقة، و إلا فسد المعنى و لم تعد بالتالي قراءته إلا ضربا من الدجل الكريه و الذميم لبذرة البلادة و الغباء الأصيلتين فيه.
يقابل عولمة الفقراء، عولمة البهاء. فلا وقت للفقراء أن يفكروا و يتأملوا و يكابدوا، فهم في كفاح مأساوي ضد الجوع و البرد و الذل، الذي لا يترصد إلا الفقراء، لغير سبب إلا لأنهم فقراء، فيحسب الذين يملكون الأموال، أنهم يملكون حقا كونيا في التصرف فيهم، أو في معاملتهم معاملة البشر من درجة دنيا، و يعتقد الفقراء، من قهرهم، أن من يملك المال يملك قوة صناعة قدر الجميع، و في هذه الدوائر المخصصة للفحش و الدجل تتكاثر الحروب، و تتناسل السجون و القيود، و يصير الفكر كفرا، و يصير التفكير شذوذا و انحرافا، و أما التجديد و الإبداع فهو لا يكون إلا تمثلا و استعارة لأشكال و تقنيات، خالية من روحها، لتجنب الخسارة و الإخفاق. إنه الاحتيال حيث لا يجوز إلا العمل و الاجتهاد، و حيث الاحتيال هو وجه العمل الوحيد، لا يأتي إلا الإخفاق و الخسارة. أما عولمة البهاء، فتلك التي يعي أصحابها مهما كانت مراتبهم الاجتماعية ـ و يستوي في هذا الفقراء و الأغنياء، و العائلات العريقة و العائلات الجديدة التي استأصل جذورها مثلا: زلزال أو حرب، حولت الآلاف المؤلفة من البشر إلى أيتام و لقطاء ـ أنهم أحرار كالهواء و الشمس و الأضواء، و لن يرضوا بأي مرتبة أو مقام مادي، أن يسلبهم أحد أو اسم ما حريتهم، التي وحدها محضن بهائهم الإنساني و الكوني، المنبثق من أيامهم و ما يصنعون بها انطلاقا منها و منهم، كيفما كانت الأيام، فالأيام الصعبة لا تقتل الحرية الإنسانية و الكرامة و الطموح و الشموخ و الصدق و النبل و كل قيم الجمال، بقدر ما تزكيها و ترسخها، و تؤكدها، و ترسخها، أما إذا نسفتها، فإن ثمة خلل في من ادعاها و هو ليس إلا ـ في هذه الحالة ـ مدع ـ دجال. أهل عولمة البهاء، يذهبون إلى النص كما إلى الحياة و هو في كامل وعيه و حضوره، ليصغي و يرى و يتأمل و يتساءل و يتحاور، و هو لا يغيب أبدا في كل خطوة، و في كل لحظة، و تلك هي لمسة الذات الخاصة التي تمنح الأشياء و الأسماء خصوصيتها و أبعادها الدلالية. و هم لا يرضون الغياب حالة حضورهم الوحيدة، في مسرح أيامهم، أيا كان مكان تواجدهم، في العلم و العمل، و هذا ما يجعلهم متأهببين على الدوام لشيء ما، و لا يصدمون مهما كانت قوة الصدمات و بشاعتها، لأنهم يؤمنون أن الحياة تفاجئ أو تصدم، و المجهول فيها هو الذي يمنحها سحر أيامها، بما يخلق في الإنسان طاقة و حاجة للبحث و للكشف، لا ينتهي إلى يقين، و لا يستقر على شكل أو اسم أو تقنية أو طريقة، و عندما يتهيأ الإنسان على هذا الانفتاح الكوني، و لا يخنق حياته و الأخرين، في دوائر النهاية المغلقة، و الأشكال الثابتة، و المفاهيم المطلقة، فإنه بقدر ما يمارس حياته حرا ـ لا موته مقيدا إلى شيء ما، يجعله بمرتبة الآلة تكرر المعطيات بلا تدبر و بلا تفكير ـ فإنه يحرر الأفكار و الآخرين، و تلك فعاليته الأساسية التي تسمه بالبهاء الأبدي بلا تردد.
طبعا الأكثرية تؤثر راحة الموت، على كفاح الحياة و الأيام، فهذا طالب يريد وصفة جاهزة تقيه عناء التفكير ـ و حينها لا أعلم ماذا يتبقى فيه من اسمه: طالب جامعي؟ ـ و هذا أستاذ يبحث عن كتاب يقول له ماذا يقول، يجنبه عناء المواجهة و المجادلة و المساءلة و التفكير، و كل ما يمكن أن ينجر عن ذلك من عواقب و شبهات، فهو لم يقل لكن الكتاب قال ـ و هذا إطار دولة في مصاف الأوائل يبحث عن جارية متعلمة لا تجادله و لا تطلب منه شيئا، و إلا استبدلها بأمية لا تعرف شرق جسدها من غربه، و ستصدقه لو قال لها : أنا ربك الأعلى و ما أدراك؟ و امرأة مثلها لرجل مثله لعبة آدمية تكفيه شر الحوار و ما أدراك؟ ـ و لا أدري أي إطار يبقى فيه بعد ذلك ـ و لأجل ذلك أجدني متعبة جدا، ليس لأن طلبتي يطالبونني بالمستحيل: أن أفتح لهم جسر تواصل مع قلبي ليقرأوا به النصوص الأدبية، و لكن لشعور عميق أني تافهة إلى أبعد حدود التفاهة، لأنه يفترض بي في مناخ لا يعرف كيف يتهجى اسمه، أن أصمت و ألا أفتح أضواء الشعر على آفاق المحبة ـ و الشعر هو فعل المحبة الخالص للعارفين بالأسرار ـ فمن سيهمه الأمر؟، و لكني عاجزة على ممارسة هذا الدجل، الذي سيقضي علي لو انخرطت فيه. و لأجل ذلك أجدني أشرع نوافذ القلب، لأقرأ الشعر، قد يفلح بعض الضوء في إذابة بعض البلادة، و لا تهمني كل الأقاويل، التي ستحاول ردي إلى بلادتها، لتستر عوراتها بصمتي. لست في الدنيا لأفضح عورات الناس، لا أكرهني إلى هذا الحد الفاحش من الابتذال، لأصنع بحياتي قمامة قذرة لصناعة الحقد المركز و البشاعة المحيقة، هذا هو الانتحار الفج الذي لا يغوي غير البؤساء، لفقرهم المدقع من نعمة الحب و الوفاء، و تداعيات العطاء بأجمل ما يكون الجود و السخاء من الكرماء، و إذا كنت أكشف الأشياء و هي تتستر بالأسماء، فكي أدفع بها إلى منطقة الضوء، حيث بعض الدفء و بعض الضوء و الكثير من الكثير من الحياء، بلا انتهاء.
ب ـ الدلالة العامة للقصيدة :
القصيدة عبارة عن دعوة للجلاء من الأرض المحتلة، و عبارة العنوان المنتشرة في ثنايا النص/ القصيدة تشدد الدلالة على أن الاحتلال عابر لو ظل في الأراضي المحتلة قرونا، و التاريخ يشهد بأمثلة حية في تاريخ الاحتلال الأسود، أنه انجلى بعد أكثر من قرن، كان يعتقد أن ما مارسه كاف لمحو ذاكرة الشعوب و استئصال ذاكرة أرضهم، و كذب الاحتلال و انتصرت الشعوب بذاكرتها و ذاكرة أرضها. و في تاريخ الجزائر مثال شديد الوضوح على هذه الدعوة.
 ـ بلاغة القصيدة :
قبل الحديث عن الصور البيانية حتى في الكلام المباشر، في عبارات هذه القصيدة، أريد أن أشير إلى الصورة الكلية التي أتقنت رسمها، مما جعل الإسرائيلي، يصدم من صورته الوحشية كمحتل، و هل هناك صورة أخرى جميلة للمحتل، و هل حدث في تاريخ البشر أن كان الاحتلال جميلا، و من جماله كتب الذين وقع عليهم الاحتلال قصائد تمجيد الاحتلال؟.
الصور البيانية المفردة:
ـ أيها المارون بين الكلمات العابرة
ـ احملوا أسماءكم و انصرفوا
ـ و اسحبوا ساعاتكم من وقتنا و انصرفوا
ـ و اسرقوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
ـ و خذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا/ أنكم لن تعرفوا
ـ خذوا حصتكم من دمنا و انصرفوا
ـ و علينا نحن أن نحرس ورد الشهداء
ـ كالغبار المر، مروا أينما شئتم/ لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
ـ لنا قمح نربيه و نسقيه ندى أجسادنا
ـ كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة، و انصرفوا
ـ فاخرجوا من أرضنا/ من برنا.. من بحرنا/ من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا / من كل شيء، و أخرجوا/ من ذكريات الذاكرة/ أيها المارون بين الكلمات العابرة.
من القصائد القليلة التي يتعذر على القارئ أن يقبض على صورة، ليست هي الواقع و الخيال في آن، فعندما نفقد الحق في الوطن، يتساوى الواقع بالخيال، و تصير الأرض و ما يحيل إليها واحد، و المجاز و الحقيقة واحد، و اسمها: الوطن.


 ـ أبدية القصيدة : حفريات الشعر في وطن الذاكرة، حيث الأبد هو زمن الإنسان الرحيم. و حيث المعنى الموارب هو حقيقة الحق المطلقة، التي لا يشوبها زور أو تحريف، فعندما ينتهي الوقت الذميم الذي يجد فيه المرء ذاته مستلبا و مستعبدا و مستبعدا و مطلوبا أبديا للتصفية الجسدية و الوجودية، يطلع النص بوقته الإنساني، الذي يستعيد فيه المغصوب و المستلب و المستعبد حقوقه جميعا، و عليها بهاء الشعر، الذي يرفع الألم و العذاب، في مقاومة الوحشية التي يمثلها الاحتلال أفضل تمثيل، إلى مصاف البطولة الخالصة، و هكذا فالمجد أبديا هو قدر الشهداء و الخلود، و لا يمسهم مس و لا يصلهم ـ و لا يجرؤ أن يحاول الاقتراب ـ منهم نقص، إنها حرمة الدم، و هي تعانق آفاق الأبدية، حيث الإخلاص الخالص، و الخلاص في أبدية البهاء/ أبدية الحق.

 

 

 

 

 

————————————————————————–

* حكيمة صبايحي ( كاتبة وأستاذة جامعية -جامعة بجاية – الجزائر )

 

اترك تعليقا