معلقة العفاريت …/ محمد تاج الدين الطيـبـي*
بواسطة مسارب بتاريخ 8 فبراير, 2013 في 10:35 مساء | مصنفة في متعة النص | 3 تعليقات عدد المشاهدات : 4793.

هذه القصيدةُ محاولة للتطهر من رهق الحداثة، ونزق المادية، ونزف المدنية وزيفها، هي رحلة خيالية إلى مضارب نجد، حيث كانت مسارح آرامها، وخدور غيدها، وملاعب جنها، عسى أن يجد فيها القـارئ الكريم صورةً عن (وطن الهوى الأول) بالجزيرة العربية (حجازاً وتهامةً ونجدا)، وسيجد ثلةٌ من القراء غريبا من الألفاظ والتسميات والرموز أحاول أن أشرح قسطا منها، والقصيدة جديدة قديمة، قديمة بأفكارها المستوحاة من تراث البادية العربية العريقة الضاربة بجذورها إلى ما قبل (عدنان) و(قحطان)، وهي جديدة بانتظامها على هذا الشكل من الكتابة، وللإيغال في تلك الرحلة تعمدت السفر بالقارئ إلى (بني الشيصبان) قبيلةِ الجن التي ورد ذكرها في السيرة النبوية وتراث العرب، وإلى أسطورة (وادي عبقر) الذي اشتق منه العرب وصف العبقرية، وإلى أسواق العرب (عكاظ، وذي المجاز، والمربد، ومجنة)، وإلى مرابع العرب ودِمنها بـ(الدهناء والخيف والمقراة ورامة)، وللقارئ أن يُحَسّن حاسة الشم لديه بذكر أشجار ونبات (الأراك والعرار والصندل والبشام والثمام والشيح والقيصوم)، كما له أن يسْتدْفأ باللهب الخالد الذي يستوقده من ذلك الحطب الجزل (القتاد والغضَى)، فهو مما يدرأ به قَـرَّ أيام الشتاء العربية (أيام العجوز) وما يتخللها من يومي(الصنَّبْر والصن) في انتظار شهر الحر والظمأ (ناجر)، وبينهما متعة (الوسمي) أولُ غيث الربيع وارتياده مراتعَ (المها)، ولا ينتشله من تلك النشوة إلا ادِّكارُه أشباحَ (السعالي والغيلان) وتلوناتها بليل نجد الألْيَل، وليس له بعد استنكافه هوانَ سلفه العربي أمام (العفاريت) إلا التعوذ بشهب الوحي ورجوم السماء، وإمعانا في التطهر اقتبست من نور التنزيل الحكيم أفانينَ وكلماتٍ كان لها الفضل في ترسيخ مركزية الجزيرة وقداستها.
————————-
أسائلُ نفسي: من تُرى نَبَّـهَ الغُـصْنَا *** وما من ريـاح..أو جنـاحٍ به اسْتَـأْنـَـــى؟
أبي سكْرَةٌ أم بي كرى يسْتـَخِـفُّنـي؟ *** وأنَّى لنـفسي أن أسـيءَ بها الظَّـنـَّـا؟
بلى أنا صاحٍ..ما لعـينـيَّ نـشـوةٌ *** سوى ما أداري من قوافٍ.. ومـن معنـــــى
أوتـْنـي إلى إحدى الخمائل ليـلـــةٌ *** وإن لأشـواقـي على دوحـهـــا دَيْـنـــــــا
تعهدتـها منذ الصبا بصـبـابتــــي ***** فما إن يعي الراؤون أكبـرَنـا سـنـــــــــــا
وما زلت أرعاها بسُقـيا من الشجَـى *** فأثمرت (السلوى)..وأضمـرت (الـمَـنَّا)
لها ما تَـشَظَّـى من نزيفي..ولوعتـي *** وحـظُّ قصيــدي أن تـئــنَّ كمـا أنّــــــــا
أحنُّ متى التـاعَ الضحَى من حُنّـوِّها *** وفي اللـيلـة القـمْراء موعدنا أحـنَـى
وحيداً..وللأفـنان أسـبِلُ عَبْـرتي *** ولي مـن نحـيـبـي ما أكابده ضمـنـــــــــــا
فما شـأنـها في هذه الليـلة ارتَدَتُ *** حفـيـفا خياليـا فلم تُـؤتِـنـي أمـنـــــــا؟
وفي خَـلَدي للجـن أيُّ طرائـفٍ *** بها في تـباشـيـر الطـفـولـة آمَـنَّـــــــــــــــا
روتـْها لنا الجدَّاتُ في موعد الكرى *** وكنـتُ وصحبـي لا نقـرُّ بـهــا عيـنـــــــا
رويـن بـأن الجـنَّ كم لعقـت دماً *** وكنَّ إذا استوحشْنَ يـهديـنـهـا البُـنَّــــــــا
نخافُ.. وللأشـباح مرمى خيـالنا *** على ذمة الراوي بـما اغْتـابَ.. أو أثـنـى
ومن أين لي جبنُ الطفـولة؟..ها أنا *** أرحِّـبُ بالأشـباح في دوحـتي الغَـنَّـا
وآوي إلى تعـويـذةٍ من تلاوتــــ،ي *** ويـا لتـعـاويذي التـي بـــــــوركتْ مَـتـْنــا
فليس هبوبا ما اعترى الغصن إنـما *** عفـاريتُ قد مالت على متْـنِـه وسْـنَـى
غريب مداها..كان في القَـفْر شَدْوُها *** فما بـالها بـات الـنـشـازُ لهـا وزنـا؟
لها من نواميـس السكون وجيـبُها *** يثيـر الأثيـر الرحْب والشفـق الـمُضْنَـى
لئن سكنـت مثـلي الـمدائنَ..إنها *** نوتْ غربـةَ الـمنْفَى..وتهويـمةَ السُّكْنـى
أَأَغـفُـو ولي منها عَـزيفٌ يـؤزُّني *** ينـازعنـي الـموَّالَ والـوجــــــد واللحْـنــــــا؟
وما الجـنُّ إلا أن نـجداً رقـيمُـها  *** وفي البـيـد أحـقـاف الرمـال لها مـغنـــى؟
لها بـين أجيـاد الـزوابـع موئـلٌ  *** وإن ظـمـئـت تغـدو السـوافي لها مُـزْنـــــــا
وهل كانت الأجـداث إلا مقـيلَها *** متى الـمارد الأعتـى توسـدها استـغـنـى؟
يرى في وِجَـار الضَّبـْعِ أوثـقَ قلعـــة *** فـإن صـارع الأنـدادَ لاذ بـه حـصـنــــــــا؟
ويألف جُحر الضَّـب إن وقَبَ الدُّجى *** ويرتـاده مـأوىً إذا ارتـقـب الـدُّجْـنـــــــــا
وفي الدِّمَـن الوعـساء ملعبُهُ..كما *** بـ(رامةَ) و(الـمقراة) و(الخَيفِ) و(الدَّهْـنَا )
ولو شاء لاستـلـقى بقصرٍ مُمَـرَّدٍ *** وكانت له الأجـواء في لـمـحـة تُـبـنـــــــى
أليسوا بنـاة الـمستحيل.. وسامهم *** (سليمانُ) هاتيـك الصـروحَ.. أو السجْـنَا؟
(بنو الشـيـصـبان) النابتـون (بعبقرٍ)  *** إليهم بنـو الإنـسان قد نـسـبوا الفـنـا
وما تظـلمُ العفريـت حين تـخالـهُ *** يرى الـهَوْجَلَ الـمكنـوسَ من غيه (عَدْنـا)
هي الجـن..كانت للتـراث قضيَّـةً *** وهـاهي عن أوراقـنا تـشـتكي البَـيْـنَــــــا
فـأين شياطيـن القـريض تـنكَّبتْ *** (عكاظا).. وجازت (ذا الـمجاز) فما تُعْـنَى
تحاشتْ رحابَ (المربد) الثَّـرِّ واتَّقتْ *** (مِـجَـنَّةَ) .. لا أبيـات من سوقـها تُجْـنَى
وكم كنت في ريـعان قافيـة الصبــا *** تـحملـنـي وهـمــــاً.. وأحـملـه وهـنـــــــا
يقال: لها النوح التلـيد الذي انتـشى *** به العرب الأسـلاف فاعتـنـقوا الحُـزنـا
وألقت بـها نـحو السماء معـــــــارجٌ *** كأن أديــــمَ الأرض لم يَكـفـهـا حُـضـنــــا
أناخَـتْ بها تغْـشى مقاعدَ أدْمَـنتْ *** عليها استـراقَ السمعَ كي تدريَ الشـأنـا
وتلقي إلى العَـرَّافِ غيـباً مُزَخْرفـاً *** فيـمسي له الإنسانُ مهما سـمـا رهـنـا
ولم يزل العـرافُ للجـن خاسـئـا *** وإن وصـفـت دعـواه أن له الـحُـسنـــــــــــى
وكنت ترى شـيخ القبـيلة خانـعا *** لكاهنـها يلـقـــــاه ما عـاش مُـمْـتَــنَّــــــــا
فوا أسـفَا.. لم تـدر أي قبـيـلـــة *** بـأي خَـبـالٍ كان سـيدهـــا يُـمْـنَـــــــــــى؟
ويا عجـبا للجـن كيـف احتـلالهُـا *** عقولَ الورى من أعْصُـرِ الضيـم يُستَـثْـنَى؟
ويا لهوى الأعراب.. إن لبسوا السرى *** وإن أيقـظـوا بيـداءها أطربـوا الـجـنَّـا
يضوع (العَرَار) الغَضُّ إن أوقدوا (الغَضَى) *** ويـنـتـعل الـحادي (القَـتـَاد) إذا غنَّـى
ويـأرَن من ذاك الحُـداء فصـيلُه *** ويَنـسـابُ..لا يشكو الكــــــلال ولا.. الأيـنــــا
ويوعـدُ (أيــــامَ العجوز) بـ(نــــاجرٍ) *** فيـوعـــــده (الـصِّـنَّـبْـرُ) أن له (صِـنَّـــــــا)
ومن أرج (القيصوم) لـ(الأثْلِ) غَيرةٌ *** و(للـشـيح) عرفـانُ (الـثمام)..وإن ضـنَّـا
وكيف (أراكُ) الجِزْعِ؟..كيف (بَشَامُه)؟ *** وريّـاه أزكى من (تُـماضـرَ) أو (لـبـنـى)
كأنَّك بـ(الوسْمِيِّ) تَنْشُـقُه (الـمَهَا) *** ولـ(الصـندل) التَّـسكابُ إن وبْلُهُ ثَـنَّـى
فما أعذبَ الصحراء إن فجرها انتـشى *** وما أوحـش الصـحـراء إن ليـلُـها جَـنَّـا
يضلُّ بها الـخِرّيـتُ.. لولا اعتـياده *** ركوبَ النـوى ما كـان يرتـكب الظَّـعْـنــــــــا
وما السيرُ آحادا يُحَـبَّذُ في السـرى *** لدى ساكـنـي نـجد..ولا سيـرهم مَـثْـنَى
ومن يَسْرِ في تلك الـمَهَامِـهِ مفردا *** تـرعْـهُ الـمـرائـــــــــي كلَّـما بـازلٌ حـنَّــــا
تراقصه شتـى (السعـالي) وينـتحي *** إليه من (الغـيـلان) ما يكـسـرُ الـسـِّنـا
يرى لثعابـيـن الكثـيب مـخالبا *** تـنـاوشـه لا يسـتـبـيــــــــنُ لهـا ضِـغْـنَـــــــــا
وللحية الرقطاء رجليــــن من ثـرى *** تـراوده كـيـمــا يـكــــــون لـهـا خِـدنــــــــا
وللحنظل الـمقرور ساقيْ نعـامة  *** وناصيـةَ اليـربـــــوع في أنفـه الأقـنــــــى
ويشهد عرس الجن يرتـدُّ مأتـماً *** فيحـتـار: يرتـادُ الزفـاف..أم الدفـنـا؟
وتلطمه جنـيـةٌ قـد تـرمَّلتْ *** كـعـابـا فكانت قـاب قرنيـن.. أو أدنـى
تـهاميـةً ظُرفاَ..ونـجديـةً صـبَا *** وريـانـةً ردفــاً..وعــاطــرةً ردنــا
قد اتخذت مشطاً من السدر وانثـنت *** ترومُ لُـعـابَ الأفـعـــوان لـها دهـنـا
إذا أدبرت أغوت جدائلُها الثـرى *** وإن أقبلـت تبـدي النـجـوم لـها ذقـنـا
وتنـشـده أرجـوزةً فـازَ جدُّها *** بـها من جَدَا (قـحـطانَ) يـومَ لـه عَـنَّـا
عليه بـها أثْـنَى ليـأمـنَ نفـثَـهُ *** ولم يُـبـد فيـها ما يُـكِـنُّ.. وإن كـنَّـى
وتبدو له الشـمطاءَ حيناً.. وإن تـشأْ *** فـسرعـان ما يـغـدو القِـوام لـها لَدْنـَا
تغـني: (ألا هُـبِّي) فيـبتهلُ الفـتـى *** إلى شـطِّ نـهـديـها يرومُ به (الصَّـحْـنـا)
لـها يقْـشَـعِرُّ الجلدُ أيانَ أقبـلت *** وما لثمـتْ خـدا..ولا دغـدغـت ضـِبـْنا
يراهـا وقد مَـلَّتْ تـروم نـزالـه *** ومـا بالـه استَـخْـذَى وقد ألِـفَ الطَّـعْـنا؟
تنـازعـه في ذلك الدرب رحلَـه *** فتلهو الفِـجـاجُ الفـيحُ بالنـاقة الـوَجْـنَا
وإن فقد الكومـاءَ في البيـد لم يعُـدْ *** وإن عاد يُحسَـبْ في المـجانيـن.. والزَّمْـنَى
وأعجب للأعراب تلـقى كَـمِيَّـهم *** يربـي على الإقـدام مـهـرا له.. وابْـنـا
مع الجن رعديـدُ الـجَنَـان..وإنه ***مع الإنـس في ساح الوغـى اسْتنكفَ الجُبْـنا
إذا نـزلـوا الوادي ولم يتـعـوذوا *** بسلـطانـه (العفريت) لم يُغـمضـوا جفنـا
تقولُ لك الأخـبـار:كم نـذروا له *** قرابـيـنَ يرضـاها وكم نـَحروا بُـدْنـا
وكم قاسـموه الـزادَ ثم تـخيـروا *** له الذهب الإبـريـزَ.. والـحرث.. والضَّـأنا
له الـمُشتهى منـهم متى شاء أعتقوا *** له الأَمَـة اللعْـساء.. أو عَـتَّـقـوا الـدُّنَّـا
يريقـون أنـهار الدمـاء لوجـهه *** لـتـشربـها الأوثـانُ والنُّـصُبُ الرَّعْـنَـا
ولم تزل الأحقـاب للجـنِّ مسرحا *** إذا ما انـقـضى قـرنٌ تـشيدُ لـها قرنـا
إلى أن تـمادى الغيُّ واغتربَ الحجَى *** لكي تلـد الأقـدارُ من دَمَّـثَ الـحَـزْنـا
وغـارت سـماواتُ الجـلال لآدمٍ *** لـتـثـأرَ للإنـسان من سلـطـة الأدنـى
ودمْدَمَ رعـدُ الوحي وانـْثال برقُـه *** رجـوماً لـها إبليـــسُ من فـزعٍ رنّـا
وللشهب الظمأى انقـضاضٌ..وهذه الـ.. **.. ـعفاريـتُ من سِجِّـيلها تبـتـغي الكنَّـا
وثاب إلى الإنـسان عـازبُ عقـلُـه *** فما عاد يعـتـاد اغتـرابـا..ولا غَـبـْنَـا
وبعد أساطـيـر الكهـانـة شـاقـه *** بيـانٌ عـزيـزٌ لا يُـفَـلُّ.. ولا يـفـنـى
وهاهـو بعد الغـيِّ يلتـحف الـهدى *** وبعد اسـتـلام (اللات) يسـتـلم الركنـا
أبـا الـجن: محراب الغوايـة مُـترفٌ *** فأوْزِعْ بنـي الدنـيا الشقـاوةَ.. واللعْـنـا
سنـنتَ لهم شرعَ التمرد.. والـخـنا *** ولـيـس أبـي الأوابُ آدمُ مـن ســـنـا
تركنا لك اليُـسرى وشـؤمَ سبـيلها *** وإن لنا من دونـك اليُـمْـنَ.. واليُـمْـنـَى
لك الدهـرُ.. قد عُـمِّرْتَ في صفحاته *** ولـم يـبـقَ إلا أن تـبـوءَ بـما أخْـنَـى
وأنت الذي للرَّجْـم أزجَى قبـيـلَهُ *** وأنـت الذي أغـرَى.. وأنـت الذي مَـنَّـى
وأنـجالك (الجنِّ) اسـتقالوا فما وفَوْا *** بـقـافـيـة عصمـاءَ أو قَـدَحـوا ذهـنـا
إذا حـامَ منهم بـ(الحجاز) مُـوَلَّـهٌ *** فـليـس له إلا التـعـزي بـ (قـد كـنـا)
تـحن إلى الإغـواء منهم بـقـيـةٌ *** تـراودُ أورادي وهـذا الـدجَـى الأسْـنَـى
ولستُ وإن أدْمَـوْا أهازيجَ دوحـتي ***أسائـلُ نـفسي: من تُـرى نَـبَّهَ الغُـصْـنَـا؟

 

 

 

 

 

 

———————————————————

* محمد تاج الدين الطيبي (شاعر من الجزائر )

 

التعليقات: 3 تعليقات
قل كلمتك
  1. مشاء الله………………………… والله جميــــــــــــــــــــــــــل

  2. هل قرأتم القصيدة ؟ألا يمكن أن نقول لمن أبدع لقد أبدعت ؟….سلمت شاعر العمودي الفذ تاج القصيد

  3. كم انت رائع ومبدع الف تحية وشكر لك يا غالي

اترك تعليقا