التكثيف في القصة القصيرة جدً / شوقي بن حاج*
بواسطة مسارب بتاريخ 13 ديسمبر, 2013 في 03:26 مساء | مصنفة في حفريات | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 6148.

 

 لعل من أهم العناصر المكونة للقصة القصيرة جداً “التكثيف” بل هو أهم العناصر التي اتفق عليها كل النقاد والكتاب, رغم الإختلاف في درجات التكثيف وهو الإشكال الذي ولد من إشكالية أخرى وهي تحديد سقف حجم القصة القصيرة جداً, رغم ذلك لعل الكثير من الكتاب لا يستطيعون التفريق بين جملة من المصطلحات نظرا لتقاربها أو تداخلها من بينها ” التقطير – الإيماض – الإختزالالإختصار… ” وما يقابلها من مصطلحات معاكسة لها ” الإسهاب – الإطنابالحشو…”. – إنّ الفنية الإبداعية الأدبية سواء في السرديات أو في الشّعر لا تتأتى إلا بالنسق المناسب . في القصة لا بدّ من اللّغة القصصية . و في الشّعر لا بدّ من اللّغة الشّعرية . وهذا يعني ، ألا محلّ للغة العادية natural langage الإخبارية التقريرية الخطابية المباشرة … إذاً ، نحن أمام لغة مختلفة ، ذات خصوصية ، قد تصبح قيمتها في نفسها لأنّها فنية . على عكس اللغة العادية ، التي قيمتها فيما تحمله من أخبار . و لكي تكون اللّغة فنية ( قصصية أو شعرية ) ينبغي للمبدع الإلمام قدرالإمكان ( بكمياء) اللّغة : قواعد النحو و الصرف و ضروب البلاغة . و ( فزياء) اللّغة : علم المعني أو الدلالة sémantique و الأسلوبية stylistique و علم العلامات semiologie فضلا عن علم اللغة science du langage وعلم السردromanesque و تضاف إلى كلّ هذا الخبرة الشخصية التي يكتسبها المبدع من خلال مطالعاته الخاصة لإبداعات الآخرين . – التكثيف مفهوم له زوايا متعددة لنتكلم عنها منها التكثيف الدلالي وثقافة الحذف ومنها التكثيف البنائي ومنها التكثيف التجريدي والسيكولوجي أو النفسي. التكثيف الدلالي يعتمد على جعل النص مفتوح يحتمل تأويلات عدة يتفاعل فيه المتلقي حسب رؤيته الذاتية . أي يمكن تأويلة بأكثر من مدلول . أما التكثيف البنائي فهو أن يتخلص النص من كل ما يمكن التخلص منه من جمل أو كلمات وحتى حروف العطف الغير لازمة .مع التخلص من المترادف والمفهوم ضمنا والاستدراك والاستطراد. بحيث يتماسك النص وتصبح كل كلمة فيه وكل حرف له دور في السرد . كما أن الجمل المكثفة تحتوي معاني لها دلالات إيحائية متعددة تتشابه كثيرا مع لغة الشعر وقد تبدو للوهلة الأولى ملغزة بعض الشيء لما تحتوية من المسكوت عنه الكثير . و هنا تعتبر الجملة ذات معاني دلالية وإيحائية أكبر من حجم بناء الجملة ذاتها لذا نسمية تكثيف بنائي. أما التكثيف التجريدي والسيكولوجي فهو تصور المطلق كالحرية والحب . وكأنهم أشخاص يتفاعلون فيما بينهم . أو استنهاض واستحضار شخصيات من الأسطورة كشمشون و دونكيشوت . وهنا يكفي أن نقول أن مجرد استحضار هذه الشخصية الأسطورية سيستحضر معها مداليل لن تكتب فمجرد استحضار الرمز سيستحضر ما كانت تتبناه تلك الشخصية من قيم ومبادئ . أما التكثيف السيكولوجي أو النفسي فهو تفكيك الذات لمكوناتها ( الأنا والأنا العليا و الهي ) وإعمال التفاعل بين المكونات الثلاث وكأنهم شخوص تتفاعل وهنا تتواجد شخوص عدة داخل العمل الواحد رغم أن بطله شخص واحد وتدور رحي التكثيف هنا حين نعمل التلقي الواعي بين مكونات الذات وتفاعلها فيما بينها. – ولأن الأدب رسالة تواصلية فالكاتب الفنزويلي لويس بريتو غارسيا يقول «يبدأ التواصل حيث ينتهي الحشو؛ تبدأ الكتابة والغواية حيث يبدأ الإيحاء»؟ بينما القاص طاهر الزارعي يقول : «ككاتب قصة قصيرة جدا، أدرك تماما أن هذا الفن يعتمد على التكثيف بشكل كبير، وبالتالي فإنني مطالب بالحذف الفني والاقتصاد الدلالي والتخلص من الحشو اللغوي».

موضحاً أن «التكثيف يعد أهم عناصر القصة القصيرة جدا بشرط ألا يخل بالبنية الفنية والجمالية، لذا تتطلب مني قصة «الومضة» أن أكون ماهرا في الحذف لتحقيق قصة ذات فكرة ناجحة». ويضيف أن التكثيف والتخلص من الحشو يعد «الامتحان الأصعب للقاص الذي يقبل على هذا النوع من الكتابة، كما يقول د.يوسف حطيني في كتابه «القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق»، فمتى ما أدرك المبدع هذا العنصر، حتما ستكون قصته متميزة ومنتمية بالضرورة لهذا الفن».

ويوضح الزارعي أن الروائي آرنست همنغواي كتب قصة من ست كلمات، «اعتبرها أفضل أعماله على الإطلاق. تقول القصة : «للبيع : حذاء طفل، لم يرتدِه أحد»، نلاحظ هنا كيف تخلص هذا الكاتب من الحشو وعمد إلى الإيحاء في قصته بشكل جميل ينم عن دراية وخبرة في هذا الفن». – ويذهب صبري مسلم إلى تحديد خطوات يستخدمها القاص للوصول إلى التكثيف الشديد في القصة القصيرة جدا وهي:

•1.الجمل القصيرة المركزة ذات الطابع الموحي والمختصر في أسلوب سردها والقدرة على الإيحاء والتعبير والإشعاع بأكثر من دلالة.

•2.الاقتصار على اقل عدد ممكن من الشخصيات.

•3.تركيز الحوار أو الاستغناء عنه إذا أمكن ذلك.

•4.شحن الجملة القصصية بالصورة الفنية التي تؤدي دور وصف وتشي بالمعنى وتنم عنه.

•5.اختزال الحدث القصصي وينطبق على التركيز المكاني والسقف الزماني للقصة القصيرة جدا.

•6.العناية الخاصة بالاستهلال في جذب القاريء.

•7.الاهتمام بنهاية القصة التي تعطي انطباعا مؤكدا نجاح القصة أو إخفاقها . ومن الاستخدامات التي تساعد القاص في تكثيف الحدث والموضوع هي الرمز والتناص, والإنزياح( اللغوي, والفكري, والموضوعاتي), والاستعارة, والمفارقة بأنماطها المتعددة, وتسريع الحدث وجعله متوترا ومركزا لمنح القارئ خاصية التشويق والإدهاش فتستمد القصة القصيرة جدا خاصية قصرها- على هذا الأساس- من :

1- طابع الشذرة بما فيها من تأمل فلسفي.

2-طابع المفارقة المستند إلى تعدد الدلالات والاستعارية.

3-طبع الإندغام بالشاعرية والأسطرة.

بشرط أن تبقى محافظة على إشتراطاتها القصصية. – في الختام التكثيف ليس واحدا مثلما يعتقد البعض والتكثيف هو الذي يصنع روعة القص لأنه من بديهيات الأدب القصصي الثلاثي ” الفكرة-القص-اللغة” ليأتي التكثيف العنصر الأساسي الأول إنطلاقاً من العنونة نهاية على القفلة بأنواعها. والتكثيف ذاه يجبر الكاتب على تجنيس نصه إن حق له ذلك كقصة قصيرة جدا أو ومضة باعتبارها أكثر تكثيفا وأقصر حجماً أو إلى شذرة باعتبارها أقصر وحدة قصصية معروفة. —-

 

 

للموضوع مراجع :

- التكثيف في القصة القصيرة جدا / د.مسلك ميمون .

- التكثيف في القصة القصيرة جدا للأستاذ/ جاسم خلف إلياس.

- القصة القصيرة جداً / طاهر الزراعي.

 

 

 

* شوقي بن حاج ( قاص جزائري )

 

 

 

.

 

 

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. شكرا جزيلا على هذا العرض القيم الخاص بالتكثيف في الققج
    مودتي وتقديري
    رقية هجريس

اترك تعليقا