الشعر الحر بين القبول والرفض / فوزي عجوط *
بواسطة مسارب بتاريخ 31 مايو, 2014 في 04:55 صباح | مصنفة في حفريات | تعليق واحد عدد المشاهدات : 1608.

لم تثر قضية أدبية في عصرنا ما أثارته قضية الشعر الجديد من اهتمام، فقد حاول بعض الشعــراء على القالب التقليدي وعلى قيود الشعر العربي القديم، التي قد تعيق الشاعر عن الاسترسال في عواطفه  وأخيلته وأفكاره، فضحّوا بهذا النسق في سبيل المضمون كما ان هناك شعراء آخرين خرجوا عن قيود القالب التقليدي، لكن لم يهتموا بالموضمون، وهذا الأخير كان من أهم الدواعي في إثارة معركة حامية بين الأدباء والنقاد .

   وقد بحث آخرون في هذا التجديد، ومدى ملاءمته لطبيعة الفن الشعري، بحيث اقترح بعضهم حلولا مقبولة للتخلص من هذه المشكلة التي يعاني منها الشعر الجديد، بسبب قيود الأوزان الشعرية التقليدية، ونظام القافية  في الشعر القديم، وقد نتج عن الشرح والتعليل والدفاع والهجوم، ظهور طاقات عظيمة من النقاد المعاصرين التي خرجت بالشعر إلى ثورة نقدية، موزعة بين تيارات ثلاث:
1  – التيار الأول: يتمثل في الإصرار على المحافظة على القواعد الشعرية التقليدية والالتزام بموسيقى الوزن والقافية.
2-   التيار الثاني: ينادي فيه أصحابه بالمحافظة على الوزن ووحدته في القصيدة وموسيقى الشعر.
3-   الثيار الثالث: وهو يمثل أصحاب الشعر الجديد والذي ينفر ويرفض الالتزام بالقواعد الشعرية والعروضية والموسيقية التي تقيد الشاعر .
   
لقد كان موضوع التجديد حقلا خصبة للمعارك النقدية بحيث تضاربت الآراء ما بين  النقاد، بين المؤيد والمعارض والمحايد ، فالناقد طه حسين يقول في موضوع التجديد :” إنما الجديد بالبحث في الشعر هو البحث عن توفّر الأسس التي يجب أن تُراعى في الفن الشعري والخصائص التي ينبغي أن تتحقق فيه ، ولا يمكن أن نعدّ هذه التجربة شعرا، إلا إذا قام على تلك الأسس” [1]
    فهو يرى أن التجديد دعوة غير منكرة ، ولا هي بجديدة، بل سبق إليها شعراء من العرب، وغيــرالعرب إلا أنه يرى ان البحث والاهتمام يجب ان ينصبّ على الأسس التي تراعي الفن الشعري الجديد، فالشعر الحقيقي عند طه حسين، هو الذي يستميـــل النفوس والأذواق بما أنشـأه فيه من الخيال، ومن الصور إذ يجب أن يجلب أذهان الجماهير والقراء باستعمال الألفاظ الجميلة.
  
   أما العقاد فموقفه من التجديد كان معتدلا بحيث رفض كل تجديد من شأنه الإخلال بالإطار القديم للشعر العربي[2].
 
    إذا نظرنا إلى توجه طه حسين نلفيه غير حاد في تعصبه ونقده للتطور العروضي للشعر العربي، إذ يقول” فإذا استطاع الذين يحبون هذا الشعر الحديث أن يقدموا لنا ما يمتعنا فعلا فمن الحمق أن ننكره أو نلتوي عنه ، لا لشيء ، إلا لأنه لم يلتزم بما  كان القدماء يلتزمون من القوافي والأوزان”[3]
      وما يرفضه طه حسين في الشعر الجديد هو التقصير في أمرين:
1-  الصدق والقوة وجمال الصور وطرافتها
2- أن يكون عربيا لا يدركه فساد اللغة، ولا إسفاف في اللفظ.
    في حين تقول نازك الملائكة في قضية التجديد:” فمن الحرص أن ننبه أولا أن الشعر العربي في مختلف عصوره لم يعرف السطر ، ذات التفعيلات الخمس. جاء المعاصرون وتناولوا الحرية التي أباحها لهم الشعر الحر ، فخرجوا  عن قانون الأذن العربية و نظموا أسطرا ذات خمس تــفعيلات”[4].
   كما أنها ترى صفات هيكل القصيدة الجديدة يجب أن يعتمد الشاعر فيها على أمرين:
1- الصلابة في عرض موضوعه، والأسلوب المتميز.
2- الكفاءة التي تتضمن:
    أ- اللغة الشعرية بحيث تعتبرها الأداة والوسيلة في التعبير.
    ب- التشبيهات والاستعارات التي بدورها يجب أن تتسم بالوضوح وجمال المعنى وكذا التماسك بحيث يجب تحقيق التوازن والتناسق بين نسب القيم.
لقد اهتم النقاد بقضايا الشعر المعاصر إلا أنهم أهملوا ظاهرة الأخطاء اللغوية والنحوية التي يقع فيها الأدباء المعاصرون بحيث ترى الناقدة نازك الملائكة أن عدم اهتمام الشاعر أو الناقد بالجانب اللغوي من النقد  ليست إلا صورة من عدم الاهتمام  من الشاعر نفسه باللغة وقواعدها، فهي تقــول:” إن الجذور الرئيسة لهذه الظاهرة تختبئ في شبه عقيدة موهومة، وقع فيها الجيل العربي المعاصر، مؤداها أن عدم الاهتمام باللغة والحرص على القواعد يدلان على وجود فكري في الأديب وقد تشير إلى نقص ثقافته الحديثة”[5]
    وهذه الظاهرة أصبحت في نظر شعراء التجديد ذاته ، فهي تقر على وظيفة الناقد العربي، وهي حماية اللغة من الأخطار لذلك نجدها تدعو النقاد أن يتصدوا للمدارس التي تريد أن تهدم اللغة وقواعدها. ولهذا يجب على الناقد أن يستعمل لغة واضحة، لكي يوصل فكرته وطرحه النقدي.

إحالات



[1] بدوي طبانة، التيارات المعاصرة في النقد العربي، در الثقافة، بيروت، 1985، ص 325.
[2]ينظر: مصطفى مصايف، جماعة الديوان في النقد ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1982، ص 370
[3] بدوي طبانة، المرجع السابق، ص 326.
[4]رمضان الصباغ، في نقد الشعر العربي المعاصر، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، الاسكندرية، 1998، ص 347.
[5] المرجع نفسه، ص 348.

*كاتب وباحث من الجزائر

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. موضوع شيق وجميل

اترك تعليقا