إيمانويل روبليس Emmanuel robles – الوجه الآخر للأدب الكولونيالي / بوداود عميـــّر
بواسطة مسارب بتاريخ 16 فبراير, 2012 في 10:01 مساء | مصنفة في حفريات | 11 تعليقات عدد المشاهدات : 6032.

بوداود عميـــّر / قاص وباحث

 

ايمانويل روبليس Emmanuel robles

الوجه الآخر للأدب الكولونيالي

ولد الكاتب و الروائي الفرنسي ايمانويل روبليس ( (Emmanuel roblesبمدينة وهران في 04 ماي 1914 من عائلة متواضعة ، توفي والده بعد أشهر فقط من ولادته ، و هكذا ترعرع في الدفء العائلي محاطا  بأمه و بأخواته البنات ، الغياب المبكر للأب كان بمثابة الهاجس المركزي الذي انعكس جليا على معظم كتاباته ، التحق منذ صغره بالمدرسة العادية في الجزائر العاصمة ، و كان يجلس الى جانبه في مقعد الدراسة الكاتب الجزائري الراحل مولود فرعون حيث توطدت بينهما علاقة صداقة قوية من خلال اللقاءات الأدبية التي كانت تجمعهما أو المراسلات العديدة التي تتم بينهما ،  كما تعرّف على صاحب جائزة نوبل الكاتب الفرنسي الكبير البير كامي من خلال جريدة الجزائر الجمهورية(Algerie republiquain) حيث نشر بها تحت اسم مستعار : “ايمانييل شان” نصه : “قصر الجنة “على شكل رواية مسلسلة ، توازيا مع تحضيره لشهادة الليسانس في اللغة الاسبانية بمعهد الاداب. يعتبر من أوائل المترجمين للنصوص الشعرية للشاعر الاسباني الكبير “غارسيا لوركا” .

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية و التي انخرط فيها بوصفه مترجما و مراسل حرب عاد الى الجزائر عام 1947 أين أسس المجلة الأدبية “فورج” رفقة : محمد الديب ، كاتب ياسين ، جان سيناك ، أحمد سفريوي ، مالك اوراي ، كما نشط حصة ادبية براديو الجزائر( العاصمة) .

في ديسمبر 1959 نشرت المجلة الأدبية ”سيمون” التي كانت تصدر في مدينة وهران آنذاك عددا خاصا مهدى الى ايمانويل روبليس جمعت فيه نخبة من الكتاب الاوروبيين و الجزائريين من بينهم البير كامو و مولود فرعون هذا الأخير كتب في شهادته يقول : ” منذ عشر سنوات وجدت رفيق مراهقتي  الذي أدخلني في حياة رجل متميز يحب اقرانه لأنه كان يعرف قدراتهم و حدودهم ، همومهم و جراحهم ، رجل اختار كمهمة اساسية التعبير عن دراماتيكية معاصريه بتفرد ثاقب ، من حيث ان صنعة الكاتب كانت بالنسبة اليه و قبل كل شيء مسألة شرف و كرامة . تعرفت على العديد من أعمال روبليس و من بينها رائعته أعالى المدينة و التي قرأت فصولها على صفحات مجلة فورج الادبية . من هنا شاركت – إن سمح لي القول – في  إعداد كامل اعماله فيما بعد … أدرك كم تمزقه و تلتهمه أعماله و حجم الاريحية التي يصبغها لشخوصه ليمنحها هذا النفس في الحياة الذي تحتاجه …”

و في نفس المجلة كتب البير كامو في شهادته يقول : افريقيا تبدأ من جبال البرينس ( على الحدود الاسبانية الفرنسية) من هنا يصبح روبليس جزائريا مرتين ، يجمع فيهما مثل أغلبنا الدم الاسباني و الحيوية البربرية ، قد لا يعلم الكثيرون ان هذا يعطي صنفا من الرجال لا يشعرون بالارتياح في “المتروبول” ، من هنا ينتجون اعمالا متفردة تدخل بالتأكيد في اطار التقليد الفرنسي ( روبليس من وجهة النظر هذه يجب ان يعترف كأبوين له موباسان و فلوبير) ، لأنها تتميز أيضا بجو بربري ، بارع احيانا ، بدون تكلف احيانا اخرى و هكذا نجد في اعمال روبليس شيئا من الشراسة و كذلك من الفحولة الواضحة و لكننا نجد خاصة اريحية و مروءة و هو ما يفسر نجاحها المباشر حيث لا تزن ثقلا امامها مئات الروايات التي تصدر بباريس كل سنة . من منا لا يفضل على كتابات حنفية الماء الفاتر كتابات  ما يعرف بأدب الوادي  و هو أدب يبدو تارة جافا و تارة اخرى ممتلئا بالحصى و مندفعا في كثير من الاحيان  ؟  روبليس على الاقل يعرف ماذا  يقول ، بل يعرف و يشعر به باصرار مفرط ، في عتمة الدم ،  الرجل في شجاره مع المرأة ، شرف المستضعفين ، تراجيدية الواجب ، الشغف حتى اراقة الدم . تلك التيمات لعمل  شاهدت ميلاده وكبر و نما مثل نبات صلب تحت أمطار و شمس افريقيا  . الأعمال هذه فرضت الآن  نفسها في فرنسا انها تمثلنا كجزائريين من كل الاعراق ( ذلك ان أننا ككتاب جزائريين عربا و فرنسيين  أنشأنا بين بعضنا البعض و منذ عشرين سنة – يوما بعد يوم – هذا التجمع الجزائري) مع الوفاء الذي نحبه و خارج الحدود فان أعماله تقدم شهادتنا جميعا حيث نجتمع اليوم من حولها ، مثل اخوة الشمس .

 

روايته أعالي المدينة

 كتب روبليس ما يناهز العشرين رواية من بينها : الفعل (1938) قصر الجنة (1941 ) عمل رجل (1942) و رواية “إنه الفجر” و التي تحولت الى فيلم سينمائي عام (1955) من إخراج لويس بينيال و آخرها رواية الفصل اليافع (1995) ، كما كتب خمس مجموعات قصصية  و أعمالا مسرحية أشهرها مسرحية “مرافعة من أجل ثائر” و “ماتت الحقيقة “، حيث يعتبر أحد مؤسسي ما يعرف بمسرح الشارع .

الكاتب و الروائي إيمانويل روبليس

اضافة الى اهتمامه بالترجمة و لأنه من أصول اسبانية ترجم أعمال لوركا و سرفانتيس و غيرها .

نالت روايته أعالي المدينة les hauteurs de la ville  شهرة واسعة ، و حصلت على ثناء خاص في الوسط الادبي الفرنسي ، توّجت على إثرها بجائزة الفيمينا الفرنسية عام (1948) ، و هي رواية استطاع المؤلف ان يستشرف فيها ارهاصات الثورة الجزائرية و بداية الانتفاضة الشعبية الرافضة للواقع الاستعماري ، تدور الرواية في الجزائر في نهاية الحرب العالمية الثانية ، تتابع خطى شاب جزائري بسيط يدعى “اسماعيل” القي عليه القبض و هو يقوم بتمزيف احدى الملصقات الدعائية ، أهانه ضابط امن يدعى ألمارو أثناء استجوابه ، و قد حاول الشاب بكل ما اوتي من قوة الانتقام لكرامته. الرواية كتبت في الجزائر العاصمة بين سنتي 1946/1947 كما ذيل ذلك المؤلف في آخر الكتاب و قد اهداها لذكرى صديقه احمد اسماعيلي ، كما تميزت الطبعة الجديدة  بتوطئة مهمة ، نادرا ما استخدمها في نصوصه مبررا فيها ظروف و ملابسات تأليفه لهذه الرواية مما عكس مواقف كاتب بدا ملتزما بالقضايا العادلة للشعوب الرازحة تحن نير الاستعمار ، رواية لا أعلم ان كانت ترجمت الى العربية ، و لكنها في جميع الأحوال تستحق بحق الترجمة الى العربية بل و إعادة طبعها باللغة الفرنسية في اطار التعاون المشترك بين دور النشر الجزائرية و الفرنسية باعتبارها تطرح موقفا انسانيا مهما في سياق الجدل الدائر حول السياسة الاستعمارية في الجزائر.

يقول ايمانويل روبليس في مقدمة الرواية : “… خلال الفترة التي كتب فيها أي سنوات 1946/1947 ، كان قدر هذا النص تقديم شهادة بخصوص التذمر و الاستياء الذي أصاب الشباب الجزائري وقتئذ ، أراد ايضا ان يبرز وجه التوق و التطلع  الذي ولد تحت نار الاحداث التي غيرت مجرى التاريخ بشيء من الحماسة و والوضوح . كيف يمكننا ان لا نعترف أنه بالنسبة لكثير من هؤلاء الشباب تعتبر المقاومة الفرنسية نموذجا حاسما لهم ؟… في ماي 1945 كنت بالقرب من مدينة  شتوتغارت عندما بلغتني الأصداء الاولى للانتفاضة الجزائرية في ناحية قسنطينة ، حريق هائل ما كاد ان ينطفيء في اوروبا ، حتى اشتعل أواره في مكان آخر في بلدي الحقيقي بالضفة الاخرى ، حتى و ان لم يكن بنفس الوهج فان لهيبه كان بنفس شدة الاحمرار الممتليء تعاسة … عند عودتي للجزائر في السنة الموالية ما لاحظته هناك رسّخ في نفسي اليقين ان الجمر الغارق قبل سنة في دم الآف الضحايا ازداد اشتعالا هذه المرة . بالامكان قتل انسان و لكنه لا يمكن قتل الفكرة التي دفعت به الى اختيار الموت ، جميعنا يعرف ذلك . بالنسبة للشباب الجزائري لم يكن المستقبل يحمل في نفوسهم أدنى أمل . سياسة النظام الاستعماري و هيكله  دفع بهم الى الالتصاق بالجدران بلا أدنى امكانية لاختراقه ، من أجل التفتح صوب عالم اكثر عدلا و مساواة . و هو ما يؤدي بالتاكيد الى انتهاج العنف سبيلا ، و لكنها تكتمل بمعرفة دقيقة للقوات التي باحتقارها كل عدالة من شأنها الحفاظ على هذا الحائط … لم تكد تمر ست سنوات على صدور “اعالي المدينة “حتى أخذت الجزائر وجه الحرب بالآف اسماعيل ، الذين قرروا استرجاع كرامتهم و قد انطلقوا من عمق العتمة ماسكين المصابيح بايديهم … ليصدقني الجميع ، لا أشير لشخوص رواياتي على سبيل المجاملة ، ما دمت مقتنعا ان كل كاتب بما اوتي من إلهام لمخيال الحقيقة الانسانية  ، يعرف أنه سيلتقي في مسار حياته – إن آجلا أو عاجلا – شخوصه التي خلقها مخياله ، سيلتقيها بدمها و لحمها . و لكنني و إن كنت جمعت هنا اسماعيل و مانسيرا ، يعود ذلك أساسا الى أنهما بالنسبة الي خرجا معا محترقين من منزل واحد :  المنزل الذي يصهر فيه الضمير الانساني مقاومته لأكبر هزيمة تهدد وجوده و نفيه أصلا …”

علاقته المتميزة مع الكتاب الجزائريين

كان لامانويل روبليس الفضل في التعريف بكتاب جزائريين و نشر أعمالهم من خلال السلسة التي انشأها بالتعاون مع دار لوسوي الفرنسية بعنوان كتابات متوسطية حيث نشر ثلاثية محمد الديب : (الدار الكبيرة ، الحريق ، النول ) كما نشر لصديقه مولود فرعون أعماله ( ابن الفقير ، الارض و الدم ، المسالك الصاعدة ، يوميات).

      و قد تكفلت جامعة بول فاليري بمدينة مونبوليه الفرنسية بتحقيق أمنية الكاتب مباشرة بعد وفاته في جمع مؤلفاته و ارشيفه الزاخر ، و وضعه تحت تصرف الطلبة ، الباحثين و الجامعيين و هو ارشيف مهم يضم الى جانب مخطوطات كتبه و مكتبته الزاخرة كتابات و مراسلات و مخطوطات لكتاب جزائريين جمعتهم معه صداقة متينة مثل محمد الديب ، مولود فرعون ، نبيل فارس ، جان عمروش… اضافة الى علاقته بعد الاستقلال بالكتاب المقيمين بالجزائر من أمثال الكاتب الراحل الطاهر جاووت أثناء اشرافه على سلسلة الكتابات المتوسطية ، رغبة منهم فيما يبدو في نيل امتياز النشر في اطار هذه السلسلة أو طموحهم للدخول في مسابقة جائزة غنكور الأدبية ، كون روبليس كان عضوا أساسيا في اكاديمية غنكور التي شغل مقعدا من مقاعدها ابتداء من سنة1973 

توفي امانويل روبليس في 22 فبراير 1995 بفرنسا عن عمر يناهز 81 عاما.

 

 

التعليقات: 11 تعليقات
قل كلمتك
  1. جميل ياصديقي بداود كم من نحن بحاجة إلى اعادة قراءة الادب الكولونيالي من أجل معرفة تاريخنا عبر نصوص تلك الفترة المهمة. شكرا لك

  2. أخي الكريم الباحث المترجم بوداود عمير..
    إطلالة عميقة و موضوعية في سيرية الكاتب الفرنسي إيمانويل روبليس.. و علاقته بالجزائر من منظور تاريخية الاندراج في الزمن الكزازنيالي..
    تحياتي لك أخي بوداود ..مع خالص التقدير

  3. المبدع الجميل عبد القادر ضيف الله
    من المفيد قراءة الأدب الكولونيالي من زاوية أدبية بحتة
    بعيدا عن أية خلفية تاريخية قد تربك موضوعية البحث.
    تحياتي

  4. الشاعر عبد القادر رابحي :
    نتطرف في عتاب كتاب فرنسيين وقفوا مناوئين للثورة الجزائرية
    و نخصص لذلك درسات و مواقف -كامي نموذجا -.
    و لكننا لا نولي أهتماما لكتاب فرنسيين و أجانب
    أنصفوا بشكل أو بآخر الثورة الجزائرية – سارتر ، بوفوار و روبليس…-
    و هي المفارقة التي استعصى علي ادراكها..
    الشاعر و الناقد عبد القادر رابحي
    تقبل خالص تقديري..

  5. الاستاذ عميّر بوداود
    تحية طيبة وبعد ،
    أبحرت ،مع دراستك هذه القيمة التي أبحرت فيها بدورك في ” وجدان ” الكاتب و الروائي إيمانويل روبليس
    وأبحرت كذلك أساطيلك ضمن منحى تراجيدي ، جدير بالتأمل .
    تحياتي إليك صديقي أولا ، وتقديري لهذا العمل الجاد الذي عرفتنا من خلاله بالادب الكولونيالي .
    أخوك / أحمد ختاوي
    سنشرب يوما ماء من أكسجين مساءات العين الصفراء ، بمقاهيها وأرصفتها ونتصفح سويا ” أعالي المدينة ” على نخب قهوة ..أو ابريق شاي.

  6. القاص و الاعلامي أحمد ختاوي
    منك تعلمنا كيف نعجن الكلمات في موقد اللغة …
    كيف نحرك الحرف في غير اتجاهه بلا وجل و لا خوف من بطش اللغويين و شبح سيبويه…
    تحياتي و تقديري
    و الى مساء صفراوي مشمس ..

  7. عزوز نواصري قال:

    تحياتي استاذي الكريم ..
    بداية أود شكرك كل الشكر على هذا المقال الرائع ، والذي فتح لي كوة صغيرة على عالم واسع ، أقصد الأدب الكولونيالي، الكوة بدأت تنفتح قليلا قليلا بعد تتبعي لحصة برنامج إذاعي يعده الأستاذ الكبير جيلالي خلاص ـ لست أتذكر عنوانه ـ وكانت الحلقة التي تتبعتها تدور حول الكاتب ” إيمانويل روبلس” ..كنت في طريقي إلى الجامعة ـ أتنابع دروس السنة التحضيرية للماجستير ، تخصص أدب عالمي ـ وانقدحت الفكرة : أليس موضوعا يستحق البحث” صورة الجزائري في الأدب الكولونيالي”..وظلت الفكرة تختمر في الذهن ..حتى وجدت مقالكم الرائع هذا والذي وسع الكوة اكثر ، وزادني إلحاحا على طرق الموضوع..والخلاصة، أستاذي الكريم هل لي بيد تسدونها لي في سبيل البحث .. تقبل تحاياي القلبية .

  8. الكريم عزوز نواصري
    أشكرك على الاهتمام و المتابعة
    الأدب الكولونيالي يستحق منا فعلا الكثير من العناية
    لا يمكن أن نفهم الفترة الاستعمارية عبر ماضينا التاريخي
    سياسيا اقتصاديا اجتماعيا و ثقافيا..
    من دون أن نسلط أصواء البحث على هذا الأدب
    الجدير حقا بالتنقيب و التمحيص
    و لكن … بمنهجية و موضوعية
    بعيدا تماما عن الخلفيات أو النوايا المسبقة
    تحياتي

  9. عزوز نواصري قال:

    سيدي الكريم هذا بريدي الإلكتروني:
    ad-mer@maktoob.com

  10. tres cher a boudaoud
    je suis en train de preparer un travail de recherche sur le theme: l image de l’agerien a travers: les hauteurs de la ville d’emmanuel robles et j ai besoin de vos conseils et vos recommendations
    mes salutations distinguees

  11. عندما نحاول في مدينة العين الصفراء أن نفتح نافدة علي الادب بكل توجهاتة وخياراته كذالك فإننا نتعلق ببوداود من اجل ان
    نجد عنده ذاتنا المتشضية

اترك تعليقا