الثأر المر/ قصة قصيرة / فضيلة بهيليل*
بواسطة مسارب بتاريخ 6 نوفمبر, 2016 في 07:28 مساء | مصنفة في متعة النص | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 931.


فتحت الدولاب تُمسّح بعينيها ملابسه الصغيرة بفوضاها الطفولية ورائحة براءتها لاتزال تعطر الدولاب .غيمة حزن أرّقتها طويلا، وسؤال ظل يخنق حلقها مذ غاب حفيدها يوسف. ذلك الذي أعادها سنوات للوراء فركضت خلفه بخفّة فتاة عشرينية تتظاهر أنها لا تستطيع اللحاق به وهو يهرول ملتفتا فاغرا فاه انتصارا على تلك الجدّة التي احتضنته من أول أيام ولادته بعد وفاة أمه إثر ولادة قيصرية ضاعفت فيها الممرضة كمية البنج، لتغيب بلا رجعة عن هذا العالم المعاق.
حين بلغ يوسف الثالثة من عمره كانت جدته تأخذه لخزانة والدته، تفردها أمامه كقطع الألعاب ليجمعها ثم ينثرها ويرمي ببعضها على جدته منتشيا. فتضحك ساخرة ثم ما تلبث أن تُطلق نحيبا موجعا يرهب الصبي فيحاول شدّ طرف ثوبها لتمسح دمعها بابتسامة مصطنعة لا تليق إلا بصبي كيوسف.
تغلق باب الدولاب بيد، بالأخرى تمسك يد حفيدها مرددة: “رحمك الله يا حبيبة أمك وأسكنك جناته”.
مذ اختفى يوسف ما عادت تزور غرفة ابنتها ولا فتحت دولابها. وحدها ملابس حفيدها ظلّت تخلص لها، في صمت تدخل الغرفة وبرهبة وخشوع تفتح الخزانة، تطلع منها ريح زكية تلفحها رائحة ذكراه .تتأمل طويلا سروال الجينز المطوي بفوضى وهو يحاول وضعه كما الجدة. تكاد تسمع خطاه عائدا من المدرسة حاملا بيده نصيبا من قطع الشكولاطة التي تناول رُبعها بالمطعم المدرسي أو حبة إجاص قضم من جانبها العلوي حجم قضمتين صغيرتين تاركا لها ما تبقى من اشتهاء.
اليوم لا شيء من كل هذا. وجه شاحب برقعه سؤال مرقوم بالوجع، وعينان ترهلت مقلتاهما وارتسمت بجانبيهما دماء يوسف والذيب البشريّ، وحده ذلك السؤال العالق بالحلق كسكينة ظلّ بلا جواب: لماذا اختطفوك يا ولدي، حبيبي، كيف قتلوك؟ كيف استطاع الذيب أن يستلّ أنيابه في حضرة جسدك الملائكي، كيف؟.
ترتسم لها تقاسيم وجهه مرتجفا خائفا وهو يبصر السّكينة الحادة باكيا. فتغرق في نحيب رهيب..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* قاصة من الجزائر 

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. المختار حميدي قال:

    قصة مؤلمة جدا احسنت نسج الحرف ليعصر من مقل القارئ دمعة حارقة

  2. شكرا أخي الكريم على القراءة وعلى مرورك الذي أسعدني.تحياتي.

اترك تعليقا