ملاك الجدار/ قصّة قصيرة – / أبوالخير عمّاري *
بواسطة مسارب بتاريخ 30 مارس, 2017 في 06:47 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1087.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمّا جعل الإله الشفاء في العسل كانت قدرته توزّع أفضال العسل في الزهر، وكانت أكثر الأزهار حظّاً من نيل أفضاله أنْ سكن لون العسل عينيها فابتغى شفاء قلبه الحالم في النظر إليها وإملاء الروح على أساريرها، واستراق عبق رياحينها على بعد نظرة من خصلات شعرها المتلصّصة من خمارها الوردي بمسحة جمبرية برّاقة يراقصها نسيم ضحى ربيعي تسلّل من أسحار ليلة بات يفكّر فيها .. كان يؤرّقه أنْ تحاصره بتعابـــير التحجّج السالفة وأنّها لا تســـتطيع الخروج؛ هي لا تُدرك حجم ما عاناه وحجم انزواءاته في البيت ينتظر رنّة هاتفه المضبوطة على نغمة تخصّ حبيبته ذات العينين العسليتين !

كان يرنو إلى ساعته مع كلّ ثانية تمضي كَسيفٍ تنصرم به حبال خطاه داخل الغرفة، بين جدارين كان يتناوس بينهما : جدارٍ من إسمنت يتشبّث به برواز يحتضن بوستيراً لحبيبته كان قد اعتنى بوضعه على الجدار، وجدارٍ يبوح فيه لها بحبّه كوحيٍ يباغته من سماء الحنين المركوم على قلب لم يعد يقوى على البون إطرافة عين؛ آه ماذا قيل الآن؟؟ .. أتذكّرَ عينيها المشعّتين ببريق العسل وأيّ عسلٍ في عينيها ذلك الّذي داهمته أفضال إلهية فيه شفاء لخوالجه الليلية وهو يترقّب موعده المرقوب في هذا الضحى الربيعي الباهي وفي يديه مسكة من رياحين متولّهة بين أصابعه، ليتها تقفز في وثبة مباغتة تعلو شفتيها المعطّرتين بزخّة من نكتار الفراولة ومسحة من لون خزامي الطلّة متعالية كالبنفسج ومبهجة كالورد.

وغير مكترث لتعاقب السيّارات كان ينسِل بخطاه المتشاوطة على طريق الواله غير عابئ بما قد يحدث له، ما كان يهمّه في حثيث خطوه أن يتجلّى له ملاك الجدار في اللحظة ذاتها والمحلّ ذاته الموسومين على رسالة مؤطّرة بلون جمبري زاهٍ وزاهر، ومعطّرة بأنفاسها على فسيح شاشتها المتوهّجة بأحاريق هواها وهي تسبل ذؤابات شعرها على رقينة الهاتف؛ كانت ترقن له آخر مشاعرها بمدَد من أحدث الأيقونات المعبّرة عن حبّها له؛ لهذا قرّر أن يجاوز كلّ المارّة والمشاة نحو مشعر الملاك ومقام المحبّة !
واثّاقلت خطواته واضّاعفت نبضاته على مرمى نظرة بارقة تسلّلت بين فتاتين كانت إحداهما بثوب أسود نبذها قلبه، وكانت الأخرى بثوب أبيض لا يطابق وسمها المرسل إليه؛ قالت له في الرسالة :
ـ ستراني مقبلة نحوك كما تخيّلتني حبيبي في ثوبي الرمادي أوّل مرّة قبل أن تمتلئ عيناك بملامحي الّتي رسمتها لك وقفزت نحوك خلسة على غفلة من التوجّس في بورتريه مبهج الألوان.

ولمّا بلغ تلقاء خطوتها الأخيرة خانته أصابع يدهه اليسرى فسقطت الرياحين والأزاهير على موضع الخطوة الأخيرة عند إشارة “قف” حبيتك ليست تلك الفتاة، كانت تشبهها بفارق ملمح واحد لم تكن تمتلكه على عرش عينيها، إنّه لون العسل المشعّ …
وطفق مهرعاً نحو مكان خليّ من الناس، جلس وأخذ نفَساً عميقاً ثمّ نقر على شاشة الهاتف كيْ يلجَ سريعاً إلى حسابها “جدار الملاك” فانحسر بصره حثيثاً كأنّ طعنة خنجر تبقر بطنه بعد أن أمضت سبيلها في القلب … ألفى حسابها معطّلاً، هل حظرته ؟ هل أقفلت حسابها ؟ … مضت ثلاثة أشهر ولم يحصل على جواب لأنّه تأكّد بحساب آخر أنّ حبيبته لم تحظره بل أقفلت حسابها ملاك الجدار ذات العينين العسليتين، كما غيّرت رقم هاتفها إلى الأبد ولم يملك إلّا أن قرأ الفاتحة عند حطوته الأخيرة عند إشارة الوقوف.

/

* قاص وناقد من الجزائر 

اترك تعليقا