موت الاستبداد الشعري/ علي حسن الفواز*
بواسطة مسارب بتاريخ 3 أبريل, 2017 في 06:17 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 893.

قد يكون الاستبداد الشعري شبيها بالاستبداد السياسي. وربما أكثر خطورة منه، لأنّه يمسُّ الوجدان العربي، والذاكرة، والفكرة القديمة للديوان والسير والأسفار. خطورة الاستبداد الشعري، يمكن أن تكون شبيهة أيضا بـ(الاستبداد النفطي) كما سمّاه الراحل سليم الوردي، فكلا الاستبدادين صار لهما سلطة، وقياس، ومرجعيات، فالثاني احتكر فكرة الثروة، وسلطة المؤسسة، والثاني ظل مسكونا بما يشبه أشباح الرعب الثقافي الراكز في لاوعي التمثلات العربية، عبر توصيفها الأنثربولوجي، أو عبر رهابها العصابي، وتعالقاته بظواهر السلطة والمقدس والجسد، فضلا عن تعالقات هذا اللاوعي بصياغة الصور الترانستدالية للحكاية والرمز، وكذلك الصور المُتخيّلة عن الأمّة والبطولة والفحولة، ووظيفة الشاعر في تكريسها. 
الاستبداد الأدبي بوصفه الشعري، أو الحكواتي، ضيّق على مجال الثقافة أفق التمدد المعرفي، وعلّق البحث عن أسئلة تخص الفكر والوجود والمعنى، فضلا عن كونه الأكثر احتكارا لاستعمالات اللغة ولوظائفها الدلالية والتواصلية، حتى باتت مقولة (إننا أمّة شعرية) هو السائد والمهيمن والقامع، وهو الفرضية التي يؤسَس عليها أطروحات لا تخرج عن وضع الأدبي/ الشعري في سياق المركزيات التي تُعطّل ما حولها. 
فرضية الاستبداد تعكس – في جوهرها- واقعا ثقافيا وسياسيا مأزوما ومحدودا، وبعيدا عن إمكانية ربط القيمة الأدبية بالفكر الفلسفي والعلوم والنظريات والمناهج الحديثة، وحتى الباحث في مجال المعارف والنقود القديمة، يجد نفسه غير قادر على فك سطوة المركزيات النصوصية والأبوية، بما فيها نصوص المقدس، ونصوص القصص والمرويات، وحكايات الخرافات والأساطير والميثولوجيات، التي موضعت الأديب داخل معايير البلاغة والصدق الفني، حتى بات هذا الأديب رهين محابس كثيرة، وضعته كلُّها في سياق وهمي لسلطة الشعريات، ولذات التوصيف الذي تموضع فيه الحكيم القديم الذي يأخذ من كلِّ شيء مُضغة.
واليوم حين نجد أنفسنا أمام معطيات مفارقة للتوصيف الثقافي، والأدبي بشكلٍ خاص، فإننا ندرك أهمية البحث عن توصيف آخر لاستعمالات الأدب ولتحديد وظائفه وعلاقاته الاجناسية مع المعارف والعلوم المجاورة. وحتى علائقه بالعلوم، والمعارف والدراسات التي تخصّ التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والنفس وغيرها. وإذا كنّا نحسب أنّ الرواية المعاصرة هي الجنس الادبي الأكثر جرأة في مواجهة التوصيف النمطي للاستبداد الشعري، فإنّ الضرورة الثقافية تقتضي- أيضا- وضع الرواية في سياقٍ يتجاوز أثر الشعري، ويلامس فاعليتها في مواجهة التوصيف المنهجي للكتابة، ولتحدياتها المفهومية التي تحدّث عنها جاك دريدا في كتابه «علم الكتابة» التي ستعيش- حتما- اغترابها النوعي إزاء ما هو راسخ في كتاباتنا، تلك التي تعيش كثيرا من هواجس المتحف، والمزاج الشعري، وصورة المرأة/ المرآة، وصور البطل العالق بذاكرة شائهة للقصيدة.
كتابة الرواية تستدعي وعيا بتقانات الكتابة، فهي تحدٍ للعقل الشعري العربي، وأنّ انشغالها بالوثائق والتاريخ والنسقيات المضمرة، تستدعي أيضا فحصا، لتحسين فعل الأداء الكتابي من جانب، ولوضع فاعلية الكتابة في سياق الأفكار، وفي مجال تحوّلها إلى تداولية سردية من جانب آخر، على مستوى القصّ، أو على مستوى توصيف الكتابة ذاتها في تأهيل بنية الحكي الروائي، والتغيرات الأخرى التي تخص المبنى الفني للخطاب الروائي، وكذلك في النظر إلى جدّتها في توظيف تلك الوثائق، وما يتعلّق بالملفات والرسائل، وحتى وظائفية الميتاسرد في التقانات الجديدة، يمكن أنْ نعدّها واحدة من فعاليات التمرد على النمط، والسياق الأفقي في الكتابة الأدبية، ليس بالمعنى الذي طرحته الكتابات الإنشائية، ولا بالنمطية التي كرستها وظيفة الحكواتي في الذاكرة الجمعية، وهيمنة ما كرّسته الكتابة التقليدية التي كتبها الواقعيون وكتاب السير والأسفار والمغازي.

الاستبداد الأدبي وتفكيك الاستبداد السياسي

من الصعب فصل الصناعة الأدبية وتداولها عن السلطة، فهذه السلطة التي احتكرت النظام السياسي والتعليمي والديني، احتكرت أيضا اللسان وقاموسه، ووضعت تأويله تحت جهاز المراقبة والمنع. وحتى موضوع الاستبداد الشعري ليس بعيدا عن فهم السلطة لقصدية الترويج الأدبي، ولسهولة مراقبة الشعراء، وصولا إلى تورطيهم في حروب العُصاب واليافطات. تفكيك النظام السياسي والأيديولوجي قد يكون عتبة لتفكيك الاستبداد الأدبي/ الشعري، لكن هذا الاستبداد ليس يسير التداول، لأنه جزء من لعبة التحوّل الاجتماعي والاقتصادي، وأنّ إثارة الأسئلة التي تخصّ التجديد والمغايرة، لا يمكن فصلها عن النظام التعليمي، وعن قيم الحرية والوعي وأنسنة الهويات، إذ باتت هذه التمظهرات علامات مهمة لصناعة مستويات فاعلة لتداول الحقوق والحريات العامة والخاصة والعدل الاجتماعي، وهو ما يعني شرعنة تفكيك ما هو مركزي، وما هو مُكرّس في النظام السياسي التقليدي. 
كما أنّ أطروحات (ما بعد الحداثة) قابلة لأنْ تكون مدخلا للحديث عن فاعلية تفكيك المركزيات الثقافية، بما فيها الشعريات المركزية، حيث تفكيك ما هو عُصابي ومهيمن، والدعوة للعودة إلى جوهر الفرد الرافض لها والبحث عن حريته واسئلته، وأحسب أنّ التجاوزات الثقافية التي باتت تثيرها أطروحات النقد الثقافي تمثل أيضا محاولة مفارقة لتفكيك الأنساق المهيمنة، بما فيه نسق القصيدة والسلطة والجسد والدين، وغيرها من السرديات الكبرى التي تكرّست في لاوعينا القومي والإنساني.

القصيدة العمودية وقناع الاستبداد

صور الاستبداد الأدبي تبدت أكثر عمقا في ظاهرة القصيدة العمودية والمهرجانات العمومية، إذ تحولت إلى قناع آخر للاستبداد، فهي تتلبّس وجها للأنموذج التاريخي من جانب، ولظاهرته الصوتية من جانب آخر، فضلا عن كونها مجالا استعراضيا لإشهار البلاغة بحمولتها البيانية والاستعارية العالية، فضلا عما تعمد إليه من تضخيم ظاهرة (الاسماء) التي كرّستها السلطة سياسيا وأيديولوجيا، وهو ما جعل هذه الظاهرة أكثر رعبا في صناعة أشكال معقدة للحوار الثقافي ولتداول السؤال الثقافي. قصيدة العمود هي قصيدة السلطة، بدءا من سلطة الذاكرة والجماعة والقومية والطائفة، وانتهاء بسلطة الحكومات، فلا يوجد شاعر للجماعة أو للأمة أو للحاكم خارج التوصيف العمومي، حيث تكون القصيدة الصوتية مُهيّجة ومُحرّضة وغرائزية، ودافعة لخلق ما يسمى بعدوى التمثّل والخضوع والاستجابة.
من هنا ندرك أهمية تفكيك هذه الظاهرة، وعبر العمل على تفكيك مرجعياتها البلاغية/ السلطوية، وعبر تنشيط (مؤسسة) الحداثة على مستوى صناعة الكتاب، والخطاب، والميديا، فضلا عن مأسسة العمل الثقافي، عبر دعم فاعليات النقد، والتوجهات المدنية التي تتكئ على قيم الحرية والعدل والحق والمشاركة والقبول بالآخر.
توصيف قصيدة العمود ليس موقفا نقديا ضديا، بقدر ما هو توصيف سيميائي لمصادر الهيمنة على العقل العربي، إذ إنّ مرجعيات هذه الهيمنة لا تنفصل عن مرجعيات الهيمنة البلاغية، والهيمنة العُصابية، التي تتداخل فيها سلطة الحكواتي والخطيب مع الشاعر الحافظ لوجود القبيلة والأمة، مع الفقيه والمُفسّر والمستشار.

 

 

 

 

 

 

 

 

/

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* المصدر يومية القدس العربي 

* ناقد من العراق 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقا