كافكا وكاموـ المحاكمات التّي غيّرت وجه الرّوايّة / جيفري مييرز ترجمة: عبد الغني بومعزة
بواسطة admin بتاريخ 7 يناير, 2022 في 03:47 مساء | مصنفة في نوافذ | لا تعليقات عدد المشاهدات : 147.

من الغريب أن دراستين لرواية الغريب لألبرت كامو(1942)، بقلم إنجليش شوالتر وأليس كابلان لم تناقشا التأثير العميق لرواية المحاكمة لفرانز كافكا(1925)، وقد أشار نقّاد آخرون إلى هذا التأثير، أو نفوه أو أعربوا عن أسفهم، فهربرت لوتمان يلاحظ أنّ كامو أثناء كتابة الغريب”قرأ وأعاد قراءة كافكا الذّي بدا له عمله نبويًا، وهي واحدة من أهم الأعمال في عصرنا”، النّاقد جان بولهان- بالتفكير في جمل همنغواي البسيطة، التكرار الفعّال وأسلوب احتواء العنف – أخبر جان بول سارتر أنّ كامو كان مثل كافكا”، لكن سارتر لم يرى كافكا في عمل كامو، أنكره، بينما لاحظ كونور كروز أوبراين بذكاء أنّ الغريب يشبه كافكا والذّي كان يقرأه كامو في ذلك الوقت، رغم الاختلافات الكثيرة بينهما، يدرك كامو جيدًا الحضور الوشيك لكافكا في روايته، قال له أستاذه في مادة الفلسفة جان غرينيه”الغريب ناجح جدًا، لاسيّما الطبعة الثانيّة،على الرغم من التّأثير المزعج لكافكا”- دون تحديد لماذا وجده مزعجًا، ربمّا شعر أنّ التّأثير كان قوياً للغاية وأنّ رواية كامو قد تبدو مشتقة، ردًا على غرينييه في 5 ماي 1940 وقبل نشر الرّوايّة، قام كامو بتحليل موضوع الذّنب في الرّوايتين، أكد على أصالته وشدّد على العنصر الشّخصي في عمله” تساءلت عمّا إذا كنت محقًا في تناول موضوع المحاكمة هذا، لقد كان كافكا بعيدًا عن ذهني، لكن ليس في الشّكل، ومع ذلك، كان الأمر يتعلق بتجربة عرفتها جيدًا، شعرت بها بشدّة(أنت تعلم أنني تابعت العديد من المحاكمات في المحاكم، بعضها كبير)، لم أستطع التخلي عنها لصالح أي مفهوم لعبت فيه تجربتي دورًا أقل أهميّة، لذلك قررت المخاطرة بنفس الموضوع، ولكن بقدر ما يمكن للمرء أن يحكم من خلال التأثيرات الخاصة به، فإنّ شخصيات الغريب فرديّة للغاية، وكلّ يوم، بحيث لا يمكن المخاطرة بربطها برموز كافكا ” .
لقد اعترف بتأثير كافكا لكنّه دافع عنه، بحجّة أنّ رواية المحاكمة رمزيّة واستعارية بينما كتابه واقعي ومبنيي على تجربة شخصيّة، سأوضّح بدقّة كيف أثّر أسلوب كافكا المتشدّد، وروح الدّعابة التّي يتمتّع بها ويأسه الكئيب على ألبير كامو، وأنّ تصويره للجريمة والعقاب في الغريب لا يمكن تصوّره بدون إلهام كافكا، كان لكلا المؤلفين خلفيّة قانونيّة، كان كافكا محاميًا لشركة تأمين في براغ وكامو صحفي غطى العديد من محاكمات القتل المثيرة في الجزائر، كلا الرّجلين مصابين بالسّل وتوفيا في منتصف الأربعينيات من العمر، توفي كافكا بسبب المرض، ومات كامو في حادث سيّارة، شخصيات وإطار كافكا صعبة و غير شفافّة، أمّا كامو فملموسة وموحيّة، لكن الرّوايتين تصفان الإجراءات القانونيّة بشكل غير منطقي وعبثي، يتم التحقيق مع الشّخصيتين من قبل قاضي تحقيق قبل محاكمتهما، جوزيف. ك. في المحاكمة وميرسو في الغريب كلاهما منبوذ ومضطهد بموجب القانون، يحاول كلاهما أن يتوافقا مع توقعات المجتمع رغم انّها ستكون تجربة صعبة ومعقّدة .
المحاكمة :
محاكمة برمّتها هي محاكمة ك، روايّة الغريب تقودنا إلى النتيجة الدرّاميّة لمحاكمة ميرسو، يشعر .ك . بالذنب، لكنّه يجهل الجريمة التّي ارتكبها، ميرسو مدان بارتكاب جريمة قتل”عربي”لكنّه لا يبالي بالعواقب، لا يشعر بالذنب، ك المعذّب يغمره الشّعور بالذنب، يعيش على أعصابه، ميرسو يرضي حواسه، غير مبال، على الرغم من سعيه وراء الحقيقة التعويضيّة، لقد أُعدم دون سبب واضح، تستند فكرة إدانته لافتقاره الواضح للمشاعر الإنسانيّة والاحترام التقليدي بعد وفاة والدته، يصف كافكا الإعدام بينما كامو(الذي عارض عقوبة الإعدام)لا يفعل ذلك، الجملة الأولى المدهشة والسّاحرة للمحاكمة، بما تتضمّنه من مفارقة”لابد أنّ شخصًا ما قام بترجمة جوزيف ك، لأنّه دون أن يرتكب أي خطأ، تمّ إلقاء القبض عليه ذات صباح رائع” ، أصداء النص الصّباحي الأكثر إثارة للدهشة، الجملة الأولى من رواية المسخ”بينما استيقظ غريغور سامسا ذات صباح من أحلام قلقة، وجد نفسه متحولّا في سريره إلى حشرة عملاقة”، في كلا العملين، التغيير المفاجئ في حياة الشخصيّة الرّئيسيّة لم يتم تفسيره أبدًا ولكنّه يؤدّي في النهاية إلى موته القاسي، هذا الافتتاح الدّرامي يزعج الرّوتين الهرمي والمنظم لجوزيف ك، في النزل الذّي يقيم فيه وهو نزل مخصّص لأفراد الطبقة المتوسّطة، انّه جائع لكنّه لم يحصل على فطوره المعتاد، تحدّق فيه امرأة عجوز في الجوار بوقاحة من خلال النافذة دون ستارة، بدلا من أن يجلب الخادم الطعام، يظهر حارسان فجأة في غرفته واعتقلاه وهو في الفراش، عاجز وبدون ملابسه الخارجيّة، عاري، حرّاس متطفّلين وغليظين، يرتدي أحدهم ملابس سياحيّة متقنة ولكنّها غير ضروريّة، يضحك على طلبه لتناول الإفطار – الأوّل في سلسلة من الرّفض اللامتناهي في الرّوايّة، ضباط الشّرطة المزعومين هم أنفسهم يخرقون القانون، ويخترقون خصوصيته، يسرقون وجبته وينهبون حجرة جاره” فرويلين بورشتنر”الجميلة، يشعر .ك . بالقلق لأنّه ليس لديه وقت للاستحمام في الصّباح ويخشى أن يتأخر عن عمله في البنك، على الرغم من اعتقاله رسميًا، إلا أنّه لم يتم احتجازه لدى الشّرطة أو حتّى حجزه في منزله، يُسمح له بمغادرة المبنى ومحاولة عيش حياة طبيعيّة، مذنب بين القيد والحريّة لكون القانون في نفس الوقت متساهل وقمعي ومضحك وخطير، يتصرّف كما لو أنّ سوء الفهم المؤسف هذا يمكن تبديده بسرعة .
***
انفجر كافكا وأصدقاؤه من الضّحك عندما قرأ لهم الفصل الأوّل من الرّواية، ك .ملزم بأخذ الأمر على محمل الجد، يصر على السّلوك الصّحيح ويكافح من أجل الحفاظ على الكرامة التّي سلبت منه فجأة، في حالة يأس، يطرح الكثير من الأسئلة المهمّة، لكن جميعها تظل بلا إجابة وتستمر في إثارة فضول القرّاء وكذلك بطل الرّواية(سأل القاضي ميرسو مرارًا وتكرارًا عن سبب إطلاقه النّار على الضحيّة، لكن لم يحصل على إجابة)، السّؤال الأوّل والأهم هو من قام بالإبلاغ عن ك يبدو أنّه بريء و وجه الاتهام الباطل الذي أدّى إلى اعتقاله المؤسف،كما يسأل”من هم المسئولون؟،ماذا يفعلون هنا؟،ما هي السّلطة التّي يمثلونها ؟، من تجرّأ على العبث بمحتويات غرفتي؟، الاستيلاء عليها، لماذا أوقفوه بهذه الطريقة العبثيّة؟”، على الرغم من التذرّع بإجراءات الشّرطة وحقوقها المفترضة، يطالب بإجابة، يردّ الحرّاس بحدّة” نحن لا نجيب على مثل هذه الأسئلة، لا حق لنا إخبارك، يفترض ك أنّ القانون يمكن قراءته وفهمه وسيحميه، لكنّه في الواقع القانون غامض ومتقلب وعدائي”، يعكس كافكا حبكة القصّة البوليسيّة التّقليديّة، في المحاكمة يشرع ك في البحث عن الجريمة وليس المجرم، تأتي العقوبة قبل الجريمة،للمحكمة سلطة حقيقيّة لكنّها موجودة في أماكن محفوفة بالمخاطر وتعمل في ظل ظروف غامضة بحيث يتم الاحتفاظ بسريّة التهم والإجراءات، ك لا يستطيع أبدًا الدفاع عن نفسه أو تقديم التماسه شخصيًا، محاموه عاجزون مثل موكّلهم، وهو يحاكم أمام محكمة مراوغة، يخشى من أن يطرده البنك الذي يعمل فيه وعمّه كارل غير مفيد، قلق بشكل رئيسي بشأن سمعة العائلة، أنت لا تعرف أبدًا ما إذا كان ك بريئًا أم مذنبًا، ولكن في كلتا الحالتين، فإنّ العقوبة هي نفسها، انّه معذّب بفكرة الإدانة لكنّه لا يستطيع إثبات براءته، وخلافًا للممارسات القضائيّة الرّاسخة، لا يتعيّن على المحكمة إثبات أنّه مذنب، هناك قوّة جذب قويّة بين القانون القاسي والذنب المقرّر، على الرغم من أنّه من المستحيل الفوز بقضيتك، إنّه مضطر للمقاومة، يُنصح ك أن ينسى فكرة الذّنب وفي نفس الوقت يجب أن يعترف بأنّه مذنب، بالإضافة إلى جريمته الغير المحدّدة، فهو مذنب أيضًا بالطعن في السّلطة المطلقة للمحكمة من خلال محاولة إثبات براءته، كما كتب لويس كارول في مغامرات أليس في بلاد العجائب” الجملة أولاً، الحكم بعد ذلك”.
على الرغم من أنّ كافكا نفسه يشعر بالذّنب حيال الكثير من الأشياء- كراهيّة والده، عدم احترام ديانته اليهوديّة، ونفور من عمله التّأميني،وعدم قدرته على تحقيق الكمال الفنّي، سوء معاملة النساء(خاصة فيليس باور التّي كانت مخطوبة مرتين لكنّه لم يتزوجها قط)،وعدم وجود أطفال يحملون اسم العائلة – شعر أيضًا بالذنب بسبب مرض السّل المعدّي والقاتل، كان يعتقد أنّ مرضه”الجريمة التّي عزلته وميّزته عن الرّجال الطبيعيين الأصّحاء كما كتب في يومياته، فإنّ مرضه جعله”غير قادر على العيش مع الناس والتحدّث معهم، الانغماس التّام في داخلي، التفكير في نفسي، لا مبالي”، غبي، خائف، في الرّواية، يشارك ك أعراض كافكا عندما يضطر مع ضعف الرّئتين إلى التقاط أنفاسه، عندما يصعد الأدراج المؤدية إلى مكتب المحاماة الواقع تحت السّقف المحروق من البناية التّي يقع فيها المكتب، يكون الهواء”مختنقًا وثقيلًا، بالكاد يسمح بالتنفس”، في أستوديو تيتوريلي”الجوّ الخانق والقمعي جعله غير مرتاح جدا، كان على استعداد لابتلاع حتّى قطع من الضّباب إذا كان بإمكانه الحصول على بعض الهواء فقط”، رئتي ك التالفة وعدم قدرته على التنفس تجعله يلاحظ ويتعاطف مع المنبوذين المشوّهين الآخرين الذّين يشبهون ضحايا حوادث العمل التّي يحقق فيها كافكا بشكل احترافي،” فرويلين مونتاغ” وشمّاس الكنيسة كلاهما يعرجان وقاضي التحقيق يكاد أن يكون قزما، مراهق أحدب يدفعه نحو أستوديو تيتوريلي، التشوّه الجسدي لأحد الشخصيات واسمها”ليني”يجعل أصابعها تبدو وكأنها برمائيات” رفعت يدّها اليمنى ومدّت أصابعها الوسطى، التّي وصل بينها نسيج الجلد المتصل تقريبًا إلى المفصل العلوي، قصيرة مثل الأصابع، يصيح”يا لها من مخلب صغير جدًا!، يا له من وحش الطبيعة!”، وبعد أن لعب بهم قبّلها قبل أن يتركها، هناك عشرات الإشارات في جميع أنحاء الرّواية تشير إلى الأيدي الضّعيفة للأشخاص المعزولين والغير الفعالين والذين يحاولون التواصل مع الآخرين من أجل التعاطف والرّاحة، لكنّها شخصيات تفشل في إقامة اتّصال بشري هادف، لقاءات مؤثّرة مع أربع نساء”فراولين بورشتنر”،” فراولين مونتاغ”،” ليني”،هذه الأخيرة يبدو من طريقة حياتها انّها مومس تشارك مع العديد من الرّجال الآخرين ولكنّها تعرض نفسها على ك ، والممرّضة الخبيثة التّي تعانقه، لكن أي شخص يحاول تقديم مساعدة جنسيّة أو عاطفيّة أو عائليّة أو قانونيّة يفشل ك في التعامل معها(يحيل هذا إلى علاقة كافكا المعقّدة مع النساء)، لا يزال محبطًا، كما أنّه لا يحصل على مساعدة من أركان المجتمع الأربعة: القانون والبنك وفن تيتوريلي وإله شمّاس الكنيسة .
***
أربعة مشاهد حاسمة تضيء المحاكمة الغير المكتملة، العرضيّة والغامضة، في البنك وفي أستوديو تيتوريلي(النزل الذّي يقيم فيه ك)”أمام القانون”والتنفيذ، في البنك، يمرق ك باب غرفة التّخزين ويرى شخصًا قويًا نصف عاري يرتدي ثوب جلاّد ،الحارسان اللذان اعتقلوه، ويليم وزميله كاتب السّير الذّاتيّة فرانز أخبراه”يجب أن نُجلد لأنّك اشتكيتنا لقاضي التحقيق ولأننا أكلنا طعامك وسرقنا ملابسك”، يتعاطف مع الضّحايا ويحاول إطلاق سراحهم، ولكنّ لا يمكنه أن يوقف العقوبة الشّديدة التّي تنذر بمصيره، يطلب الحرّاس الرّحمة لكن يجب جلدهم، كما يقول الجلاّد”العقوبة كما هي حتميّة، أنا هنا لأجلد الناس، و سأجلدهم”، عندما قطع السّوط اللحم لأوّل مرّة”صرخة خارقة تنبعث من حلق فرانز، فريدة من نوعها ولا رجوع عنها، ولا يبدو أنّها صادرة عن إنسان، ولكن من بعض الآلات الاستشهاديّة، تتردّد معه في كلّ القاعة حيث كان بإمكان المبنى سماعها ، ك لا يصيح، احتدم غيظا وهرب من الغرفة”، يفكّر في استبدال نفسه”إذا كان الأمر يتطلب تضحيّة، لكان من الأسهل تقريبًا استبدال الجلاّد”، لكنّه سرعان ما يغيّر رأيه كما هو الحال عند اعتقاله .
هناك عنصر كوميدي في المشهد المأساوي عندما يعترف الجلاّد أن فيليم” يحشو نفسه ببقايا وجبات الإفطار التّي يتركها الجميع”(هناك أيضًا مشهد هزلي في رواية الغريب عندما أخبر ميرسو المحبوسين”العرب”في السّجن بأنّه قتل للتو عربيًا)، كما في حالة ك فإنّ جريمة الحرّاس بسيطة وعقابهم غير عادل وشديد، وفي تصريح يجعل كلمة”نهائي”و”حكم البراءة” كلمة عبثيّة، يُبلّغ ك أنّ هناك ثلاثة احتمالات(الحكم بالبراءة النّهائية، التبرئة الظاهريّة، التّأجيل إلى أجل غير مسمّى)، و عندما يشير إلى تناقضات الحجّة، يشرح له تيتوريلي قائلا”عليك أن تميّز بين شيئين،ما هو مكتوب في القانون وما اكتشفته من خلال التجربة الشّخصيّة”، بالنسبة ل(ك)لا يرى القانون مكتوبًا أبدًا وفي نفس الوقت محاصر من قبل المحكمة، يتعرّض للمضايقة بسبب إحباطه وعجزه، و لكنّه يحتفظ ببراءته متحديا بذلك المحكمة، مع علمه انّه يدرك انه لا يستطيع اختيار بين “البراءة النهائيّة”الأكثر استحسانًا لكنّها مستحيلة، بينما الخياران الآخران يمثّلان مشكلة أيضًا، يعلن تيتوريلي باكتئاب”من الممكن بقدر الإمكان أن يعود الرّجل الذّي تمّت تبرئته إلى منزله مباشرة من المحكمة ويجد ضبّاطًا ينتظرونه لاعتقاله مرّة أخرى،البراءة الثّانيّة يليها القبض الثّالث، والبراءة الثالثة يليها القبض الرّابع، لذا فقضية ك يائسة وعقوبته نهائية لكن غير واضحة “، يُعتبر المثل”قبل القانون” الذّي رواه كاهن الكاتدرائيّة لـ(ك)،أشهر حلقات المحاكمة وأكثرها إثارة للحيرة، رجل يتوسّل ليتم قبول قضيته ومحاكمته، يقول البوّاب الذي لا يختلف كثيرا عن الجلاّد والحرّاس والقضاة بسبب قسوته، إنّه قد يُسمح له بالدخول ولكن لن يحصل على أكثر من التأجيل إلى أجل غير مسمى، انه نوع من الخداع المطوّل الذي لا يطاق، لن يحصل على مراده، أثناء ولوج ك القاعة وفتحه الباب يجد الحرّاس وهم يُجلدون، وبالمقابل وللغرابة وفي مشهد آخر، رغم أنّ هذا الباب مفتوح، إلا أن المتّهم المشلول لا ينتهز الفرصة للدخول بسبب الخوف والعقاب، يعطيه البوّاب كرسيًا وينتظر بصبر لأسابيع وشهور وسنوات !!، في الغريب كان عامل دار رعاية المسنّين الذّي قضى السّهرة مع ميرسو”يتمتّع بمكانة معيّنة وسلطة معيّنة على الآخرين”، نفس الشّيء ينطبق على بوّاب قاعة المحكمة، فهو يقبل الرّشاوى ولكنّه لا يستطيع إدخال الرّجل لسبب ما يبقى مجهولا،يسأل أخيرًا” كيف يحصل هذا؟، بعد كلّ هذه السّنوات لم يأت أحد لتقديم طلب المثول سواي؟ “، فقيل له بنبرة متسلطة وغير مبالية”لا يمكن لأحد غيرك أن يدخل من هذا الباب، لأنّ هذا الباب كان مخصّصًا لك، سأغلقه الآن، البوّاب عازم على صرف الرجّل المتوسّل، مع العلم انّه كان يخدعه عمدًا بإمكانيّة دخوله من الباب المخصّص له دون السّماح له”، ما يريد كافكا قوله هو انّ الإنسان المستعد للانتظار إلى الأبد ليبرّئ نفسه، لا يستطيع ممارسة إرادته الحرّة وليس لديه فرصة للخلاص في مجتمع تحكمه قوانين جائرة ذات طبيعة هرميّة، يقترح كافكا أنّ المحكمة تعتقد أنّ ك عديم القيمة وقابل للاستغلال هذا من خلال ترديد صدى”مزمور ١٢١: ٨”(الرّب يحفظ رحيلك ودخولك)، ولكن بعكس مغزى رسالته المعزيّة، يردّد الجزء الثاني من هذا المزمور(يستقبلك عندما تأتي ويطردك عندما تذهب)، إنّ المحكمة إله قاس و سلطة غير مباليّة تدمّر ك ولا تحميه .
***
الغريب :
رواية الغريب التّي نُشرت بعد سبعة عشر عامًا من المحاكمة ، كان له أيضًا افتتاحية مفاجئة وأسطورية :
” أمّي ماتت اليوم … وربّما كان ذلك بالأمس، لست ادري، فقد تلقيت برقية من دار المسنين تقول :” ماتت الأم، الدّفن غدا، تحيات طيّبة” ، وهذا لا يعني شيئا، فربّما كان ذلك بالأمس”، على الرّغم من أنّ البرقيّة من بدت غامضة بشأن التّاريخ المحدّد لوفاتها، إلا أنّ عدم يقين ميرسو يستخدم ضدّه أثناء محاكمته، عندما وصل إلى دار المسنّين بمارينجو – بلدة سميّت على أحد انتصارات نابليون في شمال إيطاليا وتقع على بعد ساعتين غرب الجزائر العاصمة- ، يرفض ميرسو التصرّف بطريقة تقليديّة وإتّباع الطقوس المعهودة باحترام الموت والحداد والجنازات، لا يتذكّر الذكريات الطيّبة، ولا يستمع إلى عبارات التعاطف، لا يحترم الموتى وذكراهم ولا يبكي لإظهار حزنه لإرضاء من هم في حداد، يجهل عمر والدته، ولا يريد أن يرى جثّتها في التّابوت المفتوح ولا يرفض تناول فنجان من القهوة بالحليب يسيل اللعاب، يدخّن السّجائر في المنزل ويتوق إليها في زنزانته لكنّه يرفض السّيجارة التّي يعرضها عليه ضابط شرطة(عدوّه الرّسمي)، يتناقض إحجام ميرسو عن البكاء مع التنهّدات المستمرّة لأقرب أصدقاء والدته وإغماء صديقها المقرّب بيريز في الجنازة ، من المدهش أنّه، أي ميرسو الصّامت والأناني غير مبال بالجوانب المهمّة في حياته، هو غير مبال بوفاة والدته، يحب صديقته ماري بطريقته الخاصة ويرفض عرض الزّواج، صداقته مع القوّاد ريمون غريبة و”منحرفة”(ليس كلّ شخص يرتبط بصداقة مع قوّاد منحرف)، الأكثر غرابة في تصرّفاته رفضه عرض الوظيفة في باريس(عرض يحلم به زملاءه في العمل)،”استدعاني رئيس العمل، فتضايقت لأنّني اتقدت انّه سيطلب مني إقلال الاتصالات الهاتفيّة و زيادة العمل، و لكن المر لم يكن كذلك على الإطلاق، فقد قال، انّه سيحدّثني عن مشروع لم يتحدد بعد، و قد كان يريد أن يعرف رأيي حوله ، لقد كانت لديه النيّة إنّ يفتتح مكتبا جديدا في باريس، ليتعامل من هناك مباشرة مع الشركات الكبرى، وكان يريد أن يعرف ما إذا كنت مستعدا للعمل هناك، ثمّ أضاف، ان ذلك سيسمح لي بالعيش في باريس، وأيضا السّفر والرّحلات”، و تفاجأ رئيسه من ردّة فعل ميرسو الغير المبالية والسلبيّة عندما قال”اننا لا نستطيع أن نغيّر من مسار حياتنا، وعلى أيّ حال فانّ كلّ شيء في النهاية يتساوى لديّ، وانّ كانت حياتي هنا ليست سيّئة على الإطلاق، فبدا عليه الغضب، وقال انّ إجاباتي لا تعني شيئا، وانّه ليس لديّ طموحات، وانّ ذلك يجلب الخراب لأيّة مشروعات” .
ينفجر العنف الكامن داخل ميرسو منذ إن أصبح ملازما جاره المريب، لديه علاقة مشبوهة وغير مفهومة مع ريمون القاسي الذّي يعيش في نفس البناية التّي يقطن فيها ميرسو، يضرب رجلاً يدفعه إلى الشّجار ويعتدي على صديقته” العربيّة”ممّا أدّى إلى مواجهات عدائيّة مع شقيقها ورفاقه، جار آخر قريب من ميرسو هو سالامانو المثير للشفقة و العنيف، يضرب كلبه الأجرب والذي يهرب ويضيع(ربّما قرأ كامو قصّة توماس مان الأولى، توبياس ميندرنيكل، سنة 1898، والتّي تصوّر رجلًا عجوزا بائسًا يضرب ويقتل كلبه العصيان)، على الرغم من أنّ معنى اسم سالامانو غير واضح، إلاّ أنّه يشير إلى مبيعات كبيرة وأيادي قذرة(عنوان مسرحيّة سارتر عام 1948)، يعد ضرب ريمون لصديقته و ضرب سالامانو لكلبه انعكاسات قاسيّة على لامبالاة ميرسو بوالدته، كانت والدة كامو كاثرين سينتيس، صماء وضعف السّمع وأميّة، عودة لكافكا نجد أنّ هذا الأخير دعا شخصياته فرانز ك وأعطى كامو بشكل منحرف اسم والدته قبل الزّواج إلى القوّاد ريمون سينتيس، أرسل ميرسو والدته إلى دار رعاية المسنّين لأسباب وجيهة وليست قاسيّة، لم يعد بإمكانه تحمل نفقات إعالتها في شقته، إضافة إلى هذا فهو لا يجد ما يقوله لها، بالكاد يتحدّثان مع بعضهما، أو، بالأصح نادرا ما يتحدّثان،كانت المسكينة تتجوّل في الشقّة الضيّقة لوحدها لعدم وجود أحد تحدّث معه، بينما في دار رعاية المسنّين وجدت راحتها، عثرت على أصدقاء تتحدّث معهم،ملاحظة مهمّة وجديرة بالتوقف عندها وهو مشهد السجّين الشّاب الذّي يجلس بصمت مع والدته خلال ساعات الزّيارة يعكس عدم قدرة ميرسو على التواصل مع والدته الصّامتة .
يشير كامو إلى الشّمس المهدّئة والعقابيّة وآثارها العنيفة(مذكورة عشرون مرّة)، الحرارة(ستّة عشر مرّة)، الوهج ( ثماني مرّات)، لدى ميرسو وريمون ثلاث مواجهات مع الشّمس عندما كانا على الشّاطئ مع”العربي”ورفاقه،أوّلا، يسبّب جرح بليغ تعرّض له ريمون في ذراعه وفمّه(يحيلنا هذا إلى الحادثة الحقيقية التّي حدثت على احد شواطئ وهران لصديق كامو اسمه راوول بن سوسان الذّي تشاجر مع”عربي”وأصابه هذا الأخير بجروح بليغة في ذراعه وفمّه)، مع العلم انّ هذا الأخير، أي ريمون كان اعزلا، عاد أدراجه مع كامو إلى الكوخ حيث تمّ علاجه، بعدها أحضر مسدّسًا و واجه” العربي ” ورفيقه للمرّة الثّانيّة لكنّه يقول”إنّ إطلاق النّار عليه بهذه الطريقة، بدم بارد، سيكون خفة”، يختفي”العربي”فجأة، في المرّة الثّالثة، يأخذ ميرسو مسدّس ريمون بدون سبب وجيه ويواجه”العربي”وحده ولا يظهر أي ضبط للنفس أو ندم ، دفعته حرارة الشّمس و وهجهها السّاطع، بدلاً من الدّافع الواضح لارتكاب جريمة قتل لا مبرّر لها، بنظرة رائعة، نصح أندريه مالرو كامو بتحسين مشهد القتل الحاسم من خلال ربط الشّمس وسكّين الضّحيّة، ينعكس لهيب الشّمس السّاطع على السكّين فيفقد ميرسو القدرة على النظر،وتجعله يصاب بالدّوار، ويصبح سلاحًا آخر يستخدم ضدّه، يصف كامو القتل على أنه سلسلة من الأحاسيس المتناقضة والغير المفهومة،الأعصاب واللمس والصّوت والعرق و البصر والضّوء، كلّ عصب في جسده كان زنبرك من الصّلب، كان قد أغلق قبضته على السلّاح، ضغط على الزّناد بدون تردّد أو تفكير، بالتّالي، مع هذا الصّوت الواضح والنقي، بدأ كلّ شيء، أو لنقل انهار كلّ شيء في عالم ميرسو، كتب كامو” فكان الضّوء يعكس فوقها(السكّين)وكأنّه نصل طويل ملتهب وقد امتدّ ليصيب جبهتي،في تلك اللحظة، راح العرق المتجمّع بين حاجبي يسيل فوق جفوني ويغطيها بحجاب دافئ وسميك، فلم اعد أرى شيئا خلف تلك السّتارة من الدّموع المالحة، لم اعد اشعر الاّ بضربات الشّمس فوق جبهتي والبريق الخاطف المنبعث من السكّين الممدود في مواجهتي، ذلك البريق الذّي كان يحرق رموشي ويخترق عيني المتعبتين،في تلك اللحظة بالضبط، حدث ما حدث، فقد أرسل البحر ريحا ثقيلة ملتهبة، و خيّل لي انّ السّماء قد انشقت عن آخرها وراحت تمطر نارا، فتقلصت كلّ جوارحي، وتشبثت يدّي بالسّلاح، بالمسدّس، و ها هو ذا الزّناد يلين تحت أصابعي، وهاهي ذي الضّوضاء الجافة المرتفعة التّي من خلالها بدا كلّ شيء، نفضت العرق و الشّمس، وعندها أدركت انّني كنت بالفعل قد كسرت هدوء ذلك اليوم، وكسرت صمت ذلك الشاطئ الذّي كنت سعيدا فوقه” .
***
سأله القاضي مرارًا عن سبب إطلاقه خمس رصاصات على الرّجل وهو جثّة، فيجيب بأنّها الشّمس، وأحيانا لا يحصل على الرد، لم يكن ميرسو يمتلك سلاحا ولم تتشاجر مع أحد من قبل، حتّى”العربي”لم يتشاجر معه بضغينة ما، لقد أطلق النار خمس مرّات لإظهار أنّه يتمتّع بحريّة التصرّف وأنّه مسيطر. لقد تصرّف عمدا، في كامل قواه العقليّة، بقصد قتل الضحيّة، وبذلك كان قد دمّر سعادته عمدا، أعيد النظر في سلوك ميرسو المشين خلال جنازة والدته من قبل القاضي ثمّ المدّعي العام أثناء محاكمته، إنّه متّهم وبأنّه غير حسّاس للغاية وعاجز عن التعبير عن حزنه، يصدم محاميه الذّي عينته المحكمة ويحذّره من تكرار اعتقاده التجريم في المحكمة قائلاً”كلّ النّاس العاديين كانوا يرغبون أكثر أو أقل في موت أحبّائهم،إنّه يعني فقط أنّ النّاس لا يمكنهم الوقوف لرؤيّة الانحطاط، المرض ومعاناة أحبّائهم، يريدون إنهاء عبء العناية بهم و(في كثير من الأحيان)حريصين على تأمين ميراثهم الذي طال انتظاره”، يخبر ميرسو القاضي والكاهن أنّه(مثل والدته)لا يؤمن بالله ولا يندم على القتل باستثناء الإزعاج الذّي سبب للآخرين عن دون قصد، من المهم أنّه رفض الحداد على والدته ولكنّه أراد أن يبكي في المحاكمة، بعد أن ظهر صاحب المطعم سيليست كشاهد متعاطف ويصف القتل بأنّه حادث بسيط، يريد ميرسو تقبيله رغم أنّه رفض تقبيل والدته، في السّجن،يرفض عرض الكاهن الذي يريد تقبيله، الملفت للانتباه انّه تمّ محاكمة ميرسو على عدم تعبيره عن مشاعره إزاء التجارب الإنسانية، عدم بكاءه على أمّه، بينما يبقى أمر الضّحية”العربي”مبهما، بمعنى آخر، انّ قتله في هذا المجتمع الاستعماري لا يهم حقًا، أو قد يكون مبرّرا في بعض الأحيان، فعلى المحكمة أن تجد أسبابًا أخرى لإدانة ميرسو واستخدام شخصيته الدّنيئة لشرح سلوكه الشّائن، يصف كامو كيف يظهر الجزائريون تحت الاستعمار الفرنسي على أنّهم”كتل من الحجر أو الأشجار الميتة”(كيانات غير مهمّة)، ومع ذلك لا يمكن لميرسو إسقاطهم، يسأل محامي ميرسو بشكل معقول”هل موكلي يحاكم بتهمة دفن والدته أو قتل رجل؟”، لكن القاضي يرى صلة حيوية بين الجنازة والقتل، وهي مفصلية نفسيا، في تطوّر كافكاوي يدينه قبل أن يرتكب الجريمة، ويتّهم القاضي السّجين بأنّه تصرّف في جنازة والدته بطريقة أظهرت أنّه كان بالفعل مجرّما في القلب، و عندما نلخص الأمر نقول بانّ ميرسو لأسباب خاطئة، ليس لقتل العربي، بل لأنّه لم يبكي في جنازة والدته، ولذهابه للسباحة والنوم مع ماري ومشاهدة فيلم كوميدي في اليوم التالي(في تناقض واضح، دعا ماري لمشاهدة فيلم فرناندل في المساء لكنّه اصطحبها في الصّباح)، بعد إعلان عقوبة الإعدام، تلقى ميرسو نفس التعاطف المحترم الذي تلقاه عند وفاة والدته .
***
توضّح محاكمة ميرسو وإدانته اعتقاد كامو الوجودي بأنّ حياة الإنسان عبثيّة، يصيح ميرسو بالعدم كما لو أنّ الجميع يتفق معه” وبأنّ الحياة لا تستحق العيش، لا شيء، لا شيء مهم”، في الفقرة الختاميّة القويّة، يربط موت والدته بموته، و من المفارقات أنّه يشعر بأنه معمَّد وسعيد وحر،” أنا أيضا أحسست إنّني مستعد أن أبدا الحياة من جديد، وكأنّ تلك الغضبة الكبرى قد خلصتني من الشّر وافرغتني من جديد، في ذلك الليل الذّي يفيض بالنجوم، أحسست للمرّة الأولى بعذوبة ورقّة اللاّمبالاة، وأحسست إنّني كنت سعيدا في يوم من الأيّام،ولازلت حتّى الآن،أتمنّى أن ينتهي كلّ شيء”، يبدو هذا المقطع أكثر بهجة بالفرنسيّة” كما لو أنّ هذا الغضب العظيم قد طهرني من الشّر، وخالي من الأمل ، أمام هذه الليلة المليئة بالعلامات والنجوم، فتحت نفسي لأوّل مرّة على اللامبالاة الرّقيقة للعالم :
” ‘Comme si cette grande colère m’avait purgé du mal, vidé d’espoir, devant cette nuit chargée de signes et d’étoiles, je m’ouvrais pour la première fois à la tendre indifférence du monde.’
إنه يشعر بالارتياح عندما ينظر للسّماء المرصّعة بالنجوم، والكون، إن لم يكن حميدًا تمامًا، على الأقل ليس عدائيًا، يقول ميرسو إنّه يأمل أن يستقبله الحشد الهائل من المتفرّجين عند إعدامه العلني” بعواء الإعدام”،على الرغم من أنّه أراد البكاء في المحاكمة عندما أدرك أنّ الجميع في القاعة يكرهونه، إلا أنّه يرحّب الآن بلعناتهم وكرههم، يريد أن يظهر عدم اكتراثه بحكمهم، ويقبل عقوبته وربّما يحصل على تبرئة من جريمته، ومن المفارقات أنّ التهديد بالموت يمنحه نهجًا أكثر إيجابية في الحياة،الفارق الجوهري بين كافكا وكامو هو أنّ جوزيف ك يسعى جاهداً للاعتقاد بأنّ هذه الحياة، بما في ذلك الله والعدل والقانون، كلّ هذه الرّموز لها معنى، أمّا ميرسو فيؤمن بأنّ الحياة ليس لها معنى، وأنّه لا يوجد إله ولا طريقة”صحيحة”للعيش، لذا لا يكلف نفسه عناء التصرّف بطريقة طبيعيّة مع مراعاة الطقوس”البشريّة”التّي تؤثث حياتهم اليوميّة، يستخدم المؤلفان أسلوبًا واضحًا ودقيقًا ولكنّه مثير للذكريات لتمثيل الشخصيات، يشير كافكا، على سبيل المثال إلى أنّ”خيوط مئزر المالك أحدثت جرحًا عميقًا بشكل غير معقول في جسدها الضّخم”، أمّا كامو فكتب بنفس الطريقة عن النساء المسنّات في الجنازات”الخيوط المشدودة حول خصورهن جعلت بطونهن الدهنية تنتفخ أكثر”،
الشخصيات الرّئيسيّة في الرّوايتين مختلفتين، ك موظف صغير مقهور ذاتيا ويعيش تحت سلطة البيروقراطيّة، سخيف إلى حد ما ولا يعرف أبدًا ما يحدث له، يحدّد ميرسو مصيره، ويحكي قصّته ويفهم محاكمته، بالمقابل لا تزال الأجواء و المواضيع في النصين السّرديين متشابهة، جريمة جوزيف ك جريمة سريّة، جريمة ميرسو علنيّة، ك يقاوم القانون، ميرسو يخضع له، ك مرعوب وبائس في مدينة معاديّة في وسط أوروبا، يندفع بشكل محموم عبر الشّوارع المظلمة و الممرّات الضيّقة،يشعر ميرسو الحسّي والهادئ بالرّضا والرّاحة في البحر المتوهّج والضّوء المبهر لساحل البحر الأبيض المتوسّط إلى أن تصبح الشّمس عنيفة ومعاديّة، ك عصابي وثرثار، ميرسو غريزي ومقتضب، حاول ك أن يتوافق مع توقعات المجتمع، بينما يرفض ميرسو القيام بذلك، ك عدوّ المحكمة المراوغة، أمّا عدوّ ميرسو فهو ضحيته”العربي”، لدى ك علاقات محبطة مع العديد من النساء، ويحصل ميرسو على المتعة الجنسيّة من ماري الجذّابة، ك يطوف بحريّة و عقوبته عقليّة، يُسجن ميرسو وتكون عقوبته جسديّة عندما يتمّ حبسه أخيرًا في زنزانة بدون زميل أو سيجارة، لم تبدأ محاكمة ك أبدًا، بينما محاكمة ميرسو تقام وتأخذ مجراها الطبيعي ويصدر في ختامها حكما بالإعدام، في النهايّة يتدهور الوضع الصحّي ل(ك)، لا يشعر ميرسو بالوحدة وفي لحظة ما يشعر بسعادة غريبة، سعادة تعكس شخصيته الغير المباليّة ، تتطابق لامبالاة الكون مع مزاجه الخاص، من المؤكّد انّه اكتسب رؤيّة جديدة، ويشعر بأنّه متحرّر شخصيًا وحرًا فكريًا ويقبل مصيره بكل عبثه .
على الرغم من هذه الاختلافات،هناك أوجه تشابه مهمّة بين الرّوايتين، وقد اعتمد كامو على العديد من خصائص وأفكار جوزيف ك عند تشكيل شخصية ميرسو، كما هو الحال في المحاكمة، فإنّ قضيّة ميرسو معقدة، ويجب أن يكون لديه محام يفهم الشّفرة الغامضة والمربكة لآلة العدالة،لكن المحاميين غير فعّالين بشكل ميئوس منه، لا تسعى المحكمة إلى توضيح الحقائق، ولا أحد يفهم شهادة الشّهود وميرسو متّهم بكونه مجرم في جوهره،يركّز القاضي على الدّوافع الغامضة للمجرم أكثر من التركيز على الجريمة نفسها ويعلن”ما يهمّني حقًا هو أنت!”، لكن ميرسو، مثل ك، لا يعتبر نفسه مجرمًا و يواصل التفكير كرجل حر، عندما قال للقاضي بسذاجة إنّ”موت أمّي لا علاقة له بالتهمة الموجّهة ضدّي، اكتفى بالإجابة بأنّ هذه الملاحظة أظهرت أنني لم أضطر أبدًا إلى التعامل مع العدالة”، مثل ك ، لدى ميرسو احتمالات قضائيّة تعدّ على أصابع اليد وغير مجدية”القتل العمد مع سبق الإصرار، الظروف المخففة”، قبل كلّ شيء، مصير الشخصيتين مقدر سلفًا، وليس لديهما فرصة للتبرئة، لا يدّعي ميرسو اللامبالاة بشكل كبير، خاصة بعد تعرّض صديقه ريمون للطعن، لقد شعر بالتهديد وتصرّف دفاعًا عن النفس،لذلك فهو أيضًا محاصر بشكل لا رجعة فيه في مصيدة الفئران ولا يمكنه الهروب من”آلات العدالة العنيفة”.

اترك تعليقا