كتابةُ الذاتِ: دراسةٌ في أعمالٍ مختارةٍ لدوريس لسنغ / لندا سكوت ترجمة: د. هناء خليف غني
بواسطة admin بتاريخ 13 فبراير, 2022 في 03:06 مساء | مصنفة في نوافذ | لا تعليقات عدد المشاهدات : 134.

اعتاد النقاد مناقشة روايات الكاتبة البريطانية دوريس لسنغ وتحليلها وفق المقاربات التحليل-نفسية واليونغية (نسبةً إلى عالم النفس كارل غوستاف يونغ) مستندين في ذلك إلى تفاصيل نصيةٍ معينةٍ مثل أحلام الشخصيات الرئيسة. وفي حين ركزت هذا المقاربات على بحث الشخصيات الدائب عن الذاتية والإنفرادية، لم يوظف النقاد المقاربة التحليل-نفسي توظيفًا موفقًا في تحليل روايات التمثل الذاتي (self-representation) التي تمثل كذلك بحثاً عن الذاتية وبناءً لها. في هذا البحث، سأناقش حلقات الوصل بين مناهج التحليل والعلاج النفسيين وروايات التمثل الذاتي في سياق عملين هما: (المفكرة الذهبية) و(مذكرات جين سومرس) إضافةً إلى مجموعة منتخبةٍ من مقالات لسنغ السيرذاتية، و(تحت جلدي)، التي تُمثل الجزء الاول من سيرتها الذاتية المنشورة في 1994.
ولأن “كتابة الذات” هو محور هذه المقالة، ارتأيت البدء بدراسة فكرة لسنغ عن الذاتية في هذه الروايات إلى جانب سيرتها الذاتية لاعتقادي أن (تحت جلدي) هي مثالٌ لما تسميه المنظرةُ ما بعد الحداثية، لندا هتشيون، “الميتارواية التريخية1. وإذا كان المشروع النصي السير ذاتي يعني الكتابة الواعية ذاتيًاً والمتعمدة لذات المرء إلى جانب اختلاق بنيةٍ “قصصيةٍ”، فإن لسنغ تعمدت عرض القصة والحقيقة بوصفهما وجهين لعملةٍ واحدةٍ. الميتارواية التاريخية، وفقاً للناقدة والنسوية هتشيون هي الرواية “التي تُعرض كنوعٍ آخرمن الخطابات الذي نتمكن بوساطته من تشكيل رؤانا الخاصة عن الواقع، وتؤكد أن البناء والحاجة إليه يُمثلان موقعًاً متقدمًاً في الرواية ما بعد الحداثية”. لكني في هذا البحث لا أنوي السماح للسيرذاتي أن يتوارى خلف الواجهة الجذابة لجنس الرواية، بل سأعمل جاهدةً في التعريف بالطبيعة السيرذاتية إضافةً إلى القصصية والبنائية المميزة لأكثرية روايات لسنغ من نحو (تحت جلدي)، وكذلك مقابلاتها المتنوعة وأعمالها غير القصصية. على وفق ما تقدم، أرى أن روايات التمثل الذاتي والروايات السيرذاتية تتصف أنها علاجية أكثر منها اعترافية في طبيعتها، على الرغم من إيماني بقدرة هذه الأنواع الأدبية على تضمين الجانب الأخير. يُعد التحليل والعلاج النفسي من العمليات الحوارية والغائية التي تبحر في ماضي الفرد وذواته السابقة وذكرياته وحالاته الذهنية تمامًاً مثلما تفعل العديد من نصوص التمثل الذاتي للسنغ، من مثل (مذكرات من نجا) التي وضعت لسنغ عنواناً فرعياً لها “محاولة كتابة سيرة ذاتية”. والتحليل النفسي تحديدًاً ذو أهمية كبيرة للأدب من حيث تمثيله وسيلةً لفهم النصوص وفي الآن عينه استعارةً مجازيةً لها، فنصوص التمثل الذاتي تغدو عرضًاً للذات بأشكالها المتعددة، وبحثًاً عن “الحقيقة” والإجابات الناجعة ووسيلة للتفسير والتطهير. في (المذكرات بوصفها فعلًا)، حلل أج بورتر ابوت، الخصائص العلاجية لغالبية كتابات التمثل الذاتي أو المذكرات اليومية؛ وهي فكرة استحسنت توسيعها لتشمل روايات السيرة الذاتية. وابتغاء برهنة فكرته، حلل ابوت مذكرات آنا وولف في (المفكرة الذهبية) التي يعتقد أنها جزءٌ حيوي من “محاولات [لسنغ] الجادة لمحو الحدود الفاصلة بين الكتابة والحياة الفعلية.”
يقدمُ التحليل والعلاج النفسي وكتابات التمثل الذاتي فرصًاً مناسبةً لبلوغ الماضي وتحليل تجاربه، وربما إعادة اختلاقها عبر خوضها ثانية في الزمن الحاضر. في جلسات التحليل أو العلاج النفسي، يسعى الفرد إلى المصالحة بين مشاعره ووجوده الحاضر وتجاربه التي حاول قمعها في الماضي. إن فعل التمثل الذاتي الذي تؤديه لسنغ يشبه إلى حدٍ بعيدٍ العلاقة القائمة بين المحلل النفسي والشخص الخاضع للتحليل. ولسنغ تؤدي الوظيفتين في كتابتها وإعادة كتابتها وقراءتها وإعادة قراءتها (تحت جلدي)، الرواية التي تعكس بجلاء قدرتها على اختلاق الذوات الماضية والتواصل في حوارٍ داخلي مع ذوات سابقة وبالضرورة قصصية بينما تُشيد نصًا حكائيًا متماسكًا يمثل ذاتًاً موحدةً ومتصالحة مع نفسها في لحظةٍ زمنيةٍ معينة. ولأن تصورات الفرد الإدراكية عن ذاته تتغير باستمرار والعالم اللاواعي يتسم بالدينامية، فإن نص التمثل الذاتي هو نص تاريخي شبيه بمحاضر جلسات العلاج النفسي. تؤلف (تحت جلدي) نقطة إحالة محورية في الحياة الشخصية للسنغ، وربما تختار اتخاذها أساسًاً للجزء الثاني من سيرتها الذاتية أو تجاهلها لصالح كتابة “ماضٍ” مختلفٍ.
ثمة وجه تشابه آخر بين الكتابات السير-ذاتية للسنغ وجلسات العلاج النفسي من حيث تمتعها بالسلطة التأليفية اللازمة عبر شغلها موقع “المؤلف”. إنها تتمتع بالقدرة على التأثير في النص والتحكم بمفرداته وفي الوقت نفسه إعادة اختلاق ماضيها الصامت. وعلى الرغم من معالجة لسنغ لـ”ذواتها” الأصغر سنًاً بوصفها شخصيات، لا تظهر هذه الذوات في(تحت جلدي) التي تدور حول لسنغ الحاضر، برغم الدور الذي يؤديه تطور هذه الشخصيات، جزئياً في الأقل، في تزويد لسنغ بمنظور آخر لرؤية ماضيها القصصي.
إن عملية كتابة التمثل الذاتي تتيح للسنغ إمكانية التواصل في حوارٍ مع نفسها وماضيها في محاولة منها رأب الصدع والتعافي من الانشقاقات الداخلية وخلق ذاتٍ منسجمةٍ موحدةٍ. وفي حين يسعى مفهوم الذات المتمركز ذكوريًا، وفقاً لسيدوني سمث في كتابها (مبادى الكتابة السيرذاتية النسوية)، إلى تقديم الذات الموحدة والمنسجمة والساكنة، فإن نظرية السيرة الذاتية المتسمة بقدرٍ كافٍ من المرونة تعزز جهود الفرد لاستشفاف الحقيقة ومعرفة ذاته كما تفسح له المجال للدخول في حوارٍ بين الذات الحاضرة كما يتخيلها كاتب السيرة الذاتية والذوات القصصية الماضية. في هذا السياق، تُدلي كورا اغاتوسي في كتابها (الخروج من قفص الهوية) بتوضيح باختيني مناسبٍ لهذه الممارسة:
“يمكن تصور المدونات ومؤلفها الضمني مفاهيميًا على وفق الصيغ الباختينية بوصفها مدخلًا جديدًاً الى الحوار المتواصل في أعمال لسنغ؛ إنها مواجهة مع ذوات تأليفية سابقة استشفها القراء من أعمالها المختلفة، إنها محاولة للتواصل مع هذه الحوارات وإعادة فتح النقاش”.
في ختام حديثها، اشارت اغاتوسي إلى تمثيل المدونات لقاءً متعمدًاً بين هويَات لسنغ وتشكيلها لهويةٍ أو ذاتٍ جديدةٍ. وللناقد بول جون ايكن رأيٌ مختلف في هذا الموضوع، إذ يعتقد أن “الفعل السيرذاتي هو إعادة تجسيد لدراما من نوعٍ معين”. وعوضاً عن تعريف هذا الفعل بوصفه “سجلاً شفافًاً لذاتٍ متكاملةٍ سلفٍاً”، يرى ايكن أن هذا الفعل يمر بـ “طورٍ متكاملٍ وحاسم من دراما التعريف الذاتي.” وهذا التعريف الذي يتوافق مع اعتقادي بمشابهة النص السيرذاتي لجلسة العلاج النفسي يسمح للقراء برؤية النصوص السيرذاتية في مرحلة الانتقال نحو خلق هوية وذات مفردة عبر الزمن وفي سياقات مختلفة، وبتوكيدات ونبرات متنوعة.
ثمة جانبان تتوافق فيهما النظرية التحليل-نفسية مع كتابات التمثل الذاتي هما: دورهما في تطوير المضمون الحواري والتقاء الماضي والحاضر، وأوجه الشبه العديدة بين الحلم ونصوص التمثل الذاتي. لقد نجحت لسنغ في استثمار أحلام قد تنطوي على اللقاء بهويات أو ذوات سابقة، إذ اتخذت منها نوافذ تطل من خلالها على حياتها اليومية ووسيلة لتذليل الصعاب الفنية. تؤمن لسنغ بوجهة النظر التقليدية التي شاعت في القرن التاسع عشر القائلة إن الكتاب هم “المفسرون التقليديون للأحلام والكوابيس”. ولا يُشك أن للأحلام دورًا مؤثرًا في حياة لسنغ الشخصية والفنية، فالحياة الزاخرة بالأحلام التي منحتها لسنغ لمارثا كويست وآنا وولف وكيت براون وآخرين مثل تشارلس واتكنز الذي ذهب في رحلة حلمية داخلية تبين بما لا يدع مجالًا للشك الأهمية التي تعلقها عليها.
في هذا المقام، يبدو مناسبًا مقارنة رواية لسنغ (تحت جلدي) بالأحلام، الرواية التي لا يمكن عدها مشروعًاً حياتيًاً “صادقًاً” ولا “قصصيًاً”، والسبب في ذلك اعتقادي أن الأحلام لا تؤلف سوى جزءٍ صغيرٍ من العمل السيرذاتي: إنها الأحلام التي إما تقع في الواقع وإما يسقطها كاتب السيرة الذاتية على المستقبل. قطعًا هناك ما يجمع فعل الحلم ونص التمثل الذاتي لأن عملًا مثل هذا يؤسس قاعدةً مناسبةً ننطلق منها في رحلة سبر أغوار الجوانب المختلفة للحياة. عندئذ، يغدو النص الفضاء الحلمي الذي نعيش فيه ثانيةً، حياتنا وعلاقاتنا بالطريقة التي نعتقدها مناسبة أو نتأمل أن نحظى بها. إن الفعل السيرذاتي هو محصلةٌ لنصٍ سابقٍ(أو لما قبل نص)، فهو ينشأ من حياة كاتب السيرة التي يعيشها قبل كتابة النص ويشترك مع القارئ في قراءتها بوصفها نصيًا. وبنحوٍ مشابهٍ، يغدو الفعل السيرذاتي نصًاُ سابقًا على عملية بناء صورة الذات التي يؤديها الكاتب والقارئ الذي-أي القارئ- يقرأ النص السيرذاتي بالتزامن مع نظره في تفاصيل نصوصه الحياتية. إن الانتقاء الواعي ذاتياً والمتمهل للأحداث والأشخاص والذكريات في النص السيرذاتي سواء أكان متخيلًا أم متعمدًاً، يُسهم، إلى حدٍ كبيرٍ، في إعادة ترتيب مفردات الماضي وإنتاج المزيد من الذكريات. أما آليات عمل اللاوعي فتضرب طوقًا محكمًا على النصوص السيرذاتية فتؤثر فيها بشدة وربما تخرجها عن المسار التأليفي المخطط لها.
اعتقد أن فعل الكتابة وما يتمخض عنه من بناء للصورة أو الصور الذاتية قد يمثل للسنغ شكلًا من أشكال الحلم أو تحقيق الأمنيات. ويتفق ولسن مع هذا القول، إذ يعتقد بإمكانية “قلب غموض العلاقة بين الرواية والتراجم رأساً على عقب، فعوضاً عن عدَ الرواية تجسيدًاً للواقع، ننظر إلى إلى العمل السيرذاتي أنه تنظيمٌ للمواد الخام المنقوصة والمبعثرة” التي يتألف منها الواقع ابتغاء إنتاج نص رمزي ومجازي للذات.” في رواية (تحت جلدي) ثمة مثالٌ على أهمية الحلم في إعادة اختلاق أحداث الماضي اختلاقًا أكثر إيجابية. تمثل ذلك في محاولة لسنغ إعادة سرد تجربتها بالانبعاث السعيد بينما كانت تحت تأثير المخدر، إذ قالت: “إن الولادة الفعلية لم تكن سيئة حسب، بل أزدادت سوءًاً بفعل تكررها معي، ولذا، اخترع سارد القصة ولادة جديدة مثلما الشمس تشرق وتبعث الضوء والدف في أرجاء الغرفة الفسيحة.”بالطبع، تؤدي لسنغ دور ساردة القصة هنا، إذ تعمدت في سيرتها الذاتية المقارنة بين القصص والحلم، وهي ترى تماثل الحلم مع الكتابة من حيث إنهما فعلان خلاقان. إنها ترى “أن الفنان اللاواعي الذي يقبع في أعماقنا هو شخصٌ اقتصادي للغاية، فبعددٍ محدود للغاية من الرموز يمكن للحلم تعريف ملامح حياة المرء وتحديدها، ويمكنه تحذيرنا من المستقبل كذلك”. وبنحوٍ مماثلٍ، يوجز كاتب التمثل الذاتي نصًاً مثل (تحت جلدي) لأغراض شخصية، وبسبب القيود الفنية يستثني تفاصيل كثيرة. وبينما قد لا تشكل الذكريات التي يستدعيها كُتاب التمثل الذاتي، من نحو لسنغ، جزءًاً من النص النهائي، فإنها تبقى ماثلةً ومتجليةً في وعي الحياة اليومية. على وفق ما تقدم، تتميز أعمال السيرة الذاتية أنها ذو قيمة علاجية وتجربة تعلم في آن واحدٍ. إن السيرة الذاتية التي ترفض الانصياع لنموذج المركزية الذكورية للبنية المتساوقة شكليًاً لن تتطور بالصورة المتوقعة لها. وإضافةً إلى ذلك، تسهمُ كتابات التمثل الذاتي في تفعيل عملية الغوص في ماضي المرء المؤلفة تفاصيله من الذكريات الشخصية وكذلك مساءلة أهمية التفاصيل التي تستعيدها الذاكرة من مخزون التاريخ الشخصي للفرد. فكما ذكرت لسنغ: “ما أن تُشرع في الكتابة حتى يلحُ عليك السؤال: لم تتذكر هذا الحدث لا غيره؟ لم تتذكرُ بالتفصيل ما حدث في أسبوع أو شهرٍ أو ربما سنةٍ معينةٍ من حياتك، ثم لا تجد شيئًا سوى العتمةِ والظلامِ وصفحة بيضاء؟”.
ولأن الفعل السيرذاتي هو إعادة قراءة لماضي الفرد وعملية إدراك واعية ذاتيًاً وانتقائية، فإنها تغدو تنقيحًاً وكتابة ثانية للماضي في ضوء الحاضر. وهذا ما يحدث فعلًا سواء أكان الفعل متخيلًا أم سيرذاتيًا؛ إن الحدود بين النوعين القصصي والواقعي ملغاة في كتابات لسنغ. هذا يجعل (مذكرات جون سومرس) إعادة تصوير مؤثرة لعلاقة الأم-الأبنة، وإعادة تخيل لما يجب أن تكون عليه هذه العلاقة من وجهة نظرهن. جين التي قد يخطر على بال القارئ مقارنتها بلسنغ وربما والدتها مود تيلر، تدخل تدريجياً في علاقة تقمصية وتكافلية مع مودي. لقد تعمق عندها الاحساس بالشفقة وكان من شأن ذلك دفعها الى التجاوب مع رؤى الآخرين وعواطفهم، كما أنها خبرت الشعور بالألم المريع والوحدة والخواء في حياتها العاطفية الذاوية. إنها تتصرف بطريقة مغايرةٍ تمامًاً لمارثا في (أطفال العنف) وللسنغ، إذ تقبلت على مضضٍ مسؤولية العناية بمودي ومتطلباتها العاطفية المرهقة. ونتيجة لذلك، تعلمت التجاوب والتصالح مع عواطفها وبدأت بتوطيد العلاقات مع الأشخاص القريبين منها. إن مبدأ “لقد ساعدتني والآن أنا أساعدك”هو المبدأ السائد في هذه العلاقة التي تطورت من علاقة أم-أبنة مشحونة بالصراع والإنكار الذاتي والتذمر والأنانية والشكوى الى علاقة يسودها الوفاق. لقد اضحت جين أُمًا لمودي وبعد ذلك لبنات عمها جل وكيت. ومن خلال تجربة الأمومة هذه، تمكنت من مساعدة جين وأيضًا التخفيف من حدة مشاعر الوحدة والجدب في حياتها.
وعلى شاكلة جين سومرس، تمكنت لسنغ، بفضل روايات التمثل الذاتي، من أن تتكيف مع الشعور بالشفقة الذي تحسه تجاه والدتها في الحياة. ولأنها مهتمة بتحليل ماضيها ومعرفته، اعترفت لسنغ في (تحت جلدي): “منذ بدأت أعي الأشياء من حولي، انهمكت في حالة هروب عصيبة منها، ومنذ بلوغي الرابعة عشرة، تشددت في معارضتها وذهبت في نوع من الهجرة الداخلية من أي شيء تمثله…الآن أنا أراها شخصية تراجيدية تحيا سنوات حياتها المثقلة بالاحباط والبؤس بشجاعةٍ وكرامةٍ. في ذلك الوقت، كنت أراها شخصية مأساوية وحسب؛ شخصية لم تكن قادرة على التصرف بلطفٍ”.
تعتقد كلير سارغو أن تدخل لسنغ المفاجئ في التأملات العميقة والمثيرة للشفقة لمي كويست، التي لم تُمنح أسمًاً في البداية في (المدينة ذات البوابات الأربع)، وبالتالي، فهي تمثل رمزًاً عالميًاً، تبينُ بجلاء المعاناة الداخلية العميقة في المستويين الشخصي والكتابي. إذ أن مارثا المضطربة بسبب االغوص المتواصل في دهاليز عوالمها الماضية والذاتية، غير قادرة على مصالحة أمها ولا ذكرياتها الماضية. وهنا تبرز أهمية هذا التدخل التأليفي، إذ يبينُ المسافة التي ما زال على مارثا قطعها في ماضيها لتتمكن من العيش بسلامٍ في حاضرها ومستقبلها، كما يبين بوضوح المسافة الجيلية والسايكولوجية بين الأم والأبنة. إن الانقطاع المفاجئ في مسار الحدث الروائي ابتغاء الغوص بعيدًاً في عقل مي كويست يوحي بتعاطف لسنغ مع والدتها وموقفها المتفهم منها. ولهذا ما يعلله، إذ أسهم التقدم بالعمر وتجربة الأمومة في تعميق شعورها بهذا التعاطف. لذا، أرى في نصوص التمثل الذاتي أداةً مناسبةً للتعريف بهذا الاحساس الناشئ بالفردية والذاتية. فوالدا لسنغ، كمثال، هما شخصيتان قُدِما بطريقةٍ مختلفةٍ في داخل النصوص. إن مقالتها السيرذاتية “والدي”، المكتوبة في 1963، تعكس احساسًاً مريعًاً بالنوستاليجيا وشعورًاً بالندم استبد بوالدها في شبابه قبل الحرب العالمية الأولى، ففي تعليق منه على كلمات قارئة الحظ التي تنبأت له بمستقبل سعيد، قال والدها: “لم أفهم ما الذي كانت تعنيه قارئة الحظ، ولكن في الحادثتين في الخنادق، أولًا، عندما تمزقت امعائي وكدت أموت، وثانياً قبل معركة باستشندال، شعرت كما لو أن غمامة مخملية سوداء كثيفة استقرت فوق رأسي لعدة أيام. لن أتمكن أبدًاً من معرفه ما هي!. أوه. لقد كان أمرًاً فظيعًاً. فظيعاً حقاً. وفي المرة الثانية، كتبت لوالديَ رسالة أخبرتهم فيها أني سُأقتل.”
إن هذه الحادثة، برغم طابعها التخيلي نسبيًاً، تتيح للسنغ الاقتراب من الفظاعات التي خبرها والدها، وإدراك قيمة ما قاله: “تذكر دائمًا أن الناس أحيانًا يئنون بصمتٍ. أنت لا تعرف الأشياء الفظيعة التي يضطر الناس، أحيانًاً، إلى مواجهتها”. إن كتابتها عن تجربة والدها الأليمة وعن عجزه عن النسيان، الذي دفعه الى السير في الطريق الوعر لمشاريع جمع المال والبحث عن الذهب، يبين رغبة لسنغ بإرغام نفسها على مواجهة وقائع شعور والدها بالتعاسة والاحباط، الحالة التي ترفض الشابة مارثا في (أطفال العنف) الاعتراف بها. إن شعور مارثا بالانزعاج من تناول والدها للحبوب والأدوية وولعه المرضي بالحفاظ على صحته- وهو شعور تشاطرها إياه لسنغ- يتحول تدريجيًاً في (أطفال العنف) الى شعور بالتعاطف والشفقة يستولي على لسنغ. تقول لسنغ “نحن نستخدم أبوينا كأحلامٍ متكررةٍ ندخل اليها كلما ساقتنا الحاجة الى ذلك. إنهم دوماً هناك للحب أو للكره، فجأة شعرت أني لم أكن هناك لأجل والدي، عبارة لم تكن لتقولها لو لم تتفهم تأثير الحرب في نفسية الأفراد”. إن مقالتها السيرذاتية هي حلم أو ربما كابوس، دخلت في بمحض إرادتها كي تتمكن من فهم والدها وبالتالي استيعاب مأساته بطريقةٍ أكثر إيجابيةٍ. وبالمثل، تستحوذ والدة لسنغ على تفكيرها، فهي حاضرة في شخصيات السيدات كويست وجين سومرس ومودي فاولر وغيرهن. إن سيرة لسنغ الذاتية (تحت جلدي) هي بمنزلة وسيلة لفهم ماضيها وخلق الشعور بالهدوء بعد دوامة المشاعر والعواطف والتوترات المراهقة والتمرد ضد والدتها. لقد أدركت أنها “عاشت سنوات طويلة توجه الاتهامات لوالدتها، في البدء، كانت الاتهامات عنيفة، م فاترة وقاسية، والألم، ناهيك عن العذاب، كان عميقًاً وحقيقيًاً. ولكني الآن اتساءل مع نفسي إزاء أي توقعات وأي وعود كنت أراقب ما يجري حقاً؟” في (بنات وقحات) و(مذكرات جين سومرس) تحدثت لسنغ عن شعورها المتغير بالفردية والذاتية من حيث تمثيلهما محاولات لرؤية والدتها من منظورها لا من منظور لسنغ المراهقة المتمردة والزوجة الشابة أو الأم. إن جميع هذه الاراء ليست أقل مشروعية أو صدقًا، لكنها ببساطة تعرض الحقيقة من منظورٍ مختلفٍ، الحقيقة من منظور ذات قصصية أصغر سنًاً.
إن اختلاق لسنغ وإعادة اختلاقها للذوات القصصية يماثل تحركات آنا وولف نحو الفردانية وإيجاد الذات عبر أسلوب التمثل الذاتي الواضح في (المفكرة الذهبية). لا شك أن آنا تؤلف مثالًا ناصعًاً على الذات القصصية. إنها، ولسنغ بالنيابة، تشترك مع فرجينيا وولف باللقب ’وولف‘ وبمهنتها ككاتبة شابة وحيدة تصارع من أجل الاستقلال الذاتي. مثل فرجينيا وولف، آنا مشغولة على الدوام بهموم الكتابة والعجز عنها لاسيما عند اخفاقها في نقل التجارب نقلًا وافيًا إضافةً إلى إيمانها بلاموثوقية الذاكرة وهشاشتها. فرجينيا وولف في “مخطط للماضي” تفكر بالوسائل الكفيلة بجعل الرواية مماثلة، في طبيعتها وآلياتها، للتحليل النفسي، الرواية بوصفها تجربة تعلم علاجية في طبيعتها، أما نظيرتها القصصية، آنا وولف فترى أن “الأدب هو تحليل للتجربة بعد خوضها”. حقيقةً، تحوي مدونات آنا وولف على عدة ذوات متغيرة زمنيًا مما يتيح إمكانية النظر لها من زوايا مختلفة. وعلى المنوال نفسه، فإن كتابات التمثل الذاتي للسنغ هي أمثلة شارحة لمفهوم الذات عند لسنغ في مراحل مختلفة من حياتها وتطورها النفسي.
وعليه، وختامًاً، اعتقد أن كتابات التمثل الذاتي التي قدمتها لسنغ هي أحد اشكال التحليل أو العلاج النفسي الذي يخدم غرض إشباع الرغبات أو الحلم، إذ تظهر لسنغ في العمل بوصفها محللة نفسية وأيضًا إحدى الشخصيات القصصية. وهكذا، تتطور عملية الحوار بين لسنغ الكاتبة ولسنغ الشخصية وبين الذوات القصصية المتناثرة في مجموعة متنوعة من نصوص التمثيل الذاتي. وهذا يجعل من احساس لسنغ بالذاتية الفردية احساسًاً حواريًاً بنائيًاً متبلورًاً تماماً مثل عمليات التحليل والعلاج النفسي وغاياتهما.


المصادر:
1-ابوت، بورتر اج.المدونات القصصية: الكتابة بوصفها فعلًا اثاكا: لندن:جامعة كورنيل،1984.
2-اغاتوسي، كورا. “الخروج من قفص الهوية: دوريس لسنغ ومذكرات جين سومرس” الجندر والجنس الأدبي في الأدب: إعادة تعريف السيرة الذاتية في الروايات النسوية المعاصرة:مجموعة مقالات. المحرر.جانيس مورغن وت. كوات هول. لندن: غارلاند، 1994، ص45-56.
3-هتشيون، لندا. شعريات ما بعد الحداثة:التاريخ والنظرية والرواية. نيويورك: لندن: روتلج،1988.
4- لسنغ، دوريس.”والدي”. دوريس لسنغ: صوت شخصي خافت: مقالات ومقابلات ومراجعات. المحررر، بول شلوتر. لندن: فلامنغو، 1994. ص 89-101.
5-لسنغ، دوريس. مذكرات جين سومرس، مدونة الجار الصالح، لو يستطيع الكبار.لندن: نيويورك: بنغوين بوكس، 1985.
6- لسنغ، دوريس. المفكرة الذهبية. لندن: مايكل جوزيف المحدودة،1962.
7- لسنغ، دوريس. تحت جلدي: المجلد الأول في سيرتي الذاتية الى 1949. لندن: الناشرين هاربركولنز، 1994.
8-متشل، جوليت. التحليل النفسي والنسوية. لندن، نيويورك: بنغوين بوكس، 1990.
9-نالبانتان، سوزان. السيرة الذاتية الجمالية من الحياة الى الفن في مارسيل بروست وجيمس جويس وفرجينيا وولف واناييس نن. باسنغستوك: انكلترا: مكميلان، 1994.
11-شلوتر، بول،المحرر. دوريس لسنغ: صوت شخصي خافت: مقالات ومقابلات ومراجعات. لندن: فلامنغو، 1994.
12-سمث، سيدون. مبادئ السيرة الذاتية النسوية: الهامشية وروايات التمثل الذاتي. بلومنغتون، انديانابولس: جامعة انديانا، 1987.
13-سبارغو، كلير. قراءة دوريس لسنغ ثانية: أنماط التكرار السردية. شابل هل ولندن: جامعة نورث كارولينا، 1987.
14- راسكن، يوحنا. “دوريس لسنغ في ستوني بروك: مقابلة.” دوريس لسنغ: صوت شخصي خافت: مقالات ومقابلات ومراجعات. لندن: فلامنغو، 1994.
15-تيلر، جني. المفكرات والمذكرات والحقائق الارشيفية. قراءة وإعادة قراءة دوريس لسنغ. بوسطن، لندن: روتلج وكغان بول، 1982.
16-ولسن، اليزابيث. “بطلات الأمس: حول قراءة وإعادة قراءة لسنغ وبوفوار”، المفكرات والمذكرات والحقائق الأرشيفية. قراءة وإعادة قراءة دوريس لسنغ.المحرر: جني تيلر. بوسطن، لندن: روتلج وكغان بول، 1982. ص. 57-74

اترك تعليقا