الاغتراب واليتم الوجودي في مجموعة “قريبٌ من الأمام بركلة” للشَّاعرة الجزائريَّة “لطيفة حرباوي ” ..حسناء بن نويوة
بواسطة admin بتاريخ 11 أغسطس, 2022 في 02:25 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 83.

تعدُّ “لطيفة حرباوي” من أهمِّ الأصوات الفاعلة والمتفاعلة في الأدب والإعلام الجزائري. “لطيفة” التي تنتمي إلى جيل واكب تطوُّرات الشِّعر بمختلف مشاربه وتداعياته وجمالياته. “لطيفة” التي برعت في كتابة المقال والتَّقرير الصَّحفي أثرت المكتبات بتجربتها الإنسانيَّة العالية وروحها الوثابة. ففي رصيدها أربع مجموعات شعريَّة، وأكثر من مؤلَّف جامع. كما ترجمت نصوصها إلى عدَّة لغات أجنبيَّة.

في مجموعتها الجديدة “قريبٌ من الأمام بركلة” الصَّادرة عن دار خيال للنَّشر والتَّرجمة (أكتوبر 2021). اشتغلت الشَّاعرة على ثنائيَّة الحياة والموت. أينَ رفعت الإهداء إلى روح “مسرَّات راهم” وروح الشَّهيد “جمال بن إسماعيل” ورفعت نصًّا آخرَ إلى روح الشَّاعر “عثمان لوصيف”. ارتكزت أيضًا على الذَّات الأنثويَّة بوصفها رمزًا خصبًا وحقيقيًّا. وأسهمت (بشكل بيِّن) على ردم الهوَّة بين أجناس الشِّعر، وبين النَّصِّ والآخر. وانصهرت في الكتابة كقضيَّة أساسيَّة تقاوم بها الواقع المعيش بكلِّ تسارعه وتداخله وحساسيته وعبثيته ومصائره الأخرى.

استهلَّت الشَّاعرة “لطيفة حرباوي” مجموعتها بجزء أوَّل ضمَّ معظم نصوصها المطوَّلة، تلك التي رصدت من خلالها مقاومتها وقدرتها على تفكيك الأسئلة العالقة، واليومي العابر. وإحالته إلى حرفيَّة شعريَّة عالية أمعنت الكشف فيها عن وحدتها وعزلتها الدَّاخليَّة وسخريتها من العالم الخارجي الزَّائف:

“كنْ عنكبوتًا يخيط فستان زفاف لعانس في الثَّمانين/ كنْ قبوًا لرئيس مخلوع/ كنْ شعبًا ديكتاتورًا/ كنْ فيلًا يترأسُ جمعيَّةً نسويَّةً للرِّيجيم/ كنْ نملةً مقتبسةً من حكاية قبل النَّوم/ كنْ غلافًا لكتاب محو الأمِّيَّة/ كنْ مسافةً بين قبرين/ كنْ مختلًّا شعريًّا/ كنْ لاجئًا سماويًّا/ كنْ وحيدًا كدمعة/ ولا تكنْ صديقًا لأحد/ تذكَّر دائمًا بأنَّ هناك من يريد أن يتخلَّص منك.”

***

“أحبُّ الأشياء القديمة والمهملة/ أحبُّ فوضى خزائن العمر/ وهذا العناق الطَّويل بيني وبين غبار النِّهايات/ أحبُّ الوجوه المحروقة في نصوصي الفاشلة/ أحبُّ قصائدي التي تكشف ساقها لناقد خبير في العورات/ أحبُّ ما لا أحبُّ حين أدسُّ شواهد قبور كُتَّاب قتلتهم في كبت/ أحبُّ صوت ماكينة الخياطة وهي ترقِّع قلبي أكثر من خمسين مرَّة في الشَّهر/ وأنا أمثِّل على ركح الكلمات الضَّالة (بأنَّني نجوت)/ أحبُّ أن أنتـهي كرابعة العدويَّة/ وحين تصرخ الآن/ خنجر مغروس في ظهرك دون أن تشعر بألم الطَّعنة/ تكون السَّجدة كما كنتُ أحبُّ/ يا الله كمْ أنتَ قريب/ كمْ أنتَ قريب.”

تكتب “لطيفة” كمنْ يستقصي ويقلِّب عن الحقيقة الكامنة في الأشياء وجوهرها الحاسم. فلا انفصال بين محنة الذَّات الشَّاعرة وعوالمها المستندة على تجربة إنسانيَّة متَّشحة بالقلق والانشطار والمكابدة:

“أنت لا تعرفين كيف أصبحت الآن/ كلَّ ليلة أتغطَّى باللُّغة/ أراقص كصُوفِيٍّ هزيلٍ

فكرة الخلاص/ أدور حولك أكثر من مرَّة/ لكنَّك لا تنتبهين إلى الظِّلال المتشابكة/ إلى هيكلي المُقَوَّس/ في مهبِّ الأسئلة وأضغاثها/ أَلَا ترين التَّجاعيد التي أكلت وجه الرِّيح أنا؟/ تعالي نفعلها مرَّة أخرى/ نقرأ أشعار جلال الدِّين الرُّومي/ بعيدًا عنه/ يا الله/ هذا كلُّ ما تبقَّى لنا من كلمات/ أطوي سجادتك/ ألتقط سبحتك/ وأنتظرك غدًا على نفس الصَّوت/ حيَّ على الحياة/ حيَّ على الحياة.”

أرَّخت الشَّاعرة لكتابة صادقة مقترنة بواقع يقظ ومتأزِّم. كما جسَّدت في المقابل محاربة القبح وتقوية الإدراك بالإنسان وكينونته. فكلُّ شيء عندها مؤثَّث بقداسة العبارة ومحسوس بصدق العاطفة ومناجاة الرُّوح:

“أيُّها البياض القليل/ أعد إليَّ مشهد الحبل السُّرِّي قبل قطعه/ أعد إليَّ صوتي/ صرخة الولادة ودهشة البدايات/ أعد إليَّ ما لا يعود كسطر أخير/ من رواية لن يقرأها سواي/ كجريمة أقترفها لوحدي وأمضي ناصعًا/ بلا حساب/ بلا مستحيل/ أقاتل الظِّلال/ كلمة/ كلمة/ علِّمني كيف أعلِّم شجرة تتشبَّث بالتُّراب/ عندما يسقط فأس الحطَّاب على رأسي/ وأموت/ أخبرهم؛ كيف أصبحت بعد هذه الصَّلاة الطَّويلة حيًّا.”

احتفظت “لطيفة” بهشاشتها وحميميَّاتها وانشغالاتها ومواقفها. واختزلها في جزءٍ ثانٍ عنونته بِـ “جوانيات” عادت بنا من خلال شذراته ومختاراته الوامضة، إلى طفولتها الحالمة وأمومتها العظيمة. لترتجي بشفافيَّة قلبها بعض الفرح الخفي، وتنتصر بالشِّعر على اليتم وقتامة الظُّروف:

“بعد كلِّ النَّكبات التي نجوت فيها من الموت/ تعلَّمت كيف أخبِّئ الحياة في جيبي كسكِّين/ وبعد عمر عسير وعندما ألتقي قاتلي المأجور/ سأفعل كما يفعل لاعب الخفَّة بحركة خفيفة/ أحوِّل السكِّين إلى وردة.”

***

“في خضمِّ الغياب قصيدة واحدة لا تتَّسع لقلبي/ كنت أرمي الكلمات من أعلى الوجع وأنتظر خيبة الكنايات/ الشِّعر غائر في الرَّعشة/ مخضَّب بالوجع/ وهذه الوردة التي خذلها نسق البقاء/ تهمس لي الآن: كمْ مرَّة ذبلنا ولم نمتْ!”

اللَّافت أنَّ نصوص الشَّاعرة وومضاتها السَّرديَّة الوجوديَّة قائمة على فلسفة الرَّفض والانتفاض. بالإضافة أنَّها تنطوي على اليتم والحرقة، والآلام، والآمال، والتَّرقُّب، والشَّوق، والانكسار النَّفسي، والتَّوحُّش الإنساني الذي تفاقم وتجاوز بشاعته من حروب وصراعات متعدِّدة:

“كتبت نصوصًا كثيرة عن الموت/ لأمرِّن طفلتي كيف تنجو/ وهي تقطع شارع الألغام على متن قصيدة/ أن تدفن الكلمات في يدها لتهشَّ الرَّصاص الطَّائش وقذائف الهاون/ وكيف تكتب على دفتر ذكرياتها؛ (أحبُّ بلادي)/ دون أن تسيل قطرة دم واحدة من قلبها!”

***

“لأنَّهم دفنوا أبي بلا رأس/ صار أطفالي يهتمُّون بالوجوه والملامح/ يرسمون الشَّمس بعينين وشفتين/ ويلتفُّون حول رأسي كخوذة كلَّما اشتدَّ القصف.”

***

“أنا أعزل مثلكم/ أرجم عدوي بالشِّعر/ وأرفع قصيدتي عاليًا كنعش شهيد.”

***

“ربَّما لو أصبحت شاعرة للمرَّة الأخيرة سأبتسم/ سأستردُّك كما ولدتك القصيدة نحيلًا بلا قصبات هوائيَّة/ بثقب في القلب/ مهشَّم الفرح/ سأسحبك من عكازك وأنت تعرج بي/ هكذا يفعل بنا الشِّعر على مرِّ الحنين.”

اتَّسمت نصوص الشَّاعرة “لطيفة حرباوي” بالتَّكثيف والمواربة والتَّلميح والمضمون العميق والاتِّكاء على الوجع ذاك الذي أعطى نفسًا آخرَ لوجودها، وأمدَّها بقوَّة التَّفكير في النِّهايات الحتميَّة. فهنيئًا لها، وللقارئ وهو يتجوَّل بين دفَّتيْ هذه المجموعة التَّأمليَّة الموغلة في الرِّقَّة السَّاحرة، والمكتظَّة برهافة شاعرة مشعَّة بإيمانها المطلق وقبولها الرُّوحي.

اترك تعليقا