مقاطع من رواية توأم أو النعيم البائس ../ حميد ناصر خوجة / ترجمة خضرون عمر
بواسطة admin بتاريخ 28 أكتوبر, 2022 في 03:44 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 741.

حدقاتُ عينيَّ و ظلالي المنعكسة تَظْهر على زجاج الواجهة: هو ذاك ” الإنسان في البحث عن روحه” لكارل غوستاف يونغ، الصادر عن مكتبة بايو الصغيرة و الحامل لرقمٍ يُذكرني بتاريخ ازديادي.

 و عندها، تمضي العين في الإستماع: ماضٍ مدفونٌ من الذكريات يحيا من جديد، في كل لحظة و لأدنى خطوة.

إنها طفولة يُعادُ اكتشافها في شفافية الدموع الهشة. تَذَكرْ تلك النظرات التي ظلت حبيسةً لاخضرار ديسمبر.

لا شيء يَلتفِتُ لك سوى وُجودُك المبهم. كانت الأمطار ترُشُ بالعطر طريقا ينزل من المدرسة و لم يكن للطقس أي تردد.

الأشجار كما الرياح كانت تقودُكَ لصمتٍ مضاعف، لسكينةٍ لن تعرفها، و بالكاد كنت تشعر بمنظر خطواتك على الأسفلت و بقوةٍ في أحشائك. بالكاد كنت تحس بالفراغ المخيف في جسدك و بنبضات روحك المحفزة. خلْفَ ظهرك، يعلو بوزقزة، بقمته الحادة و لونه الأزرق الرمادي مثل جبل بظهر عار و ممتد، مثل أطلس ضخم. و لِهَوْل منظري يومها، تركَتْ فتاةٌ فرنسية قطعةَ خبز أبيض تسقط من يدها آليا حين فاجأتُها و أنا ماش تخرج من باب تلك الفيلا التي تعلو حينا

 ظللتُ أنظر إليها. هل أَرْعبَها وجهي المشؤوم؟ و تساءلتُ يومها لِمَ لَمْ تضع قبلتها على قطعة الخبز حين استرجَعَتْها من جديد. أَمَا علَّمني والدي العرفان بهذه النعمة مثلما تُعَلَّمُ الفرائض؟ .

كل يوم تقريبًا، تنقل الحافلة طلاب و طالبات المدارس الثانوية إلى بن عكنون. أصعدُ في موقف الأبيار، عند مطعم الحصان الأبيض، مقابل مكتبة يمنح اللجوء إليها استراحة لذيذة. أقفُ في الخلف، في الزاوية اليمنى، بمفردي. عيناي تحدقان في ما يمر من وراء النوافذ الشفافة : سماءٌ كئيبة، طريقٌ كئيبة، المارة ليسوا في عجلة من أمرهم، الفتيات أكثر من جميلات و المراهقون يلبسون الأناقة و ينشرون السعادة و الفرح ( هذا جون فيرا يغني للشباب): ما الذي أتوق إليه؟ .

عند مفترق شاطوناف، تتوقف الحافلة و تصعد ضحكات. أتطلع برأسي: فتيات صغيرات رفقة صبية جريئة بمئزر وردي، تبتسم، أسنان لطيفة، مرتبة للغاية، بيضاء للغاية. و خصلات شعرها قصيرة تُذكِر بقِطعٍ أنارت يوما ما رأس تلك الفتاة الفرنسية . و وجهُها: بشرة بلون الحليب، منشرحة، سعيدة، مرصعة بالذهب و الزغب. و ابتسامتها…..يا لابتسامتها…( وأنا؟ أنا و وجهي الهائم، وجهي الممزق و الممل….أنا….). و مَشَتْ نحو نافذة من نوافذ الحافلة و هي تدير ظهرها لي، مثل مخلوق سريع الزوال، وحيدة، ناصعة، مترفعة، على حذاء لطيف كان يداعب ساقيها.

 إنفجرت أحاسيسي حتى لفتت انتباه الجميع و ملأت كل العيون. ها هي ذي إذن: الأمس القريب، الغد الخصب و القاتل فيما بعد، إنها هي…أم أولادي، إنها هي… هذه العنق اللطيفة المفعمة بالحيوية .. منتهى الحسن و الجمال .

اترك تعليقا