ألوان الذّاكرة المجروحة / إدريس بوذيبة
بواسطة admin بتاريخ 9 نوفمبر, 2022 في 03:06 مساء | مصنفة في تشكيل | لا تعليقات عدد المشاهدات : 633.

 

يعتبر هذا الكتاب وثيقة أساسية و مرجعًا للباحثين في تاريخ الفنّ الجزائري المعاصر ، و ذلك لعدّة أسباب و منطلقات كون هذه التّجربة الرّائدة زاوجت في كتاب واحد بين الفنّ التشكيلي و الشّعر ، في لقاء جمع بين الفنّان “محمد دمّيس” و الشّاعر ” عبد الحميد شكيّل” ، و هما قامتان كبيرتان لهما باع طويل في الممارسة الإبداعية ، بالإضافة إلى طبيعة التقارب في المنظور الفنّي لكلا المبدعين ، ” شكيّل” ، الشّاعر بشطحاته الصّوفية الملتاعة ، و لغته المنتقاة بدقة عالية ، و ” دمّيس”، بريشته المدرّبة على التجريديات الغنائية و التلوينات الموشومة بالرّموز و الإنفعالات .

إنّ التقارب بين الرسم و الشعر ليس جديدا فقد ظهر مع روّاد المدرسة الرومنسية و الدادائية و السوريالية و تطوّر أكثر مع الحركات التجديدية في علاقة تعايش و احتفاء لا نهائي ، و انساق بعض الشّعراء الكبار للجمع بين كتابة القصيدة و الرسم ، مثل ” أندري بروتون” ، ” جان كوكتو” ، ” مايكوفسكي” و ” جبران خليل جبران” و غيرهم …

كما نجد أيضا بعض التّشكيليين والخطّاطين الذين يقتبسون المناخات الشّعرية ويعيدون تشكيلها بمحمولات جمالية ملائمة.

إن تكن القصيدة هي لوحة تشكيلية بمناخاتها و تلويناتها الصوتية المتعدّدة، فاللوحة هي قصيدة بإيقاعاتها و ملفوظاتها ، فقد تختلف الأدوات غير أنها تلتقي في التجاور و المناورة و التكامل الخلاّق، لذلك فإنّ (الشعر رسم ناطق، و الرسم شعر صامت) .

و هنا لابدّ من الإشارة إلى أن ” دمّيس” يمثل أحد أقطاب هذا التّواصل الحميمي بين الجدليّة الشّعرية و التشكيلية، فقد سبق له قبل سنوات أن خاض تجربة مماثلة مع الشاعر الفقيد ” كمال دردور ” الذي يكتب باللغة الفرنسية و كتب نصوصًا بديعة مستلهمة من لوحاته.

إن ” محمد دمّيس” يعتبر من الفنانين التشكيليين الذين رافقوا الحركة الفنية في الجزائر بالحضور والممارسة منذ السبعينيات، وقد انتقل بين عدة تجارب ولعلّ أبرزها المدرسة الرومنسية ثم “التعبيرية التجريدية ” التي منحته حرية أكبر في توزيع الألوان و الخطوط و إحداث تلك الدهشة التي تبهج العين بتناغمها و إسقاطاتها مع الذّات في تحوّلاتها لتفكيك المتواليات الزمنية الرتيبة.

إن “التّجريد” يحتاج إلى حساسيّة عالية وأن يكون الفنّان مفعما بالمفردات الشّعرية التي تجوهر عمله بالجماليات اللّونية و تمنح للرّائي المتلقّي حريّة الاكتشاف و التّفاعل.

إن الاختيارات اللونية عند “دمّيس” يطغى عليها ” الرمّادي” و بدرجات متفاوتة ، الأزرق ، البنفسجي ، الأرجواني ، الأصفر و غيره … أما الأضواء و الظلال فتظهر كمساحات لبثّ الروح في الأشكال و الأحجام غير الواقعية ، فتتحول اللّوحة إلى جرح مفتوح في الجسد المبلّل بالدهشة و الغيم .

من المهمّ أن نشير إلى أن الفنّان ” دمّيس” قد عاش اليتم و الألم و الحرمان في سنّ مبكرة جدّا، و كأنه كان يسابق الزمن ليتحرّر من تلك العذابات ، و كانت الألوان بظلالها و بريقها هي المتنفس الذي كان من خلاله يعيد تشكيل الذاكرة المجروحة بمواضيع غير مخطّط لها ، و لكنها نابعة من ذاتيته. لقد استطاع بالممارسة الدؤوبة و المنتظمة أن ينتزع لنفسه مكانة مرموقة في سجل الفن التشكيلي الجزائري المعاصر ، عبر المعارض الدولية و الوطنية و مئات اللّوحات المنجزة بخصوصيتها ” الدّميسيّة” التي لا تخطئها العين .

هذه لمحة موجزة عن تجربة فنّان كبير ما يزال يواصل رحلة الإبداع و المغامرة بمهارة الفنانين المنضوين تحت لواء المدرسة التجريدية التعبيرية ، و لكن بروحيته و بصمته المستلهمة من الموروث الثقافي الجزائري بكل تنويعاته المتّكئة على الرموز و الأوشام الغائرة و الأخاديد النازفة و الخطوط الموغلة في الحضارات القديمة .

اترك تعليقا