من رواية اليرابيع / جيلالي عمراني
بواسطة admin بتاريخ 17 مارس, 2023 في 11:56 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 381.

أحبذ أن أراني جالسا قبالة المرآة، عاريا، آخذ كامل وقتي في التّعري، ثم أطفئ المصباح المتدلي من السقف، لا أرى شيئا باستثناء ضوء خافت ينبعث من سجائري، أجلس، أستحضر وجوها أعرفها، و مشاهد لا علاقة لها بها بالانفجار الكبير، أهلوس كما أشتهي، أصفي حساباتي معهم، أجلسهم واحدا بعد الآخر فوق الخازوق، بدءا من صوفي و مسيو “شارل” و النّقيب الملقب “بالمحدودب”. أهذي هذيانا مريحا، كنت أجد الفرصة سانحة و مواتية لشتمهم بلغتي الدنيئة، البشعة، كلما شتمت المزيد من شخصيات عبثت بنا أشعر بهواء بارد يتسلل إلى دواخلي، فأتحرر من بوتقة الخوف و الهلع، لن أنام قبل هذا السفر في متاهات لا حدّ لها، في تلك البشاعة المحيطة بي، بشاعتي الشّخصية. بشاعة مدينو “رقان” التي تحولت في لمح البصر إلى محرقة مغلفة بالتراب و الغازات و السّواد و بقايا الجثث من عظام مترامية هنا و هناك. أسرع إلى الحمام، أتقيأ معدتي، ذاكرتي الملغمّة بهذه الصّور الفظيعة،كأني أتطهر من الداخل قبل رحيلي النهائي . أو تظنون أنني احتفظت بنقاء سريرتي و براءتي الأولى؟

أنا في النهاية لست آدميا، مجرّد من إنسانيتي، أتبوّل في الشّوارع الخلفية، أكتب أشياء فضيعة على الجدران، و في الحمامات، أرسم أي شيء يخطر على بالي، نكاية في هذه الحرب. عندما كنت في بلدة صغيرة اسمها”عين إبرة” يا له من اسم غريب! أين مررتُ أترك أثرا ولو صغيرا بخنجر صغير، كنت أنقش أسماء و مواقف على جذوع الأشجار الضّخمة، أشجار الزيتون و الكالبتوس و الصفصاف، و أشجار البلوط العتيقة، هناك، سمحت لنفسي بإيعاز من قادتي العسكريين و الضباط الصّغار أن نعمل ما يروق لنا تبديدا للوقت و الخوف، نعمل شيئا يعيد لنا الثقة بأنفسنا و أعضائنا، فمثلا يمكن لنا أن نسرق قبلة سريعة من النساء الواقفات أمامنا أثناء استنطاقهن الروتيني، بأسئلة مضحكة و ساخرة: أين زوجك؟ هل انظم فعلا إلى المتمردين؟ متى؟ هل يعود ليلا من أجل الأكل أو من أجلك؟ أين يعاشرك؟ في الغرفة أم في الزريبة؟ كيف هو شكل عضوه؟ المترجم يجد صعوبة في إيصال أسئلتنا،، أحيانا يخجل من قول فظائعنا، لكنه مجبر على القول. نواصل الاستنطاق: هل لك عشيق في غياب زوجك؟ كن يصمتن، بالرغم من محاولاتنا الرعناء لجعلهن يقلن شيئا مضحكا، كنا لا نريد أجوبة بقدر ما نريد إذلالهن لخلق بلبلة طريفة بين الجنود، من أجل الترفيه لا غير، حينها نزعم أننا مجبرين على معاقبتهن كما ينصّ عليه القانون الفرنسي في حالة وجود إنكار أو تمرد المدنيين ضد السلطات العسكرية. فنقوم بمحاولة أخيرة لتعريتهن، يتمنعن بعنف، كنا نريد ذلك التعنت فيفضي إلى تمزيق الثياب الرّثة على أجسادهن، يا لها من لحظة بديعة! إذ نحسّ بالقوة الكامنة في دواخلنا، بتحكمنا في الوضع كما هو مخطط له، فنضحك عند صراخهن و بكائهن. أو تجدني(شخصيا) أتحرش بالصّغيرات، صبايا رقيقات كالأعواد، كن يخفين عيونهن السوداء كحبات الزيتون. بعض البالغات يرونني بليدا، أو حقيرا مدفونا في بزتي العسكرية الخضراء، لا أتورّع عن التحرّش بالضائعات أيضا، و الهزيلات المسنّات الأرامل، أو القبيحات، لا أفرق بين الضحايا، خاصة أولئك المعزولات اللواتي يمررن قرب المصنع في الصّباح الباكر للذهاب إلى أي مكان.

أمارس العهر كلما وجدت إلى ذلك سبيلا، ربما أبحث عن شيء ملموس ليعيد لي كرامتي، عن جسد مدهش لعله يوقظ الشيء الميت في داخلي، رجولتي، ليس هذا فقط وإلا نهايتي ستكون سيئة للغاية، مميتة بمعنى أصح، لذلك صقلت مهاراتي المتعددة بكثير من التدريب و الصبر، يمكن ذكرها بالفخر، أجيد القنص من كلّ الزوايا، عندما يطلب مني ذلك. حتى و لو لم يطلب مني كنت أفعل بفرح لأثبت لقادتي جدارتي بالرتبة التي أحملها على كتفي، و السلاح الذي منح لي من أجل التصويب الدقيق، خاصة نحو جباه المتمردين أو المشبوهين. فكلهم مشبوهين في نظرنا، كلّ من يتحرك في الضواحي مسجل في سجلاتنا “مشبوه و خطر” علينا بأخذ الحيطة منهم. جميعا.. حتى العملاء(الخونة) من الأهالي لا يؤتمن جانبهم نضعهم بعيدا عنا.

دائما هناك امرأة حبلى في هذه القرية أو تلك، تنظر ميتا يرحل لتضع مولودها بعد ساعات، يجيء باسم الراحل والزغاريد تعمّ المكان كأن الميت أحيي من جديد. ترى نساءهم حوامل في كل وقت، يفتخرن ببطونهن الولاّدة رغم كل شيء. يتسابقن من أجل الولادة، لا شيء يمنعهن من ذلك، لا يمنعهن الفقر أو الحرب أو الحصار المضروب عليهن طيلة أيام الأسبوع، مع أنهن هزيلات، تراهن في الحقول، يجنين التين في الخريف أو الزيتون في الشتاء، القرية تتجدد و تحيا على وقع أمل مباغت و أغاني أطفال صغار يغنون في الزقاق لفرح محتمل في الأيام القريبة، بإيعاز من أمهاتهم المكلومات بغياب أزواجهن، إما الذين في الغربة أو في أولئك الذين صعدوا إلى الجبال مع الثوار، إذ تتغير حالة الأكواخ الواطئة، يتسارعن في الزقاق متجهات إلى الغابة القريبة لجلب الجير من الكهف، القرية تتغير بالكامل، الأكواخ تتنفس الجير و الألوان ورائحة الصّمغ و الروث الذي يمزج بالتراب، و يعاد تهيئتها تلك التي يستعملها الآدميون للنوم و الأكل، و تلك التي تخصص للضّيوف. تتعرض لحملة تنظيف واسعة، شاملة، من طلي الجدران، و قلع الحشائش التي تحيط بالأكواخ، حملات تطوعية كفرض عين على النّسوة جميعا، بكنس الأزقة، ورش الأماكن القذرة ببودرة تباع في السّوق الأسبوعية بالمدينة، لقتل الحشرات التي تزحف إلى مخادعهن، كن يصبغن غرفهن الواسعة، كن يتفنن في رسومات بدائية لأشكال و رموز غنية، في كل كوخ قصَة غياب مؤثرة، البلدة بالكامل في تسابق محموم لاستقبال الفرح، أي فرح صغير تراهن سعيدات بذلك، مهمتهن لا تنتهي أبدا، فغالبا ما يتوجهن في الصباح الباكر إلى الغابة لجلب الحطب، أو يحصدن التّبن، أو جلب الطين لتجهيز الصّحون الفخارية و الأواني في فصل الربيع ..

 

 

 

 

 

اترك تعليقا