صحراوي عبد الحميد، فنان الأنتروبيا / عمر خضرون
بواسطة admin بتاريخ 28 أبريل, 2024 في 09:28 صباح | مصنفة في تشكيل | لا تعليقات عدد المشاهدات : 100.

تنهال النظرات مجددا على اللوحات التي لا تزال معلقة في مقر جمعية الجاحظية، شارع رضا حوحو بالجزائر العاصمة، والتي أنجز البعض منها في إطار معرض “أطفال غزة” الذي يقام هناك منذ ديسمبر الماضي. ولوحظ رئيس الجمعية الفنان صحراوي عبد الحميد مرة أخرى وهو يتنقل بين الزوار، ينصت لهم ولأسئلتهم، يحدثونه بإسهاب وثرثرة عن هواياتهم، يعربون عن ألمهم مما يحدث في غزة من ظلم وعدوان ويفسرون الاعمال المعروضة على اختلاف أهوائهم.

   مضى أكثر من خمس سنوات لم ينظم فيها صحراوي معرضا في العاصمة لأسباب تعلقت بالاضطرابات التي عرفتها البلاد والحراك الذي صاحبها ثم بتفشي وباء الكوفيد بعد ذلك. وبقيت لوحاته، طوال هذا المدة، مخزونة بمقر الجاحظية، الجمعية التي أنشأها الروائي الكبير الطاهر وطار والتي انتسب لها الفنان منذ نشأتها، ثم أصبح رئيسا لها منذ ثلاث سنوات.

   وكان آخر معرض يقوم به قبل تسعة أشهر، في مناسبة تاريخية لا تقل أهمية. كان ذلك بتاريخ الثامن من شهر جوان الماضي. يَذْكُرُ أنه تلقى دعوة من فندق كبير بأعالي العاصمة ليقيم لوحاته هناك احتفالا بعيد الفنان وأنه أعطى موافقته على الفور. وكيف يمكن أن يرفض وهو الفنان الأصيل سليل ولاية تيارت التي ولد فيها الشهيد على معاشي، رائد الأغنية الوطنية الذي أعدمه المستعمرون شنقا بساحة كارنو في مثل هذا التاريخ من العام 1958 ثم تركوا جثته معلقة طوال ساعات حتى يمر عليها المارون كمن يُجْبرُ على المرور فوق ركام من الجماجم الفظيعة؟ ثم قُدِّرَ للفنان صحرواي أن يولد غير بعيد عن المكان (بمدينة السوقر، عشرون كيلومترا إلى الجنوب من تيارت)، يوم الرابع من شهر أكتوبر العام 1961، ثلاث سنين بعد الجريمة الشنعاء. اشتغل الأب، بعد تقاعده من التعليم، بائعا للحليب في متجر بسيط وسط المدينة. أمَّا أمُّه فإنها ظلت طوال حياتها ماكثة بالبيت ولكنها تمكنت، بالإصرار الذي يميز النساء الجزائريات، من تربية أبنائها ليلتحقوا بالمدارس والجامعات بعد ذلك.

   نال شهادة الباكالوريا العام 1980 بامتيازٍ مَكَّنهُ من الالتحاق بجامعة العلوم بباب الزوار، شرقي العاصمة، التي نال فيها شهادتين للدراسات العليا، الأولى في الفيزياء والأخرى في الإعلام الآلي. أتذكرُهُ في فترات الاستراحة بين المحاضرات، يمسك قلمه الجاف، يجره على الأوراق بمشاعر مختلطة من الضجر والغضب، ويخط به أشكالا غامضة لرجال ونساء بأعين جاحظة مكعبة تُذكِّرُ بلوحات ميرو وبيكاسو.

   كانت فترة مقامه بالعاصمة مليئة بمشاعر الشك والانقسام خصوصا في فترتها التي تزامنت مع أحداث أكتوبر التي انتفض فيها شباب الحواضر مطالبين بالحريات والتي أدت الى انهيار نظام معين وفرض دستور جديد ثم استقالة رئيس الجمهورية بعد ذلك. وفي لمح البصر، دخلت البلاد، على حين غفلة من المواطنين البسطاء، في مرحلة مريرة تميزت بالتراجع الاقتصادي وغلق المؤسسات الصناعية وتفشي البطالة وصراع الأفكار التي نشأت، دون تريث، في أوساط النخبة، ثم أدت الى أحداث سوداء أدمت البلاد والعباد.

   حدثني فيما بعد، خلال إحدى جلساتنا، كيف جاء للرسم بطريقة فريدة وطريفة، وكيف أقام، بُعيْدَ تخرجه من الجامعة، أياما في نزل متواضع مطل على البحر، وسط مدينة وهران في غضون العام 1989. كانت غرفته واسعة ذات سقف عال مطلي بالأبيض وكانت تتمرغ من كل الجهات في شمس عاصمة الغرب الباهية. وكانت أصوات الأطفال البريئة تصعد من زوايا الحي دون انقطاع. وما هي إلا لحظات حتى اتخذ قرارا مفاجئا سيغير مجرى حياته. نزل عند مسؤول الاستقبال بالفندق. قام بجرَّةِ قلم في يده بتمديد مقامه لأيام أخرى. ثم خرج يقصد أي محل لبيع أدوات الرسم. اقتَنَى ما يلزم من أنابيب الألوان والأوراق، واختار فرشاة للرسم أو اثنتين، ثم عاد الى غرفته ليَعْمَلَ دون توقف إلا لتناول الغداء أو العشاء. وما هي إلا سويعات حتى شهدت وهران ميلاد أولى اللوحات الزيتية التي ستجوب الجزائر ودولا أخرى بعد ذلك.

   أقام بذلك عدة معارض سواء لوحده أو بالاشتراك مع فنانين آخرين، في تونس (1998) ثم في مرسيليا وليون وباريس (طوال العام 2003) وأيضا في المغرب وفي نيويورك بأمريكا، وخصوصا، دون تردد أو استعلاء، وطوال ثلاث عقود من الزمن، في كل المدن الكبرى بالجزائر (العاصمة عدة مرات، غرداية، تمنراست ثلاث مرات، تلمسان، تيارت، عين تموشنت، باتنة، ورقلة، عنابة، سطيف، تيبازة، وهران، بشار…. الخ…).

   خلال معرض “أطفال غزة” يشارك الفنان بعدة لوحات معبرة من بينها لوحة رسمها على عجل إثر أحداث سبتمبر 2001 بنيويورك. لا مجال عنده، في هذه اللوحة، للخطاب المتكرر عن الجاني وعن الضحية. ولذا، نرى من بين أنقاض ناطحتي السحاب المدمرتين، مخلوقا يبرز في هيئة وحش أو غول بشع شبيه بالكائنات الأسطورية، ويخرج منقضا (أو هاربا) من الأنقاض. ولا نعرف ممن يهرب: أمن الدمار الذي خلفه وراءه أو من ذاته الشريرة التي ظلت تتربص بضعفاء العالم حتى فضحها الزلزال؟

   ينظر الوحش فينا بقساوة. لا نعرف هل هو يستغيث بنا أم يستعد للانقضاض. ربما خرج لينتقم. وربما كان واحدا من الأشقياء الهاربين لكننا نجهل إن كان أحدٌ قد تسبب في شقائه أو أنه الشقاء بعينه. الفنان صحرواي هنا يمشي وراء خطوات بابلو بيكاسو في لوحته الشهيرة غرنيكا التي رسمها في خضم الحرب الأهلية الاسبانية، إلا أنه في هذا المجال، يختلف عن المُعَلِّمِ الكبير اختلافا جذريا لأنه يملك وجهة نظر تثير النقاش دون أن تسعى لتؤثر فيه.

   وفي لوحة أخرى، يمشي نفر من رجال الطوارق، سكان الصحراء الملثمين بالأزرق، إلى هدف يبدو صعب المنال ولا يكترثون للمراعي التي يدوسونها بنعالهم. هل هو سراب؟ أم وهم من الأوهام؟ أم خطأ في التقدير عن هوية الصحراء، عن ثقافتها، عن المصير الذي نريده لأولادها.

   يكاد المرء أن يسأله مثلما يسأل أي زائر فضولي: ولكن ما الذي يريد أن يقوله الفنان صحرواي في هذه اللوحة مثلا؟ ولكنه سرعان ما يتراجع حين يعلم أن الفنان سمَّى سلسلته الأخيرة، بكل لوحاتها الباهرة: نظرات من الجنوب. هي إذن مجرد نظرات ولكنها نظرات تستعصي على الفهم بل وترفضه. وهي تمنح لمشاهديها كل يوم أسرارا جديدة. ولذا، نسارع لاقتناء هذه التحف. نختار اللوحة التي تميل لها قلوبنا ثم نعلقها في الأماكن المفضلة بمنازلنا، ننظر إليها كل صباح قبل أن ننظر للمرآة، حتى نقرأ فيها كل يوم شيئا جديدا يتعلق أساسا بنفوسنا، حتى ولو كان فيها، دون شك، درس بليغ عن نفسية الرسام الذي أبدعها وعن فنه.

   فماذا إذن عن نفسية الفنان صحرواي وماذا عن فنه؟

   كان يحلو له أن يقول في بداياته، متأثرا بدراساته الدقيقة في الفيزياء، أن القاسم المشترك في أعماله هو ما يمكن أن نعثر فيها من الأنتروبيا التي تميز العالم وتميز الفن بعد ذلك، بما أنَّ الفنَّ جزء لا يتجزأ من العالم إن لم يكن هو العالم كُلُّهُ، ولكون الأنتروبيا هي الكمية التي تميز درجة عدم التنظيم التي يمكن أن نعثر عليها في أي نظام، وفي عالمنا على سبيل المثال.

   ثم أن الأنتروبيا يمكن اعتبارها المصطلح الوحيد في الفيزياء الذي خضع فيه مؤسسوه لهواهم قبل عقولهم، وهذا شيء مرعب وساحر. ومنذ أن استعار رودولف كلاوزيس هذا المصطلح من الميثولوجيا الاغريقية، لم يتمكن أي باحث أو عالم من وضع أسس مقنعة لقياس قيم الأنتروبيا. وبقيت الأنتروبيا الى حد الآن غامضة، تسحر أكثر علماء الفيزياء صرامة، على الرغم من المجهود الذي قام به بولتزمان ثم ستيفن هاوكينز بعد ذلك، لوضع قواعد نهائية للأنتروبيا.

   إن جزئيات المادة تميل بعد تفككها، بخلاف ما يمكن أن يدور في الذهن، الى الانتشار المنظم للحصول على المزيد من الحريات. إنها تمضي ضمن نظام دقيق يتميز بفوضاه الساحرة الرامية لهدف يغري بالتأمل. أليس هذا هو التعريف اللائق لفن صحراوي عبد الحميد الباحث عن العمق، الرافض للسطحية، المترفع عن السذاجة؟  

   ومن جهة أخرى، ينبهر المشاهد بتزاحم الألوان لديه إلا أنه تزاحم لا ينفي التناغم بل ويدعمه. كما أن الألوان المستخدمة غالبا ما تكون زاهية حتى ولو غلب عليها في بعض اللوحات لون أو لونان (مجموعة كبيرة من أعماله غلب عليها اللون الأسود وأخرى اللون الفضي، ولوحات أخرى كثيرة تسربلت بالأزرق، رسمها الفنان في المرحلة الزرقاء من مساره الفني كما يحب أن يذكر مازحا، ومشيرا، دون ادعاء، لبيكاسو).

   إن تزاحم الألوان يعود لنفسية الفنان الذواقة، القابلة للأمل والداعية للفرح، كما أنها تمنح المشاهد مجالا للتعمق في مختلف المناظر والمشاهد دون أي نية لربطها بتيار من التيارات.

   ومع ذلك، ينبغي القول بأنه يبقى متأثرا بالعديد من المدارس، متأرجحا في منتصف الطريق بين الفن التصويري والفن التجريدي، بين أمحمد إسياخم ومحمد خدة، وبين شكري مسلي وحكار، إلا أنه مفتون، أكثر من أي أحد فيهم، بالأشكال الهندسية التي كانت أساس دراساته الجامعية. ولكن افتتانه بالأشكال المتداولة في الهندسة لا يجعله أبدا متجردا من الإنسانية لأن أشكاله نادرا ما تكون مستطيلة تماما أو مثلثة دون نقصان أو مربعة دون عيب. إنها في الحقيقة سلسلة من المربعات بزوايا غير قائمة وأخرى من المثلثات بزوايا غير حادة ولا منفرجة، ثم سلسلة من الأشكال المتداخلة بعنف وعنفوان ولكنها غير منسقة بشكل فاضح كما في أعمال فازاريلي، بل يغلب عليه الانسياب والانزلاقات، وتمضي ضمن نظام غامض لا يعرف سره إلا من درس الأنتروبيا وفتن بهما. أنها أعمال جميلة تغري بالتوقف والتأمل. تبدو لأول وهلة سهلة ممتنعة ولكنها في حقيقة الأمر تنبئ عن المجهود الكبير الذي قام به الفنان لإنجازها.

   وفي نهاية كل يوم، يطفئون الأضواء في ممرات مقر الجمعية ويغلقون الأبواب. تبقى اللوحات مع ذلك مشعة بأنوارها الداخلية. يتفقدها الفنان صحراوي عبد الحميد، حين يهم بالخروج، مثل أُمٍّ تتفقد أبناءها قبل خلودها للنوم. ثم ينسحب عائدا لبيته، مرتاحا لعمل بديع بذل فيه عصارة كبيرة من الفكر، وكثيرا من الذوق والعرق.

اترك تعليقا