تبدو حياة المناضل الجزائري “محمد بن صدوق “(1931)على جانب كبير من الإثارة والاستغراب، تصِل إلى حَدِّ المغامرة و المجازفة القصوى،حياة رجل فذ ومسار مناضل قذفته الظروف و المصادفات لصنع ملحمته الخاصة،.فحادثة اغتيال الباشاغا “علي شكّال” في 26 ماي 1957هزّت فرنسا والرأي العام،..وسلّطت الأضواء على “بن صدوق” -مُنفِّذ العملية-،الذي غَدَا اسمه على كل لسان وشفة، وعُنوانًا بارزًا يتصَدَّر واجهات الصحف الفرنسية والعالمية، كما كشفت –الحادثة-من ناحية أخرى على مدى فعالية “فيدرالية ” جبهة التحرير الوطني في الخارج، ونشاط ذراعها العسكري والسِرّي في فرنسا؟
كان يُمكِن لهذا الرجُل الحِرفي البسيط أن يكتفي بمهنته الخاصة ” الترصيص” بعنابة وأن يظلَّ قابعًا في دهاليز التاريخ، أو على هوامش الأحداث،دون أن يذكُرَه أحد،أو يلتفِتَ إليه “الكبار” من صُنَّاع التاريخ،لكن أحياناً يأخذ التاريخ مساراتٍ و منعطفات أخرى غير ما نتوقَّع- تنطوي على الكثير من المُفارقات والتناقضات الحادة.
المناضل” بن صدوق”(93) سنة، يحمل ذاكرة مُتوهجة ،تعجُّ بالكثير من الذكريات والتجارب والأحداث، والتي ساهمت في تشكيل وعيِّه مُبكرا،منذ كان طفلا ، منضويا تحت لواء الكشافة الجزائرية الإسلامية، وإلى غاية الحُكم عليه بالسجن المؤبد،وانتقالاته المُتعددة من سجن لأخر في فرنسا والجزائر بعد الاستقلال.
ولعلّ الحادثة المأساوية التي فتحت عينيه أكثر على اتساعهما وأيقظت ضميره بِحِدَّةٍ على قساوة الظلم والتعدِّي على الأبرياء –وهو ابن الحادية عشرة-،هي حادثة القصف الشنيع الذي شنّه الطيران الأمريكي على ميناء “عنابة” عام 1942، على خلفية إيقافِ بواخرَ مُحمَّلةٍ بالأسلحة مُتجهة إلى تونس،وقد طَاَل القصف العشوائي –آنذاك- مدرسته الابتدائية التي كان يَدرُسُ بها،وراحَ ضحيتَها مائتا طفل في عُمر الزهور من أقرانه البراعم الصِّغَار .
ومن المُصادفات الغريبة،أنّه تغيّبَ في ذلك اليوم الفاجع لأمرٍ شخصي حَالَ دون ذهابه والتحاقه بمقاعد الدراسة، فَأصيب-بن صدوق الطفل-وقتها- بحزن شديد لِفقدان رفقاء المدرسة، وتَنَامَى لديه إحساس شديد بكراهية الظلم والتسلُّط والطغيان، وتلبَّستْهُ-حينها- نزعة مُبكّرة في التمسك بالجذور والأرض والدفاع المستميت من أجل الآخرين.
الكاتب رشيد بوجدرة(1941) مَهووس بالشخصيات الإشكالية التي تضعها المُصادفات على مَحَكِ التجارب الصعبة وحَوافِ التاريخ والأحداث المِفصلية الشائكة، ، استرعَت انتبَاهَه هذه الحادثة، فانبَرَى لتأليف روايته المشهور ة “ضربة جزاء” التي صدرت أول مرة في طبعتها الفرنسية عام 1981، وقد ترجمها إلى العربية باقتدار كبير الروائي الجزائري الراحل “مرزاق بقطاش” وصدرت بالعربية عام 1985 عن المؤسسة الوطنية للكتاب.
بوجدرة، يهتم كثيراً بالتفاصيل الصغيرة لتأثيث رواياته جميعاً، كما هو الشأن في عمله الروائي هذا الذي ينحصِر في بؤرة واحدة، هي حادثة الاغتيال المشهورة التي جرت وقائعها تزامُناً مع المُباراة النهائية لكأس الجمهورية الفرنسية بتاريخ 26 ماي 1957 بملعب “كولمب” بالضاحية الباريسية،بين فريقي” تولوز” و”انجي” ، الفرنسيين.
الرواية منسوجة بطريقة فنية مُحكَمة تتكئ على مستويين اثنين، أَحدُهما أفقي، تتجَلّى من خلاله تَحرُكات الشخصية الرئيسية “، وتنقُلاتِها من محطة لأخرى، مع ما يكتنِف ذلك من توجُس وشكٍ وريبة،وخط ثانٍ شاقولي ، يأخذنا بوجدرة من خلاله إلى ماضي الشخصية، وذكرياتها الحميمَة مع أمه “مسعودة” وشقيقه “الأكبر” الذي التهمته حرائق الثورة أو الخال المناضل الشيوعي الذي غرس في الطفل حُبَّ الانتماء المبكر إلى الوطن والتمسُّك بالمقاومة والنضال
يبدو البطل –بن صدوق- وهو في مُدرجات الملعب،على أعصابِه مُتوتِراً، مُترقِبًا حركات الباشاغا “شكّال علي” الذي اتخذَ له مكانًا بالقُرب من رئيس الجمهورية الفرنسية،”روني كوتي” وحَرمِه، ومُحافظ الشرطة “موريس بابو”، خاصة وأن “الباشاغا” غَادَر مكانَه أكثر من مرّة للتبوّل أو الوضوء أو الصلاة،.مَا قد يعُطِّل مَسارَ العملية برُمَّتها وينسِفَ كل الجهد الذي بذله من أجلها.
من المفارقات أنَّ” بن صدوق” لم يكن يعرف وجه الضحيّة إلا من خلال الاسم فقط،ولذلك لم يجد كبيرَ صعوبة للتعرُّف عليه أثناء تأَهُب الوفد الرئاسي للخروج من بوابات الملعب الخلفي، فقد بَدَا له واضحاً وَجْهَ الشخص المعْني والمقصود، من خلال هيئته الخاصة وبرونوسه الأبيض وسُحْنَتِه الجزائرية المعروفة،مَا سَهّل مأمورية” بن صدوق”، فأطلقَ رصاصةً واحدةً أَرْدَت “الباشاغا” قتيلاً غارقًا في بِركة من الدماء؟،فأَنْهت بذلك حياةَ رجل مَوسُومةٍ بالخيانة والعار، كان بمقدور”بن صدوق” اغتيالَ رئيس الجمهورية الفرنسي-آنذاك-أو “موريس بابون” محافظ الشرطة، كما كان مُتاحاً له –أيضاً-من قَبل اغتيالَ “قدور بن غبريط” عميد جامع باريس،المُوالي للسياسة الاستعمارية، وقد اشتغَلَ مُدةً في الترصيص بالجامع المذكور، في تلك السنوات المُلتهبة بالأحداث؟ لكن أوامر الجبهة كان من الصرامة والشدَّة بحيث لم يدَع مجالاً للخروج عن المقاصد والأهداف التي رسمها جناحها المسلّح مُسبَقًا.



