إن الإنسان منذ وجوده على هذه المعمورة وهو يحس بحاجة إلى التعبير وذلك لغرض الاتصال مع الآخرين.. وأول شكل من أشكال التعبير الذي ظهر مع ظهور الإنسان هو تقليد أصوات وحركات الحيوانات ثم لاحظ الإنسان حدوث ظواهر يقف أمامها عاجزا كالأعاصير والجفاف والعواصف، وإذا به يؤمن ويعتقد بوجود قوة كونية تسيرها الآلهة ويقدم لها القرابين، وقد كان احتفال الإنسان بالآلهة يقام في شكل رقصات وأزياء تنكرية ومن هنا ولد المسرح، وكانت هذه الاحتفالات ذات قيمة جمالية وفنية رفيعة وكذلك الأزياء والأقنعة التي كان يرتديها الممثل آنذاك تعد من أسباب وعظمة وروعة التراجيديا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المجتمع الإنساني في تطور دائم ومستمر، وهذا التطور حينما يمس المسرح باعتباره المرآة العاكسة للمجتمع، فالمسرح يجعل من الأشياء المكتوبة والمسموعة كيانا له مقومات العالم الواقعي لأنه يجسد لنا المواقف التي نواجهها في الحياة، فالمسرح هو أبو الفنون ولعل هذا الفن من أكثر العوالم الفنية اتساعا واستنزافا للطاقة البشرية المبدعة، عبر العصور، ومن أجل ذلك سخرت له الإنسانية جهدا فكريا وتصوريا هائلاً تمخضت عنه انتاجات ودراسات وبحوث لا تحصى، شاركت فيه عقول بشرية خلاقة عبر مختلف الأزمنة والأمكنة، فلا يكاد يمر يوما من عصرنا الحديث إلا وتصدر المئات من المؤلفات والآلاف من البحوث حول فن المسرح، وهذا طبعاً لأنه من أكثر الفنون حيوية، كما أنه تصور إنساني يهدف إلى تفسير الحياة من خلال محاكاته للطبيعة مستفزا في ذلك فنون أخرى، إلى أن وصل إلينا بمفهومه الحديث ومصطلحاته الجديدة التي عرفت هي الأخرى تطورا في مفاهيمها بحكم المتطلبات الراهنة والتغير الذي عرفته الحياة البشرية. ولعل مصطلح السينوغرافيا هو أحد المصطلحات التي أقصدها، فهو مصطلح قديم وحديث بمعنى أنها كلمة ظهرت في القاموس اليوناني القديم، لكن معناها الحالي بعيد كل البعد عن ما كانت تحمله هذه الكلمة من معانٍ في الحقبة الإغريقية القديمة. وقد أصبحت السينوغرافيا اليوم أكثر من ضرورة ليس في بناء العروض المسرحية وحسب، بل تجاوزت ذلك وأخذت مكانها كركيزة أساسية لنجاح كل العروض الأخرى، فلقد أصبح بناء العروض المسرحية اليوم يحتاج إلى بناء سينوغرافي مرتبط أشد الارتباط بالبناء الدرامي للمسرحية وبقية العناصر المكملة للعرض المسرحي. فالسينوغراف يستطيع باستخدام كل التقنيات من تحكم في الفضاء المسرحي وتصميم الديكور والإضاءة والصوت والأزياء والتمثيل والإخراج وكلها عناصر للسينوغرافيا يستطيع بها السينوغراف خلق جو فني يستمتع به الجمهور ليس من خلال حواسهم فحسب بل بقوى خفية تؤثر في المشاعر والأحاسيس، فمن خلال الحدث المسرحي الذي يجري فوق خشبة المسرح في لحظات يرافقه دفء الحضور الإنساني فجميع الصدور مثلجة في هذه اللحظة تختلج وتنبض بنفس واحد. لذلك لا بد من وجود مسرح في اليمن كمؤسسة ولما لا والمسرح يقضي على الحقد والكراهية عند أولئك الذين لا يعرفون الحب وينشر الأمن والسلام للذين يفتقرون للراحة ويخفف من آلام كل حزين ويفتح آفاقاً جديدة للمشردين الذين ضلوا الطريق ويعيد الثقة والأمل في نفوس الذين يرفضون كل شيء .
-
تصنيفات
-
أحدث التدوينات
- عبد الحميد بورايو حارس الذاكرة وعاشق الحكايات / محمد بو زرواطة
- ( مقاطع من رواية أعراش الدم) / – الصْمايَمْ الباردة / حسين علام
- جدلية الحرية والهوية في رواية (تنهيدة حرية ) لرولا خالد غانم: قراءة نقدية في سرد الذاكرة وتشكيل الوعي النسوي الفلسطيني/ شريف ابراهيم احمد
- خطاب عزمي بشارة اللامتوازن لما بعد الحرب / فراس حج محمد
- رواية رجالي” لمليكة مقدم / حكاية الجرّة المكسورة / محمد بوزرواطة
- بين قصدية المؤلف وفوضى التأويل: قراءة في حدود التلقي / مبروك بالنوي
- الالتجاء إلى الحرب بين الدوافع اللاشعورية الجمعية والمطامع الإمبريالية التوسعية، مقاربة استراتيجية عند فرويد، فوكو، ودولوز/ د زهير الخويلدي
- رواية “دابة الأرض”: قراءة تمهيدية في العتبات / فراس حج محمد
- احتمالات بيضاء: أدب الحرية الفلسطيني كفلسفة للتحدي والذاكرة النابضة / فراس حج محمد (خاص)
- غاستون باشلار والتحليل النفسي للمعرفة العلمية بين القطيعة الابستيمولوجية والعقلانية التطبيقية، مقاربة معرفية تاريخية /د زهير الخويلدية




