يعتزم إعادة طبع روايته “حياة تحت الإرهاب” بالعربية في الجزائر… الكاتب الجزائري محمد توفيق يرصد عيوب مجتمعين ويتحدث عن مآس مسكوت عنها منذ سنوات / خالدة مختار بوريجي
بواسطة مسارب بتاريخ 16 أبريل, 2012 في 09:20 مساء | مصنفة في حفريات | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 3261.

عنها يجري حاليا وضع اللمسات الأخيرة على الترجمة العربية لرواية “حياة تحت الإرهاب”، للكاتب الجزائري محمد توفيق، التي صدرت مؤخرا بفرنسا عن جمعية “الفن والتعبير الحر” بتولوز.

وقال الكاتب انه يعتزم الباحث عن القارئ الجزائري، باللغة العربية، على اعتبار انه يكتب له بالدرجة الأولى، على الرغم من صدور كتابه بفرنسا، وباللغة الفرنسية، الذين ردهما إلى ظروف خاصة أجبرته على الاستقرار هناك وجعلته يختار تلك اللغة.

ويتحدث كتاب “حياة تحت الإرهاب” عن حياة آمال، الفتاة الجزائرية التي وقعت بين أيدي الإرهابيين في إحدى ضواحي وهران، وكيفية هروبها منهم، والجراح النفسية التي لازمتها بعد نجاتها، خصوصا مع عائلتها، التي رفضت استقبالها، وفضلت لو أنها قتلت في معسكر الإرهاب على ان تعيش وهي مغتصبة.

سردينة.. والتشدد الديني

تبتدئ الرواية بذكر شيء من تاريخ حي “سردينة”، وتاريخ وهران ككل، ذلك الحي الذي بُني قبل بناء القاهرة –كما يقول الكاتب- واغلب المدن العربية الحالية، في الجزائر وغيرها، والذي اشتهر بتجارة السمك في فترة ما، حتى اكتسب هذا الاسم.. سردينة صار اسما يطلق على حي، وعلى عمارة –بالخصوص- مكتظة بالسكان، ومكتظة بالحكايات والمآسي المختلفة.

ومع كل ذلك، يعيش سكان سردينة كأنهم معزولون عما يحدث.. وكأنهم بعيدون عن الإرهاب الذي لا يبعد عنهم سوى بضع كيلومترات.. يحلمون ويتزوجون وينجبون.. يلعب أبناؤهم مبارياتهم الكروية في ساحة الحي، ويتواعد شبانه مع شاباته سرا، رغم كل الرقابة التي يمارسها أهل الحي على أبنائهم وأبناء غيرهم.

وخلال 52 صفحة من الكتاب (ذي القطع المتوسط) تروي أمل تفاصيل الحياة اليومية في “سردينة”، وتقدم سيرا ذاتية عن سلوكات أفراد عائلتها ونفسياتهم، وكذا السكان الذين يحيطون بهم.. الوالد، المتبرم دوما بمتاعب الحياة وشظف العيش، يحال إلى التقاعد، فتزداد مشاكله النفسية، ويبدأ في التنفيس عن قلقه بزيادة الضغط على زوجته وأبنائه: انه يقضي اليوم كله في مراقبة زوجته، والتدخل في شؤون الطبخ وكيفية صنع الأشياء أو ترتيبها.. الأم التي لم تثر يوما على زوجها لا تثور أيضا، وتكتفي بمسايرته والصبر على طبعه الجديد.

وسرعان ما يحوي الإمام الجديد الشاب، ذي النوايا المريبة، فراغ الأب العجوز، ويجتذبه إلى المسجد، ويكلفه بتنظيف سجاجيد الجامع كنوع من التقرب إلى الله، ومن السجاجيد ومحاولات الهداية المزعومة يقفز الإمام الجديد إلى دماغه، فيقوم بغسله شيئا فشيئا، حتى يصبح الأب أداة طيعة بيده، وينقلب كل ذلك على بيته، فتظهر محرمات جديدة في برنامج السلوكات اليومية، كانت إلى وقت قريب عادية ومقبولة.

وتعرف سردينة رجالا متشددين من حزب اسلاموي، يسيطرون على أنفاسها ويحددون تفكيرها وتوجهاتها.. أسواق خيرية إسلامية.. تدخلات في حياة الناس بقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. خطب ذات لهجة سياسية في مسجدها.. فرق خاصة منظمة تسيطر على الشباب وتخضعهم لإرادتها.. وغيرها من المظاهر الجديدة.

معاناة نسوية صامتة

وتزداد متاعب الأخت الكبرى “آسية” في هذا الوضع الجديد، صارت تحتاج إلى جهد اكبر للقاء حبيبها، فبعد الجهد الكبير الذي تبذله لتجنب نظرات أخويها وأبناء الحي، صار تقاعد الأب يفرض نوعا جديدا من الرقابة، كما صار هؤلاء المتشددون يمارسون الرقابة عليها وعلى كل نساء الحي.. فتلجأ إلى أختها الصغرى “آمال” (الراوية) كي تتستر على خروجها من المنزل وتسللها للقاء المحبوب، الذي لم يلبث ان جاءها خاطبا، رغم رفض والدته.

وفي خضم قصص عديدة يوردها الكاتب حول وضعيات النساء الاجتماعية البائسة في “سردينة”، تتزوج آسية من حسين، ولا تستطيع الإنجاب، فتطردها حماتها وتطلقها من ابنها الذي بدأت صحته بالتدهور، ليكتشف لاحقا ان مرضه ليس سوى أعراض مرض السيدا، الذي لم يمهله كثيرا حتى قضى عليه.. آسية تصدم بموت طليقها، وتصدم أكثر باكتشافها أنها أصيبت بعدوى السيدا منه، فتنهار معنوياتها، خصوصا وان حمل امرأة هذا المرض يعد عارا ما بعده عار، حتى وان كان بسبب علاقة شرعية هي الزواج.

تعيش آسية المعاناة صامتة، خوفا من المجتمع، وخاصة والدها وأخويها، إضافة إلى معاناتها من نظرات الآخرين كمطلقة عاقر، وتقرر في صباح ما الانتحار قفزا من شرفة منزلهم، قبل ان تظهر عليها أعراض السيدا وينبذ الجميع عائلتها، وهنا تجد الأسرة نفسها في عار آخر، فانتحار امرأة يفجر الظنون ويفتح الطريق أمام التأويلات الجارحة، وكي لا يمتنع الإمام الجديد عن تأدية صلاة الجنازة على جثمانها يضطر الأب إلى الكذب، مدعيا أنها كانت تحاول فعل شيء ما في الشرفة عندما زلت قدمها وسقطت.

وتحاول آمال ان تهرب من كل تلك المآسي، فتعشق كريمو، المدعو كاكي، وتتواعد معه سرا أثناء دروس الجامعة.. ولكن الإرهابيين كانوا بالمرصاد لهذه العلاقة.

الوجه الآخر لفرنسا..

خلال معظم صفحات الكتاب، ترصد الرواية كل عيوب مجتمعها ومساوئ العيش في سردينة، وتتطرق إلى طبائع أهلها وجيرانها والناس عموما.. حي شعبي صغير يعج بالعقد النفسية والمخلفات الاجتماعية في وهران، تلك المدينة الكبيرة المتفتحة على الحياة والأفكار والمظاهر.. ما الذي دفع أمل إلى ان تعشق كاكي بجنون، وهو الشاب الأسود اللون، الذي لا يكف أهل الحي عن مناداته “نيغرو”، أو الزنجي؟

لم يكن حبا صافيا تماما، فقد كان يشوبه بعض المصلحة.. لقد سبق لكاكي ان أمضى 04 سنوات في مرسيلية، وكانت أمل تأمل في ان تعود معه إليها بعد الزواج، لتتخلص من حياة البؤس والعقد، وتنطلق في فضاء متفتح لا حد لتفتحه.. لكن كاكي يصدمها بان فرنسا صارت منفى حقيقيا لكل الجزائريين الذين لا يملكون شهادات عالية أو أموالا طائلة.. ان مجرد تواجد جزائري هناك دون وثائق أو مؤهلات عالية سيتحول إلى مطاردة لامنتهية من قبل البوليس، المتفنن في اهانة الشباب المهاجرين إلى هناك بحثا عن عمل.

يقول كاكي: “فرنسا هي بلد المتناقضات، انها دولة القانون ولكنها ليست بلدا لحقوق الإنسان”، “هناك يعيش المرء لاجئا”، انها “بلد يتخلى فيها الرجال عن ذواتهم، هناك تكونين وسط أناس كثيرين، لكنك ضائعة، لأنك في قرارة نفسك لست سوى وحدك، وسيكون لقلبك كل الزمن البارد”.. “أفكارك تصبح سوداوية، وأيضا ميكانيزمات الدفاع لديك، وتفشلين، لأنك منسلخة عن جذورك، لأنك بعيدة عن اهلك، ومعالمك سوف لم تكون نفسها هناك”..

ويردف: “انها بلد لائكي، لكنك مرغمة هناك على ان تخفي ديانتك، وان تمتنعي تماما عن الحديث عن حضارتك.. عندما كان الأمر يتعلق ببناء فرنسا واستعادة حريتها لم يكن الإسلام يضايق شخصا، لكن الآن صار يعتبر المنبع الوحيد لكل المشاكل التي تحدث في فرنسا.

ويضيف كاكي لأمل المندهشة تماما من حكاياته: “في فرنسا تعيشين دوما هاربة، لأن جارا لك بلغ عنك الشرطة، التي ستبحث عندك بلا هوادة، والتهمة هي أنك دون وثائق إقامة”.. “فرنسا مشدودة جدا إلى ماضيها”، “إذا كان المرء فنانا أو رياضيا موهوبا، وبإمكانه ان يجلب فوزا أو مجدا لفرنسا، فسيكونون بحاجة إليه، حتى وإن كان دون وثائق، وسيغيرون من وضعيته بسرعة، وسيخرج من حالة الاختباء وسيصبح حينها فرنسيا تماما، في حين ان شبابا يولدون على أرضها ويحملون جنسيتها يهمشون تماما”.. لأنه إذا تمكنت من الحصول على ميدالية، وغنيت النشيد الوطني الفرنسي، فستكون فرنسا هي من فاز حقا وجنى”..

انها –في النهاية- عيوب جزائرية كثيرة، ولكن مبرراتها موجودة، منشؤها مادي في الغالب وتنبت من واقع معيشي مزر لا قدرة لأفراده على تجاوزه، لكن العيوب الفرنسية لا مبرر لها، في مجتمع مثقف وموسر، له تاريخه المعروف بخصوص المناداة بحرية الإنسان وحقوقه.

الإرهاب.. والثمن الاجتماعي المدفوع

تقتنع أمل بإلغاء فكرة الهجرة إلى فرنسا من رأسها، وتقنع بحب كاكي ما دام يضمن لها الاحترام الذي لم تعرفه في بيت أهلها، ويتواعدان في شاطئ كاب بلان، بعيدا عن وهران.. تخرج أمل بحذر، وتجتاز كل حواجز الرقابة الأسرية والاجتماعية، وتركب سيارة كاكي التي استأجرها من احد أصدقائه، وتنطلق معه إلى البحر، وهناك تجد شباب الحي كلهم.. الجميع رأوها دون استثناء، وعقاب الأخ والأب سيكون رهيبا هذا المساء..

ومع ذلك تحاول ان تتجاهلهم وتقضي بعض الوقت مع كاكي على الشاطئ، لكنها لا تستطيع ذلك طويلا، على الرغم من محاولات كاكي الترفيه عنها، فتطلب العودة، ويسلكان طريقا آخر منعزلا قليلا، تجنبا لعيون الوهرانيين.. وفي ذلك الطريق يقعان في حاجز امني مزيف، وتشاهد أمل احد أخويها ضمن الإرهابيين، فتصدم.

يقتل الإرهابيون كاكي أمام عيني حبيبته، بقطع رأسه مع عدد من الضحايا الرجال، في حين اقتيدت هي وامرأتان أخريان إلى المعسكر، وبعد عقاب جسدي شديد من طرف الأخ زوجت الفتاة إلى احد رجال الجماعة، وظل يغتصبها يوميا وهي مقيدة الأطراف، إلى ان جاء يوم فك فيه الزوج وثاق أمل، بعد ان رق لحالها، معتقدا انها غير قادرة على الهرب، فانتهزت أول فرصة واستجمعت ما بقي من قوتها لتهرب بين الأشجار، حتى وصلت إلى الطريق العام، وهناك استوقفت سيارة ونجت بأعجوبة..

أمل هي واحدة من آلاف المغتصبات اللاتي وجدن أنفسهن حوامل من إرهابيين مجرمين، ولم يسمح لهن الأزهر بالإجهاض للتخلص من الألم النفسي المصاحب لمآسيهن، على الرغم من انه أجاز الأمر نفسه للنساء البوسنيات من قبل، كما لم ينصفهن المجتمع، الذي ظل ينظر إليهن على أنهن ملوثات بالعار.. أمل واحدة من آلاف التي لم تقبل عائلاتهن عودتهن، على الرغم من كونهن ضحايا، ووجدن أنفسهن في الشارع مع أبناء غير شرعيين.. لم يعرفن ماذا يصنعن بأنفسهن، في حين استفاد المجرمون بحقهن وحق الوطن من العفو، وعادوا أحرارا إلى الحياة العادية، وكأن شيئا لم يكن.

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. المبدعة والقاصة خالدة المختار

    نشكرك على مساهماتك النوعية التي أثرت صفحات مجلتنا ، أضفت عليها ضياءً بهاءً ، آملين أن نتواصل أكثر خدمةً للثقافة وتفعيلاً لها ،ولهذا المشهد البائس الذي نحاول وكلّ الاصدقاء أن نحركّه ونسعفه …

    شكراً على تفاعلكِ الصديقة خالدة ، في انتظار مساهماتكٍ التي نعلم مسبقاً ثراءها وعمق مضمونها.

  2. الفاضل الصديق محمد.. انه تشجيع كبير لي، ويشرفني كثيرا ان اكتب معكم.. لكم خالص شكري.

اترك تعليقا