عبد الحميد بورايو حارس الذاكرة وعاشق الحكايات / محمد بو زرواطة
بواسطة admin بتاريخ 24 نوفمبر, 2025 في 04:40 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 154.

01-

هل يحِقُّ لي، أن أُقدّمَ شهادةً عن كاتبٍ لم ألتقِ به، ولم أحظَ بالاقتراب منه، والاغتراف من معارفه وسَجايَاه،؟ فالشهادة على هذا النحو-إن تمّت-فستكون بلا، شكٍ مجروحةً وناقصةً، غير مُكتمِلةِ الجوانب، والأبعاد، لافتقادِها إلى عنصر المُشاهدَة والاحتكاك بعالم الشخص المرغُوبِ فيه، والدُّنُوِ من عالمه الذاتي،، استِجلاءً لبعض “الصفات”و”الملامح” التي تسِمُ شخصيةَ المُتحَدَّث عنه، وتُضفي من ناحية أخرى، نبرةً من الصدقِ والتلقائية ، على لسان، “المُتكلم”، ما يَجعَلُ ، فعلَ التّلقي،- من طرف القُرّاء-، أمراً ميسوراً، يحظى بالقبُول والإجماع.

فالشهادة، في أبسطِ تعريف لها،هي الاعتراف والإقرَار، بما لدى الشخص ، من ميزاتٍ وخصائصَ،تؤهِله للتفرّد والتميّز عن الآخرين، من خلال وضع تجربته الإبداعية والنقدية على المِحك، والنظر إليها، بوصفها عُصارةُ تجربة، ورحلة عُمر، من الزمن انقضى في البحث والتنقيب والمثابرة الدائمة ،مثلما هو الشأن عند ناقدنا الكبير عبد الحميد بورايو،كنموذج دالٍ على الحرص والعزيمة القوية،والنزاهة الأخلاقية والعلمية ، المُجرَّدة من روح الإدِّعاء والتعالي والشوفينية المقيتة.

-02-

لذا يقتضي مني الإنصاف والموضوعية، أن أتحدَّث عن الرجل،من خلال إبراز، بعض الخصال أو الصفات ، التي دَمغت مسار الباحث عبد الحميد بورايو، باعتباره أحد الرُّواد الأوائل،ممّن تفطّنوا مُبكّراَ إلى أهمية الثقافة الشعبية-وليس الأدب الشعبي وحسب -،وسعى جاهدا لإدراجها، في حلقات “الدرس الجامعي” كمادة أساسية،لا تقل أهميةً عن التّخصصات الأخرى في العلوم الانسانية، بعد أن تمَّ تجاهُل هذه المادة لسنواتٍ طويلة بعد الاستقلال،، بفعل تلك النظرة القاصرة،والرؤية الشَّوهاء المحدودة لتراثنا الشعبي الأصيل.

لقد أدركَ عبد الحميد بورايو، بحسِّه النافذ ووعيه الراسخ و المُتجذّر،وعبر مسيرة،طويلة، عمرها خمسون عاما من الجهد والعطاء المستمر،في حقول الثقافة الشعبية وروافدها المتعدّدة،كالحكايات والخرافات، والأشعار والمرويات والمَغازي والملامح الشعبية ،وكل الأشكال والصِّيغ الفولكلورية الشعبية، المنتشرة في البوادي والأرياف الجزائرية، بوصفها دعامة أساسية ، لتشييد مداميك الهُوية الجزائرية، وصياغة الوجدان الجزائري،على نحو باتت من خلاله الشخصية الجزائرية، شديدة الخصوصية،وبالِغة الثراء والتنوّع.

من هنا يتعيّن علينا الاعتراف،بمدى عُلُو كعب الأستاذ ع بورايو ووريادته،في التصدي لدراسة موروثنا الحكائي الثّري والخصب ،من خلال نزعة ، يطبعها الشغّف بالتراث، والتولُّه بالحكايات والقصص الشعبية المروية، عبر تاريخنا الجزائري الممتد، والغني بالملاحم الشعبية والحكايات.

إن صفة الجِدّية والرصانة الأكاديمية البحتة، ونزعة التقصّي والبحث والتنقيب المستمر، من أهم الصفات التي ،واكَبت مسارَ الباحث عبد الحميد بورايو، منذ تواجده بالقاهرة ، منتصفَ السبعينيات من القرن الماضي،في مرحلة زمنية مِفصلية،اتّسمت بتوهج الأحلام وانتعاش الرؤى والتطلعات نحو التجديد والحرية والإبداع العربي الخلاّق.

-03-

فبالعودة إلى كتابه التأسيسي الأول، في مجال البحث،”القصص الشعبي في مدينة بسكرة” الصادر عن المؤسسة الوطنية للكتاب، عام 1986،نلاحظ-دون عناء- حجمَ الجُهدَ المبذول، لرصد وتجميع مئات الحكايات، والمرويات الشعبية المتدَاوَلة، بمنطقة ، سيدي خالد، بأولاد جلال بولاية بسكرة، وكيف أضحت هذه المرويات والملاحم الشعبية عُرضة للنسيان والمَحو،خاصة بعد رحيل، رواد الحلقات، والمّداحين،وتلاشي واندثار “مجالس السّمر والحكي”، التي كانت مؤئلاً لاجتماع الحُشود من المستمعين،في الأسواق الأسبوعية وعبر العديد من التجمّعات السّكانية ، في هذه المدينة أو تلك.

لقد تطلّبَ، هذا البحث الميداني الشّاق ، من صاحبه، مدَّة سنة كاملة، من البحث والتقصّي ، عن مصادر” الحكايات” و”أصولها” التاريخية، وكيف أن هذه “الحكايات”، تتشابَه أو تتَباين، فيما بينها في هذا القطر العربي أو ذاك، لاختلافٍ في البيئة، وللتعَدّد الَّلساني والَّلهجاتي، في هذه الحاضرة العربية أو تلك.

نُشير إلى أن هذا البحث الجاد،أُعِدّ في الأصل،كأطروحة جامعية، لنيل شهادة “ماجستير” في الأدب الشعبي، بجامعة القاهرة، عام 1978، تحت إشراف الدكتورة ” نبيلة إبراهيم”(1929-2017)،المُتخصّصة في الأدب الشعبي، وزوجة الناقد المصري الكبير”عز الدين إسماعيل”(1929-2007).

-04-

ومن أبرز الخصائص التي تَسِمُ ، الباحثَ عبد الحميد بورايو، خاصِيَّة، النزاهة العلمية، والاستضاءة، بأحدَث المناهج النقدية الجديدة، ومحاولة تطبيقها على متونِناَ الحكائية، وملاحمنا الشعبية الشهيرة،كسيرة بني هلال ،ـملحمة “حيزية”…إلخ.

على هذا النحو يُعتبر، الدكتور عبد الحميد بورايو،-بلا مُنازع- “الرائد الأول”، -في الجزائر-في مجال ، مُقاربة النصوص التراثية، بآلياتٍ ومناهج نقدية جديدة، استجابة للتطور الحاصل،والطفرة،الهائلة، التي مسّت الأدب في الغرب،في عقد الستينيان،من القرن الماضي وهزّت الكثير من “اليقينيات”، ماجعلهم ، يلجأون إلى استحداث أنساق و مناهج مُبتكَرة، من شأنها الوُلوج إلى أعماق النصوص، وفتح مغاليقها، واستكناه خفاياها.

ولذا تأتي دراسات عبد الحميد بورايو، مُتجاوِزةً للدراسات الجزائرية البحثية السابقة التي تناولت “الأدب الشعبي”، وكرّست نزعة تبسيطية، ونظرةً شمولية، إن على مستوى الطرح أو المعالجة.

وبالرغم من أهمية-هذه الكتابات- التي جاءت أقرب ماتكونُ إلى البحوث ذات النزعة الانطباعية، منه إلى الدراسات المعمّقة، نظير افتقارها إلى العمق والتحليل.

يمكننا الإشارة-في هذا السّياق- إلى كتاب”المقاومة في الشعر الملحون” لجلول بن يلس، والحفناوي أمقران، الصادر عام 1975، عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، أو كتاب” دور الشعر الشعبي الجزائري من 1830 إلى1940″ للتلي بن الشيخ-على سبيل المثال لا الحصر- الصادر عن المؤسسة الوطنية للكتاب عام 1983.

-05-

من السّمات التي، يتميّز بها الناقد عبد الحميد بورايو، صفة الاتزان الأخلاقي والعلمي، والقدرة الفائقة على الإصغاء والإنصات لتجارب “الآخرين” دون نظرةِ استعلاء أو مُجافاة لإبداعات الغير، من أعمال المبدعين الشباب.

فالرجل يمتلك طاقةً كبيرة من التواضع َالجَم، والسّخاء الإنساني، أهّلاه لاكتساب،محبة واحترام الجميع، من الأدباء و المثقفين، بمختلف أطيافهم، وتعدّد مشاربهم الإيديولوجية والمعرفية.

فالسّخاء والتواضع، لا يقترنان إلاَّ بذوي النفوس الكبيرة ،وأصحاب الضمائر الحيّة والأفئدة المُتقدة،إنهم -على نحو ما- قد بلغوا مصافَ الشخصيات العظيمة، ووصلوا إلى درجة من المجد والسّمو والرِفعة ..

اترك تعليقا