يُعدّ مفهوم “موت المؤلف” أحد أكثر المفاهيم التي أثارت جدلًا في النقد الغربي المعاصر، إذ سعى إلى فصل النص عن صاحبه، واعتبار المعنى منوطًا بالقارئ لا بالمبدع. غير أنّ المنظور العربي للأدب يستند إلى مرجعية ثقافية وفكرية مغايرة، تُبقي المؤلف جزءًا من بنية النص لا يمكن تجاوزه. فالأدب العربي، في جوهره، متشابك مع عقيدته، وتاريخه، ومجتمعه، ومع ذاكرة الأمة التي تُؤَسِّسُ المعنى وتوجه القراءة.
يبقى الأدب العربي — في عمقه التاريخي والفكري — غير قابل لإقصاء المؤلف أو لتأجيل المعنى، لما للمؤلف من حضور يتجاوز النص إلى الوعي الجمعي الذي أنتجه. فـ الكاتب في الثقافة العربية ليس مجرد مُنشئ لغوي، بل هو حامل رؤية وموقف وفلسفة، تستمد شرعيتها من السياقات الثقافية والاجتماعية والعقائدية التي ينتمي إليها. هذه الخصوصية تجعل من المستحيل عزل النص عن صاحبه أو التعامل معه ككيان مستقلٍّ عن مقاصده الأصلية، كما تدفع إلى رفض فوضى التأويلات الحداثية التي تتجاهل مرجعية المعنى لصالح اللعب اللغوي أو التفكيك المفتعل (1).
إن كل محاولة لتفكيك النص العربي من منظور “موت المؤلف” — كما طرحه رولان بارت — تبدو مقحمة على بنية ثقافية لم تعرف هذا الانفصال بين القول والفاعل. فالمتلقي العربي لا يتعامل مع النص بوصفه لعبة لغوية مفتوحة، بل بوصفه خطابًا ذا نية ورسالة، تمتد جذورها إلى القيم والمقدسات والهوية، وهو ما يجعل النية التواصلية للمؤلف جزءًا من النسيج الدلالي ذاته (2).
إن ما تطرحه فكرة «الارتباط الفلسفي الشامل بين المؤلف والقارئ» يعيد الاعتبار إلى ما يسميه بول ريكور بـ”التأويل المنضبط”؛ أي القراءة التي توازن بين قصد المؤلف وانفتاح النص على التلقي دون الوقوع في العبث التأويلي (3). ومن ثمّ، فإن المقاربة الفلسفية للأدب العربي لا تنكر تعددية القراءة، لكنها ترفض التعسّف في التأويل وتقويل النص ما لم يقل.
بهذا المعنى، يتّضح أن التحليل الأدبي العربي لا يمكن أن يتحرر تمامًا من فلسفته الشمولية، إذ تبقى العلاقة بين المؤلف والقارئ قائمة على التكامل لا التنافي، وعلى الوعي الجمعي الذي يضبط حركة المعنى ويحمي النص من الفوضى التأويلية. فالمؤلف ليس سلطة قمعية كما زعمت البنيوية، بل وعي إبداعي موجِّه يمنح النص بعده الجمالي والفكري في آنٍ واحد.
خلاصة
إن الأدب العربي، كما نطرحه، يرفض عزلة النص عن صاحبه ويرى في القراءة فعلًا مسؤولًا تحكمه منظومة ثقافية ومعرفية وأخلاقية. فالمعنى لا يُولد من فراغ، بل من تفاعل فلسفي وتاريخي وإنساني بين المبدع والقارئ والنص. ومن ثم، فإن الحياد التأويلي الذي تدعو إليه بعض النظريات الحداثية لا يليق بميراث أدبي يرى أن الكلمة موقف، وأن الكتابة ضمان لغدٍ أفضل
.
الهوامش
عبد الملك مرتاض، في نظرية القراءة والتلقي، دار هومة، الجزائر، 2005، ص. 47.
رولان بارت، موت المؤلف، ترجمة محمد البكري، دار توبقال، الدار البيضاء، 1987، ص. 12.
بول ريكور، التأويل: نظرية في النص والمعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1995، ص. 64.
محمد مفتاح، دينامية النص: دراسة في علم النص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1990، ص. 83.



