جدلية الحرية والهوية في رواية (تنهيدة حرية ) لرولا خالد غانم: قراءة نقدية في سرد الذاكرة وتشكيل الوعي النسوي الفلسطيني/ شريف ابراهيم احمد
بواسطة admin بتاريخ 24 نوفمبر, 2025 في 04:09 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 129.

تمثّل الرواية الفلسطينية إحدى أهم أدوات حفظ الذاكرة الوطنية، وتوثيق التجربة الجماعية للشعب الفلسطيني في مواجهة الاستعمار والتهجير. وفي قلب هذا الأدب تتجسد معاناة المرأة الفلسطينية بوصفها كائنًا مُقاومًا للظلم الاجتماعي والسياسي في آنٍ واحد. تأتي رواية «تنهيدة حرية» للكاتبة رولا خالد غانم لتشكل نموذجًا معاصرًا لهذا المسار الأدبي، حيث تحوّل التجربة الذاتية للمرأة الفلسطينية إلى خطاب سردي مُحمّل بالهوية، والذاكرة، وتطلعات التحرّر.

تطرح الرواية سؤالًا مركزيًا: هل تستطيع المرأة الفلسطينية أن تمتلك حريتها الشخصية دون أن تتخلى عن واجبها الوطني؟ وكيف يمكن للحب والذاكرة أن يتحولا إلى فعل مقاومة؟ من هذه الأسئلة تنطلق هذه الدراسة لقراءة البنية السردية والرمزية في النص، وتحليل دور النساء فيه كفاعلات تاريخيات لا كمجرّد ضحايا.

أولًا: بنية السرد وتشكيل الذاكرة

تعتمد الرواية على سرد متدرّج زمنيًا يقوم على الاسترجاع والعودة المستمرة إلى الماضي. هذا البناء يعكس طبيعة الذاكرة الفلسطينية التي لا تنفصل عن الحاضر، حيث يصبح الماضي جرحًا مفتوحًا وحافزًا للصمود.

تقدّم الكاتبة حكاية ثلاثة أجيال، تبدأ بالجدة «سلمى» التي تشكّل مستودع الذاكرة، مرورًا بالابنة «بتول»، وصولًا إلى الجيل الأصغر الذي يعيد قراءة إرث النضال من منظور معاصر.

من الناحية الفنية، يتداخل السرد العاطفي مع السرد التاريخي، بما يمنح النص طابعًا توثيقيًا-وجدانيًا. ورغم ميل بعض المقاطع إلى المباشرة الوجدانية، فإن حضور الذاكرة بوصفها آلية مقاومة يمنح الرواية عمقًا دلاليًا.

ثانيًا: المرأة الفلسطينية بين القهر والتحرر

تعيد الرواية صياغة صورة المرأة الفلسطينية بعيدًا عن التنميط التقليدي الذي يحبّسها في إطار المظلومية فقط. فالمرأة هنا:

مُقاومة

مُربية للوعي

عاشقة

ومناضلة في معارك اجتماعية وسياسية

تتجلى شخصية «بتول» بوصفها نموذجًا للمرأة التي تخوض صراعًا مزدوجًا:

نضال وطني ضد الاحتلال، و نضال شخصي ضد البنى الذكورية والاجتماعية.

إن رفضها الاستسلام لزواج غير منصف، وتمسكها بخياراتها الوجدانية والفكرية، يمثّل إعلانًا واضحًا بأن الحرية الشخصية لا تقل قداسة عن الحرية الوطنية، وأن الفضاء الحميمي قد يكون ساحة مقاومة موازية لساحة المواجهة السياسية.

ثالثًا: رموز النص ودلالاتها

تعتمد الرواية رموزًا مركزية تشكّل بنية دلالية قوية، أبرزها:

الوطن بوصفه ذاكرة وحقًّا وجوديًا

المفتاح رمز العودة

السجن تمثيل للاحتلال ولأسر الذات الأنثوية

تنهيدة الحرية، وهي ليست إعلان التحرر، بل لحظة ما قبل الانعتاق، حيث تتصارع الرغبة والواقع

هذه الرموز تخلق شبكة نصية تتجاوز الواقعية إلى أفق تأويلي يؤكد أن الحرية ليست حدثًا، بل مسارًا نفسيًا واجتماعيًا وتاريخيًا.

رابعًا: الحب كفعل مقاومة

يتحول الحب في الرواية إلى قوة وجودية وليست انفعالية فقط.

الرابط بين «بتول» و«حمزة» ليس قصة غرام رومانسية، بل مشروع تحرر مشترك، يتجاوز الفردي إلى الوطني.

بهذا، تعيد الكاتبة الاعتبار للعاطفة في الأدب الفلسطيني، مؤكدة أن المقاومة لا تُقصي المشاعر بل تستمد منها دفئها الإنساني.

خاتمة

تقدّم رواية «تنهيدة حرية» نصًا أدبيًا يستعيد السردية الفلسطينية من منظور نسوي ووجداني، ويوسّع من فهمنا لدور المرأة في معركة التحرير المعنوي والفعلي. عبر لغة شاعرية وسرد متشابك، تطرح الرواية رؤية فلسفية للحرية، بوصفها مواجهة مزدوجة مع الاحتلال ومع قيود المجتمع.

إنها رواية تُعيد للمرأة صوتها في الذاكرة الوطنية، وتؤكد أن الحرية تبدأ من الوعي، وأن الوطن يُستعاد حين تُستعاد الذات .

اترك تعليقا