( مقاطع من رواية أعراش الدم) / – الصْمايَمْ الباردة / حسين علام
بواسطة admin بتاريخ 24 نوفمبر, 2025 في 04:12 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 126.

أنا هنا في المقبرة. لست ميّتًا لحسن الحظ، أو لسوئه، لا أدري. لا أعرف كيف وصلتُ إلى هذا المكان. كل ما أذكره هو أنّي ركضت كالمجنون في شوارع تُودْرارَة، فانقطع نفسي وكاد يغشى عليّ. لاحقتني أعين متهكمة وأخرى متأسّفة. كان قميصي ممزّقا وملطّخا ببقع من الدّم. حينما عجزت ساقاي عن حملي، توقّفت عند منزل الزْوَاوِي وأخذت ألهث. أسندت ظهري الى الحائط ، امتزج مخاطي بالدّم، راح العرق ينضح مني فتتخلّلُه رائحة مقرفة. فارت من عيني دموعٌ لم أتمكن من كبحها. كانت بسبب الغضب.. تنبّهت إلى أنّي فقدت، في غمرة الركض، فردة حذائي الأيسر. كانت رجلي متورّمة يغطيها التراب المشوب بالدّم المتخثّر. حملت جسدي إلى المقبرة، وعيناي شبه مغمضتين. هرولت وهرولت تحت الشمس التي كانت تنقر رأسي بعنف. شعرت بالغثيان. خارت قواي. أخذت أتعثّر في خطواتي. كانت المشاهد متداخلةً والألم يمزق صدري. فجأة وجدتُني هنا، في سيدي عبد الرّحمان الطْفَيَاني. داخل الضريح كنتُ أُسند ظهري الى الحائط وفي غمرة اللّهاث والتعب رحتُ أستذكر ما جرى. كانت الصور مشوّشةً في ذهني،ظلّت تتقاطع وتضمحل. بعضُها تلاشى كلية. ما أذكره جيّدا هو أنّني تعاركت مع خالي ابراهيم. ركل باب غرفتي بجنونٍ وهرع نحوي. انبعثتْ منه رائحة الخمر حتى غمرت المكان . تفلَ في وجهي، ثم صرخ كثور هائج مطوّحا بنظره في كلّ مكان. وَجّه لي صفعة تحاشيتُها، فضاعت في الهواء، ثم أخذ يشتم ويتوعّد كالمعتوه. هزّني من صدري فقبضته من ياقته بشدّة. تعاركنا. صحتُ في وجهه كما كان يصيح. شعرت بغضب قاهرٍ يدفعني إلى قتله. لأول مرّة يخالجني هذا الشعور. تملّكني الذعر لحظتها وهزّتني الرغبة في المواجهة، لا يمكنني أن أمحو الآن من ذهني صورته مضرّجا بالدّماء. أضغط على رأسي بيديّ هاتين، ثم أغمض عينيّ، فيحضُرني المشهد كلّه. كان أشبه بالكابوس.كفّاي تكبسان على رقبته و هو يغرغر. مع هذا كان يبدو لي مبتسما وهو يُحتضر. كان يسخر منّي وينعتني بالجبان. يهز رأسه ساخرا :” قتلتني أيّها الجبان؟ قتلتني يا ابن جدِّه؟ أخيرا نبتت لك خصيتان؟”.. أراه يصفّق مع ابتسامة وقحةٍ تغمر وجهه… “نبتت لك زغيبات، لكنّك ستبقى مومسا فزعة تحتمي بجدّها. ستبقى جبانا… ها هو جدّك جاء لينقذك”..أشدّ على عنقه ..رأسُه مائلة كدمية كُسرت رقبتها… هل مات حقّا؟..هل هذا هو الذي جرى؟..

ما أنا متأكدٌ منه هو أنه هجم عليّ قبل ذلك وأخرج سكينًا من جيبه وراح يهدّدني عندما امسكته من يده بقوة صاح : «نَقُتْلَكْ يَا رَبَّكْ. أَطْلَقْ يَدِّي. وَإلاَّ قتلتُك. أَطْلَقْ يَدِّي. أَطْلَقْني. أَطْلَقْ». ثم اطبقت على رقبته. فراح يهذي بكلام غير مفهوم. صرخت فيه فتراجع . كان في عينيه بريق مخيف، خليط من الجزع والحنق والموت. حدّق مندهشًا في عينيّ. لم أكن خائفًا منه. باغتته الصدمة. لم يتوقّع أنّي سأدافع عن نفسي..

لم أعد ذلك الصّبي الذي كان يهدّده و يهينه و يتحرّش به..لم أعد ذلك الفتى العاقل الذي يعرفه.. دفعتُه بقوّة فالتصق بالحائط. ثم ضغطت حتى طقطق صدغه. فجحظت عيناه. بدأ الزبد يخرج من فمه. ضغطت أكثر و أنا أهذي ..شعرت بروحه تتسحّب منه ببطء. هذا ما ظننت حيئذ. هذا ما تمنيتُ حقّا..خليط من الرعب والنشوة والخوف ..كان يرتجف.. تصلبتُ في مكاني. شعرت بقوّة مجنونة تتملّكني. راحت يداه ترتعشان بفزع. في هذه اللحظة تفاجأتُ بجدّتي مريم بنت المختار تبعدني عنه وهي تُعْوِل.. حالتْ بيني وبينه. لم أشعر بها حينما تركت فراش مرضها وراحت تجري إلينا مولولة. أفلته أخيرا.. انحنى نحو الأرض ليسترجع أنفاسه.أخذت جدّتي تندب وجهها ثم وجه ولدِها، وهي تصرخ. « هَا وَيْلِي ..هَا وَيْلِي ..هَا وَخْضِي..حَابِينْ تَقَتْلُوا بَعْضْكُم..هَا وَيْلِي فْضَحْتُونِي..قْتَلْتُونِي ..هَا نَنْدْبَهْ..هَا نَنْدْبَهْ عْلِيكُم..» كنت لحظتَها متشنّجًا من الغيظ، متصلّبا مصمّما على خنقه حتى الموت. لولاها ما تركته. فرّقت بيننا ونزعت السكّين منه ورمت به عند شجرة الرّمّان، جرحتْ يدَها. جرى كلّ ذلك في لمح البصر، فساح الدّم منها وشَرشَر بقوّة. اصطبغ كلّ شيء في عينيّ بذلك اللّون الأحمر ..جفل ابراهيم و أخذ ينظر إلى أمّه مشدوها وهي تلطم خدّيها وتضرب فخذيها وتنتحب؛ تخثر وجهها وصار أحمر مخيفا. أخذت ملامحها شكلا لم أره من قبل. دم كثير سال على ذراعيها ووجهها فصبغ البلوزة بذلك اللون المرعب. دخل الجيران. علت الأصواتُ.. كثر النحيب. هرب هو وتسحّبتُ أنا كاللّص، ثم أخذت أهرول في الأزقة بدون وجهة. للحظةٍ فكرت أنه كان بإمكانه أن يوجّه لي ضربة بالسكّين، لكن الظاهر أنه قد استحث الغول الذي يسكنني، بابتسماته الهازئة وهجمته و ركلاته. كأنّما كان يريدني أن أقتله …

اترك تعليقا