ثقافة الإنسان العربي، بين الحقيقة و الإدعاء …/ هدى درويش *
بواسطة مسارب بتاريخ 26 يناير, 2013 في 02:15 مساء | مصنفة في أخذ و رد | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 3412.

هاجمني يوما احدهم قائلا ألاّ شاعرية في القصيدة النثرية و لا معنى لها حتى , لا علاقة لها بالقصيدة العربية لأن أصولها غربية و أنها أقحمت زورا كما المذاهب الأدبية اللاتينية في الأدب العربي الحديث…و آخر قائلا في موازنة بين بوحي الحزين و ما تركه محمود الفلسطيني من تراث شعري تراجيدي  : ” محمود شاعر متفق عليه…ماذا عنكِ أنت؟” …ذوي توجهات أخرى حرّموا عليّ اتخاذ نزار قباني مدرسة شعرية و نعتوه بقصيدة مطر ” نزار الصدر و الخصر” …و في آخر مؤتمر صحفي واجهني أحدهم قائلا: لماذا تنثرين قصائد لفلسطين و ليس لبورما أو الصومال؟…بل أتحداكِ أن تنثري لبورما أو الصومال؟ و بعد صدور روايتي            ” آمال…حب يبحث عن وطن” بالقاهرة حيث لقيت استحسانا كبيرا و محبة من القارئ المصري و التي افترض من خلالها خيالي الروائي وجود طريق يربط قطاع غزة بمدينة عكا شمال فلسطين المحتلة إيحاءً لخريطة الطرق الشتاتية الموضوعة لهذا البلد السليب …قال آخر : من أنتِ لتتمردي على واقع فلسطين؟…و آخرون عن اسمي و عن شخصي…كلها عبارات وقفت عندها أتأمل بموضوعية …كم من الصعب أن تكون شاعرا, مثقفا حقيقيا و كم من الأصعب بعد أن تصبح راضيا على مبدئك أن تواجه مهمة أخرى تقارب صعوبتها الاستحالة في مواجهة أشباه المثقفين و أشباه النقاد و أكثر من ذلك أشباه القراء …؟ كم يكون كبيرا كمّ أحزانك حين تتعامل مع هذه المشاريع التي لم تكتمل بعد في ثقافتها و لم تنضج,  حين تجد نفسك قادما من شبه مجتمع و ذاهبا إليه…؟ مع شبه إنسان تتعامل…إلى شبه إنسان تكتب…يقرؤك بخطأ…يؤوّل ما قرأه بخطأين…و يقوّلك َ ما لم تقلْ_ تحت اسمك_ بأخطاء…؟؟
من فتوى الحياة إلى فتوى الدين إلى فتوى السياسة , يلعب هؤلاء أوراقهم وصولا إلى الورقة الأخيرة. لكن سؤالي الذي لا يزال يتيما دون جواب هو إلى متى سوف نلعب أوراق التحدي  الكاذب و الفزلكة و الادعاء و التظاهر المزيّف ؟ و نغض طرفنا عن لعب الورقة الأخيرة للهزيمة و الجهل و التخلف…؟ متى سوف نلعب ورقة النكسة الأخيرة و الضياع الأخير…؟ ورقة التغير الجذري و حب الوطن الحقيقي…متى نكتسب تركيبة إنسان حقيقي…؟
ما زالت المجتمعات العربية المحافظة ترى في شاعر المرأة و الوطن ” نزار الصدر و الخصر” و شاعر المراهقين و العشاق الخطّائين …؟ لماذا… و هي نفسها المجتمعات التي تبيح السَكْر و الزنا للذكر و تجلد عنهما الأنثى…؟؟  هي المجتمعات التي لا تقبل بالاغتصاب بالإكراه قضية رأي عام… و تعاقب المغتصبة أكثر من مرة حين تنبذها و تقذفها لخطيئة كانت أكبر منها… و لا تتفوه بكلمة  عن المغتصب و المتحرش لأنه رجل…بمقولة ” ربنا يهديه…؟؟” …لماذا نتكلم عن قباني باسم  أحمد مطر و ليس باسمنا   نحن؟ و من خلال تجربتنا نحن؟ و لا أحد منا يدري حقيقة كتابة هذه القصيدة و أساسها و سبب ورودها…؟   لماذا نقحم هذه الطاقة السلبية في رجعيتنا و أفكارنا و لا نرى سوى الجانب المظلم في الأشياء…؟ و قد تتفاجأ أيضا و أنتَ ترى أتباع نفس التيارات و توابعها يتناقشون في جواز مضاجعة الرجل لزوجته الميتة ساعات بعد وفاتها من عدمه…؟ لماذا لا نؤمن حقيقة لا تظاهرًا _كما نفعل الآن_ أن صليب درويش الذي يقاتل لأجل فلسطين هو بنفس قيمة الهلال الذي يموت يوميا في سبيلها؟ و أننا يمكننا معرفة الله من كنيسة القيامة كما من مسجد الإسراء  و أنّ لله وحده حكمة في تعددنا تحت اسمه…؟ وأننا لو كنا مؤمنين حقا بحوار الأديان و تعدد الثقافات و الحضارات و اختلافها لكانت العروبة افتكتْ هويتها من التمزق و التشتت…و لكان بلبنان حكومة لا حربا أهلية … و لحلّ علينا السلام منذ زمن قديم…؟؟
و ماذا عن الأدب…؟ صوت العروبة الذي لا زال مسموعا لكنه مبحوح بين من يدعوّن الثقافة و من يدعوّن النقد, إنّ الكاتب قبل أن ْ يلتزم أدبيا فهو يختار و يتذوق و له الحرية في أنْ يخوض غمار تجربته فيما يناسب اتجاهه… كما للقارئ أن يتذوق و إن لم يتناسبْ  هذا النوع من الإبداع مع ذوقه فليبحث عن كاتب آخر و كتاب آخر  عله يبلغ مراده و متعته…و له الحرية في ذلك أيضا, ليس من مهامه أن ينتقد موليير فقط لأنه لا يحب أن يقرأ الكوميديا المسرحية و الأدب الساخر …و أن يكون على يقين أنّ ما يحدثه الهجوميون من وشوشة فارغة لا تنقص شيئا و لا تنفي أبدا عن موليير أنه الأب الروحي للكتابة الكلاسيكية…و هو مثال يُعمَّم على كل الأدباء…
علمتني المدرسة القبانية درسا عن هذه الشعوب التي تريد فتح العالم و هي لا تفتح كتاب…و تعلم أجيالها بأيّ يد تأكل و بأيّ رجْل ٍ تدخل المرحاض و تنسى أن تعلمها محبة الله الحقيقية… شعوب تخرّبُ أوطانها لحظة ما تنوى تحريرها و الدفاع عنها و لا تلبس حلتها الوطنية سوى في الأعياد و المناسبات التي لا تساوى عندها شيئا أكثر من يوم عطلة…في حين ما من خلال نفس الأعياد  تسترجع الأمم التي تحترم نفسها أمجادها و مواعظ تاريخها…هي شعوب تعاقبت عليها سنين الدهر و قرونه و لم تتغيرّ…فهل لتعاقبِ الجُمعات – جمعة الغضب, جمعة التحرير, جمعة الحرائر- أن يغيرّها…؟  و هي لا زالت تعيش في تناقض و في ضياع بعينه , تلاطمت حولها الأمواج و تعاقبتْ على حواف تاريخها الحضارات…و هي لا تزال تتغنى بالماضي  على حساب أحلامها… لا زالتْ على يقين أن الرقص فنٌ يوحدّ الشعوب و لا زلتُ على يقين أنّه لا أشقى من أن تُولَد عربيا في زمن الفولاذ…؟؟

 

 

 

 

 

————————————————

* هدى درويش (كاتبة جزائرية )  

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. دائما في القمة ست هدى درويش

  2. كتيير جريئة….!!

اترك تعليقا