“أشباح المدينة المقتولة ” للروائي بشير مفتي ..التأمل في فلسفة الموت …/ رفيق جلول *
بواسطة مسارب بتاريخ 2 أبريل, 2013 في 01:24 مساء | مصنفة في حفريات | تعليق واحد عدد المشاهدات : 5544.

الموت في الفلسفة سؤاله غامض، حيث تم بحثه يونانياً أولاً
من هيراقليطس وأرسطو وأفلاطون، ومن ثم في العصر الحديث منذ باسكال وبرغسون وهيدغر، وشبنهاور، وإلى أن خُصت مسألة الموت ببحوث ودراسات مستقلة تُرجم بعضها إلى العربية، أما في الدراسات العربية عن الموت لا يمكن نسيان دور المفكر المصري عبد الرحمن بدوي حيث بحث الموت من زاويته الفلسفية كوجودي
وتخصيصه مساحات حيوية من مباحثه الأكاديمية لهذا الغرض منذ (مشكلة الموت)و (الموت والعبقرية) وغيرهما وقد شرح نظريته الشخصية عن (الموت) في ترجمته لنفسه في (موسوعته الفلسفية). وهذه الحالة من البحث عن المفهوم هي نوع
معرفي وكوني وكوكبي من تحويل الإنسان نفسه إلى مسألة للبحث – بحسب أوغسطين -حينها تكون الغاية من فن التفلسف سامية عن سفاسف الحياة.
إنها (القشعريرة) الطبيعية التي تخضّ الإنسان حينما يفكر بأن اكتمال الحياة لا يتم إلا بالموت، وبأن الموت هو نواة أصلية في (مفهوم الحياة) وبعبارة صوفية البناء: (لا تكتمل ذروة البقاء إلا بهاوية الفناء)، فالوجود يقتضي بطبيعته التناهي فالنظر إلى حالة الفناء ينظر إليها على عدة مستويات، فهي عنصر مكون في الوجود وإلا فإن الموت لن يكون له مكان داخل نظرة الإنسان إلى
العالم، وإنما يمكن أن يكون عرضياً يقبل الإغفال وهذا هو السبب في أن الذين نظروا إلى الموت هذه النظرة لم يستطيعوا أن يضعوا المشكلة الحقيقية للموت، وعلى رأس هؤلاء جميعاً (أفلاطون) فإنه قد عني بالموت بل وصف الفلسفة بأنها (التأمل في الموت). (انظر كتاب الموت والعبقرية لعبد الرحمن بدوي.)ولقد كانت وما زالت إشكالية الموت بمفهومها الحقيقي و بمفهومها الفلسفي إشكالية محورية في الرواية العربية المعاصرة وهي سمة بارزة في الإبداع العربي عامة، وقد تفاقمت بسبب ما لحق الواقع العربي من أزمات متكررة، فكان الإحساس بعبثية الواقع وعدميته. و ليس غريبا أن يعتبر الموت قضية إشكالية وفد بحث فيه المفكرون في جميع الفلسفات والحضارات، وخاض العقل قاصرا غمار هذه المسألة.
يعالج الروائي بشير مفتي من خلال روايته الموسومة بــــ ” أشباح المدينة المقتولة” إشكالية الموت كتأمل فلسفي عميق ، فروايته نستطيع القول عنها من الروايات العربية المعاصرة المندرجة تحت تيار الرواية الوجودية يطرح فيها كاتبها قضية الموت بوجوهها المتعددة وقد كان الموت جرسا مرعبا يدق عبر نسيج الرواية ويعكس الواقع الدرامي المهدد للإنسان ويسلبه شعوره بالأمان .
” الزبوط محاصر من طرف الشرطة ، وهو واقف وسط الحيّ ينظر إلى الأرض لا نعلم بم يحدث نفسه . وماذا سيفعل ؟ ثم سمعت صوته أخيرا وهو يلتفت ناحية المفتش الذي حاول إقناعه بالاستسلام ليقول له كلاما سيئا وقبيحا لم نسمعه جيدا ، ثم توجه مسرعا نحو ذلك الشرطي كأنه يريد أن يقبض عليه فإذا برصاصات تنطلق من كل جهة تثقب صدره وجسده النحيف فيسقط على الأرض قتيلا حينها”
ص 38 – الفصل الثاني (الكاتب) – رواية أشباح المدينة المقتولة .
إن هذا الانفتاح يبني علاقة غير مألوفة بين الموت الذي عرف ببشاعته وصفة البهاء وما تحمله من معان تشير للمعنى الرمزي للموت، وهذا يتقابل مع معناه الحقيقي و منذ المنطلق تبرز ثنائية صريحة بين قبح الموت وجماله .
وفي المقطع التالي من روايته يكون للموت طعم آخر في انتحار أخت “الزاوش” :
” تفاصيل إلقاء أختي نفسها من شباك البيت لن أعرف عنها الشيء الكثير، ستأخذ الشرطة والدي للتحقيق وسيدافع عن نفسه بالقول إنها ألقت بنفسها لوحدها دون أن يدفعها أحد إلى ذلك ، وأمي ستؤكد ذلك بدورها ، وحتى الجيران يشهدون بأنهم سمعوها تصرخ بكلام من قبيل أنها تريد الموت على أن تتزوج .”
ص 91 – الفصل الثال ( الزاوش) – رواية أشباح المدينة المقتولة.
الاندفاع نحو الموت أحد الإشكاليات التي يتطرق إليها الصديق بشير مفتي من خلال روايته ، حيث أنه يرى أنه المخلص الوحيد للإنسان للخروج من شيء لا يحبه ، كما حدث هذا مع رشيدة التي انتحرت في المقطع السابق .
بشير مفتي روائي يخلق شخوصه.يكتب لهم حياة..يمنحهم بطولات وهموم ولوعات وخيبات..وأيضا يقرر لهم زمن تلك الحياة الروائية التي تعيشها الشخصية داخل النص.وأيضا له الحق في إنهاء وجودهم الروائي بالموت.لكن هذا الموت للشخصية لا يحضر بمجانية..لا يتم التعاطي مع موت الشخصية كمحاولة لأزاحتها من النص.أو لأنه تحول إلى عبء على السرد.أو أنه يحاول التخفف من الشخصيات ويجد في الموت هو المنقذ.
ويمكن الملاحظة عبر هذه التجربة الروائية الموسومة بــ”أشباح المدينة المقتولة ” أنّ حضور الموت، هو حضور ديناميكي، لبعث حياة جديدة أخرى، ربما تتجسد في عادات مجتمع زاخر بإبعاد سوسيولوجية وأنثروبولوجية تستحق الدرس والفحص، لنكتشف أن الموت يأخذ قيمة أخرى لا تعني فقط نهاية شخصية روائية ما، بقدر ما تساهم في بعث حالات أخرى أكثر حياة من الأحياء. هذه الأبعاد تأخذ حيزها الفلسفي في طرح سؤال الحياة والموت منذ سعى الإنسان لمحاولاته في فهم نفسه وفهم البعد الفلسفي للولادة والموت. ذلك أنه من الموت تنبعث حياة جديدة.

 

 

 

 

 

 

——————————————————————

* رفيق جلول ( كاتب من الجزائر )

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. NOER قال:

    الروايه جميله

اترك تعليقا