الحركة النسوية من حدود الهامش إلى افتعالية المركز / بقلم د غزلان هاشمي*
بواسطة مسارب بتاريخ 27 سبتمبر, 2013 في 03:54 مساء | مصنفة في حفريات | تعليق واحد عدد المشاهدات : 3941.

 

عندما أعلنت الحداثة عن وعيها الزائف المنبني على جملة تناقضات وممارسات إقصائية،وحينماأظهرت وجهها المسيج بالدمار بعد أن فشلت في تحقيق ما وعدت به عقلانيتهاالمفتعلة،أصيب الإنسان المعاصر بخيبة إزاء كل تلك الشعارات الواهمة خاصةبعد الحرب العالمية الثانية،فأعاد النظر في كل ما أنتجه العقل واندلعتاضطرابات عديدة في فرنسا عام 1968 امتدت إلى أجزاء عديدة من العالم،تعبرعن رفض مطلق لسلطة الآباء والسلطة المدرسية،وتحاول القضاء على كل نموذجمتعال.من هنا ظهرت تيارات ما بعد حداثية وضعت كل منجزات الحداثة تحت مشرحةالنقد والمساءلة،منها:التفكيكية ،مابعدالكولونيالية،الزنوجة،العبثية،النسوية……..كان هدف هذه النظريات هوالقضاء على اليقين والاهتمام بما هو مهمش أو قابع على حواف التحقير،وتوضيحأنه لا وجود لتفسير عقلي لكل نشاط ثقافي لا يشوبه التحيز،ولا وجود لثقافةنخبوية في مقابل أخرى دونية،ومن ثمة لا وجود لنموذج متعال لتفسير الظواهر،وإنما التفسير يكون من داخل الظاهرة ذاتها.وهذا ما يؤكد الاحتفاء بالتعددوالتحول وإلغاء الفواصل بين الثنائيات الضدية التي أدانتها ووجدت فيها سبباللقمع والإرهاب والاستبعاد.

وإذا سلمنا مع بيار بورديو أن التاريخوالتراث،اللغة………كل المرجعيات هي سلطات رمزية حاولت تأطير العقل وفقنموذج محدد ،أو هي جملة منظومات قيمية استغلت لخلق مراكز محددة أو تراتباتمعينة،فقد كانت التفكيكية مع دريدا ـ كما وصفت ذلك جوليا كريستيفا ـ وسيلةهذه التيارات لتخريب المعنى الثابت،ولإعادة ترتيب الأدوار،أو القضاءعلى عنفالخطابات المركزية التي استطاع فلاسفة الاختلاف:نيتشه وميشال فوكو وجيلدولوز…….فضح تجلياتها الاستعمارية والقمعية. في ظل هذه الظروف المسكونة بهاجس المغايرة سعت الحركات النسوية إلى مواجهةالأيديولوجيا الأبوية(البطريركية) التي أجهزت على الحدود المتساوية ،لخلقوجوه المختلف وفق قوالب ومعايير ذكورية تنظر للذات الرجالية على أساستملكها للقوة ومقومات السيطرة،في حين تنظر للذات الأنثوية بمنظور يؤسسلوجودها المنتقص والهزيل.وبعد كتاب سيمون دي بوفوار “الجنس الثاني” واصلتالحركات النسوية الحديثة نضالها ضد ما هو سائد وماهو سلطوي،إذ هاجمت ماريألمان في كتابها “التفكير حول المرأة” مركزية الرجولة في الفن،ودعت لتدميرقيم الذكر وتقويضها ،عن طريق إنشاء لغة وكتابة تحتفي بالمتعدد والمتحول فيوجه كتابة أساءت التمثيل باعتمادها آليات خطابية عديدة. رصدت الين شولتر في كتابها “أدب خاص بهن” أهم التحولات الطارئة على الكتابةالنسوية منذ عهد الأخوات برونتي،حيث كانت الأعمال النسائية تمتثل للمعاييرالجمالية الرجالية السائدة ثم بدأ الخروج عنها بفعل تدريجي،لتخلق اختلافاكبيرا بينها وبين الكتابة الرجالية،تعبيرا عن وعي جديد يحاول إيجاد وضعمغاير للهامش في مقابل المركز،خرقا لثبوتيته وتحقيقا لمكانة جديدة يتمبواسطتها زحزحة الرؤية باتجاه المخالف ،وذلك دفعا له نحو واجهة الفعلالثقافي ليعبر عن حالة السخط الأنثوي من الوضع السائد،أملا في تغييرالأدوار حيث تسير الكتابة النسوية نحو خلق مراكز جديدة وفاعلة ،ولعل منأبرز الكاتبات اللاتي ساهمن في تأسيس هذه النظرة”فرجينيا وولف”التي قامتبدراسة أهم المشكلات والمعوقات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الكاتبات،في محاولة للتحرر من كبح الكتمان وتحقيق زمن أنثوي في ثنايا الكتابةيحتفي بالبوح.كانت كتابة وولف محاولة لخلق معايير جديدة في العمل الأدبيمخالفا لما هو سائد وتقديما لهوية مغايرة تؤمن بالاختلاف ،وتسعى للقضاء علىالتمايز القيمي المتوارث بإرباك مسلماته وكشف تناقضاته،وفضح سلطاتهالقمعية التي ترغب في خلق أدوار مهمشة واحتقارية لكل ماهو صنع نسائي،حيثيمكن اعتبارها كتابة محاكمة للتاريخ الأدبي الذي كان صنعا رجاليا.وقد تبنتالحركات النسوية الأدبية العربية أيضا هذا المنظور الأيديولوجي،فحاولت أنتلفت انتباه المؤسسة الثقافية المنبنية على منطق رجالي إلى دورها الفاعلوأحقيتها في بلورة اتجاه أدبي جديد يحتفي باهتماماتها،ويصوغ أسئلتها متحررامن لغة الاستعارة التي مثل بها الرجل المرأة حينما تكلم مكانها والتي لمتكن لغة بريئة بل شابها الكثير من التحيز. إن العقل الإنساني قائم تصوره على جملة ثنائيات ضدية: خير/شر،أنا/آخر،ذكر/أنثى…..تظهر تجلياتها في الخطابات المختلفة التي يشوبها فعلالتمركز،حيث يتعالى الطرف الأول على الثاني ويتعامل معه بمنطق التهميش،متشبثا بداء الاصطفاء على حد تعبير علي حرب.ومن خلال استقصائنا لفعلالتمركز والتحيزوجدناه يتم عبر آليات خطابية عديدة منها: آليةالطمس(إلغاء الخيار المعاكس أي بطمس الخطاب الذي يرجح الطرف الثانيالمهمش)،آلية إعادة التمثيل والتكييف (بتعديل الخطابات لصالح الطرف الأولالرجاليحيث يتم تمثيله بكل صفات الكمال عكس الطرف الثاني،أو تكييف المرأةعملها وفق معايير رجالية)،آلية الترميز المشفر(حينما تهرب الذات الأنثويةمن سلطة الرقيب فتمرر رسائلها بطريقة غير مباشرة)،وإذا تتبعنا الحراكالأدبي الأنثوي بما فيه العربي وجدناه حبيس هذه الآليات،وهذا كله أسهم فيإنتاج وعي أدبي مشوه يبتعد عن صياغة أسئلة الذات الأنثوية الحقيقيةولحظاتها الأصيلة،في حين أن الكتابة النسوية لو تحررت من هذا المنظورالمتحيز لكانت أكثر أصالة ،إذ الإبداع فعل إنساني كما قالت سمر ديوبالمعيار الوحيد الذي يميزه ما أضافه لا جنس المبدع.لذا رفضت بعض الناقداتوالأديبات هذا التقسيم منهن:غادة السمان في كتابها “القبيلة تستجوبالقتيلة”حيث قالت:”حينما يولد العمل الأدبي لانسأل ولد أو بنت وإنما نسألجيد أو سيء “،وكذا الناقدة جميلة حمادة والأديبة زهور ونيسي وأحلاممستغانمي والناقدة المصرية سهام بيومي التي تعتبر هذا التقسيم اعترافاضمنيا بأن النساء قاصرات على الإبداع.

 

 

* د غزلان هاشمي (قاصة وناقدة من الجزائر)

 

 

.

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. اذا كانت الحداثة – الاوروبية – أصابت الانسان بالدمار – أو هكذا تقولين- ما هو البديل إذا ؟ تراثنا العربي / الاسلامي الذي يصف المرآة بانها ناقصة عقلا ودينا.. الحداثة يا سيدتي الفاضلة حتى ولو بدت في بعض أوجهها مفرطة في تناولها ليقينيات تصطدم مع الكثير من معتقداتنا، لكنها – شئنا أم أبينا- هي قدرنا في سبيل الانعتاق من ماض مكبل لاقلاعنا…

اترك تعليقا