تجريب
أراد أن يكتب قصيدة حديثة ..كتب الشطر الأول منها ..أضاف الثاني ..ترك فراغا كبيرا بين الأشطر تصور أنه بصدد الكشف عن المخبوء في باطن اللغة وتفجيرها من الداخل …كان العنوان جاهزا في ذهنه ….اختاره بعناية فائقة ..أراد له أن يكون رمزيا ..وضعه أعلى النص مسبوقا بنقاط وعلامة تعجب وحين سأله قاريء فضولي عن المغزى من ذلك أجاب قائلا أنا من شعراء التجريب
ثـورة
أنشد قصيدة ..شدت الحضورإليه طويلا ..كانت القاعة ممتلئة عن آخرها..صرح قائلا أن هذه القصيدة ألهمته إياها حسناء من وهران صادفها في ساحة الثورة ..أعجبته الفكرة ..ترك القصيدة مفتوحة وكلما زار مدينة أو دعي إلى وليمة أخرج قصيدته وأجرى عليها تعديلات طفيفة اختزل فيها هوسه بحسناء أخرى من مدينة أخرى وظل على حاله ينشد المجد على النحو الذي أراده بسيطا دون عناء .. وفي لحظة ما كانت المفاجأة اقترب منه صحفي… طلب منه نسخة من القصيدة لنشرها في جريدة الثورة أبى متذرعا أن الوقت لم يحن بعد لنشر إنتاجه الشعري فناوله الصحفي شريطا مصورا اقترح عليه الإستماع إليه ومشاهدته لوحده لعله يفكر بعدها في نشر كل قصائده الثورية
انصراف
كان كلما مل منها ومن ثرثرتها وشكواها وضجيج أبنائها وطلباتهم التي لا تنتهي …أشاح عنها بوجهه وانصرف إلى محبوبته القصيدة لترمم فجوات ما تناثر من وجدانه الموغل في الحلم والرفض والشطط العاطفي
صدمـة
سألته القصة لماذا تركتني وهربت إلى الرواية سريعا…. هل مللت مني أم أدركت أني لم أعد أحتوي كل أوجاعك المزمنة …تنهد عميقا ثم قال سئمت من الزمان والمكان ومن التقوقع حولك ومن قياس الحبكة والشغف بها ومن نظامك الصارم ومن العقدة والإقامة الجبرية وصفارات الإنذار والعيون التي تتلصص علينا ..أريد مزيدا من الحرية …سار بضع خطوات …بدأ يشعر بالوهن فقد صدمه المشهد .. لمح طابورا كبيرا لوجوه كثيرة البعض يعرفهم والبعض الآخر يراهم لأول مرة .. من الساعين إلى الشهرة والمجد ومن الأنانيين وطالبي اللجوء الروائي ..كان هناك تنافس كبير على أشده ..ملأ الخوف قلبه أيقن أنه قليل الخبرة والدهاء وهوالذي لازال يحمل طهر القرى والمداشر وصفاءها لكنه أيضا خجل من العودة إلى معشوقته القصة كي لا تحدجه العيون المتلصصة بنظرات الإردراء والخيبة والسخرية منه ومن أحلامه المجهضة
امتناع
بسبب إفراطه في التدخين كان يتعرض لنوبات لاهبة من السعال يستسلم على إثرها للإستلقاء في فراشه وتناول الأدوية المهدئة للألم ولصعوبة التنفس ورغم ذلك لم يفكر أبدا في الإمتناع عن التدخين وعندما أخبره الطبيب أن التدخين يؤثر على القدرة الجنسية ويحد منها وأنه يمس مساسا مباشرا بالجهاز التناسلي رمى على الفور علبة السجائر من نافذة عيادة الطبيب وأقسم أن يطلق هذه العادة الذميمة إلى الأبد
انسياب
ترك يده تنساب بهدوء إلى صدرها ونهديها …تركت هي أيضا يدها تنساب بهدوء إلى جيبه
——————————————————————————–
* قلولي بن ساعد ( قاص وناقد من الجزائر )




كالعادة جال الأستاذ بن ساعد في رحاب الكتابة الفنية، ولخص كثيرا من أوجاع
الحياة، خاصة المتعلقة بمن ينتمون للشعر والقصة.
ف: التجريب: خرجت للبطل تجربته بنتيجة عكسية، لم يكن ينتظرها..
وثورة: يتساءل القارئ: هل هو الرجل المناسب لكل المناسبات. L’homme à tout faire ..
وانصراف: هو الجوع الوهمي.. مناكد الحياة..
صدمة: هو الهوس المستولي على عقول من شدوا حبالا وهمية يريدون الصعود،
ولكن لا يعرفون إلى أين.. ربما إلى أسفل..
امتناع: مسكين ه>ا البطل.. تشخيص للسواد الأعظم من المدخنين.. و…
ربما عادت حليمته إلى عادتها بعد الخروج من عيادة الطبيب..
انسياب: فيها عطر الفكاهة الظريفة.. وتشخيص لمبدإ المعاملة بالمثل.