العودة والمفتاح …عناق مواسي*
بواسطة مسارب بتاريخ 2 نوفمبر, 2013 في 09:00 مساء | مصنفة في متعة النص | تعليق واحد عدد المشاهدات : 2785.

 

 

منذ أن سجى ليلُ الأمس مولجاً في فجرٍ آخر من الأبدية وعقارب الساعة الثانية عشرة ليلاً تدق أمام عيني. الساعة الخامسة فجراً ولا أملك سوى تسع عشرة ساعة من الآن، اختزلتُ بها أشواقي استعداداً لرحلتي العتيدة إلى المدينة المقدسة. كل همي أن أعود قبل منتصف الليل! وقبل أن يزول السحر تحديداً.. حزمت حقيبتي مستغربةً من نفسي كأني أنا المسافرة من قلبي إلى قلبي، من وردي إلى وريدي، قاطعةً المعابر مارةً على حقول القطن ودروب السنابل.. شددت رحالي، تأكدت أن أقلامي السائلة موجودة وشالاتي الخضراء والحمراء، قارورة العطر وكل أغراضي الشخصية بتفاصيلها المعقدة والمنسجمة التي لا يحتملها أحد سواي. الثانية عشرة ظهراً، ركبتُ القطار المتوجه إلى الجنوب الشرقي، وأنا أفتحُ صفحاتٍ جديدةٍ في الذاكرة التي تلدُ مشاهدَ خضراء. استفسرت عن ساعة وصولي التقريبية فأطفأت هاتفي النقال وخلعت الساعة من يدي كي أتجنب النظر فيهما وأصابع كل منهما يطوقان عنقي بعقدٍ، حبات اللؤلؤ فيه توتر. ” لم أعد بحاجة أن أحسب تفاصيل الزمن للوصول إليك … أنت الآن معيوأنا مسافرة بك إليك … ” أخبرت نفسي وأنا محلقة بين سُحب الحبالطريق إلى القدس عبر القطار محاطة بسلاسل جبال متفاوتة في العلو، والأشجار تحرس كلا الجانبين، الأرضُ ملتصقة بالأفق ويفصلهما حفيف السنديان والسرو، رأيت السماء قريبة مني فرفعت دعواتي من كفي إليها. مرت ساعة وساعتان والأنهار تجري من تحت السكة الحديدية والقطار أفعى تتلوى في أحشائها غزالٌ دسمٌ على الألواح الخشبية. اقتربت مني المدينة المقدسة، وضعت ساعتي وأعدت تشغيل الهاتف، لملمت نفسي الهائمة من الاخضرار والبراري المسجاة بسحر الطبيعة وتسابيح المكان.. “أحتاج لعشر دقائق وأصل ” اتصلت عليهم كي أوكد وصولي بالموعد ! هكذا اعتقدت ! نزلتُ في محطة المالحة يتبعني أشخاص لا يتعدى عددهم أصابع الكف الواحدة ! لأول مرة أشم رائحة القدس بلفحها الغربي ! المحطة كبيرة وصامتة، تناولتني اليافطات للخروج منها وأمامي المصعد الكهربائي ولافتة الخروج ولا شيء سواهما. قذفتني أقدامي وأغراضي الثقيلة إلى البوابة الزجاجية، سقط الحر على جسمي فلم أركز بالطقس، والحرارة تستعر في مكامني منذ الصباح ولم أعد قادرة على تصنيف الحرارة المنبعثة والخارجة مني إلي ! اصطاد تساؤلي عن أين أنا؟ وكيف أريد أن أصل العنوان المسّجل على بطاقة صغيرة أمسكتها كل الطريق سائق التاكسي، سألته بالعبرية عن المستشفى ! نظر إلي من خلف زجاج نظارته السوداء وقال: بالعربي يا أختي بالعربي ! سأوصلك. اركبي ! قطعت صوته المفعم بالحياة : كم وقتًا أحتاج؟ أدهشني وسألني: “كم من المال أم كم من الوقت؟ أجبته باستهجانٍ ، بل الوقت ! اركبي … الآن الطريق مفتوحة ولا نحتاج أكثر من ثلث ساعة بالكثير ! “كيف سأفسر لهذا الرجل لهفتي في اللقاء؟ فلا تعد ذكرى للسحر؟ هو لا يعلم أني على استعدادٍ لأبيع الدنيا وأشتري أقدس اللحظاتوأتمم كل تفاصيل النشوة وأعود قبل الثانية عشرة ليلا.ً كيف سأفسر له أني أسافر اليوم في الزمن وصولاً إليه؟؟ وتحاشيًا لأي حوارٍ بيننا التصقت بحقيبتي وأخفيت عيني في خجلي من التقاء أي ساكنين فتتحركُ رغبتي بالحوار بعدما نالت مني المناظر وطيرتني ثانيةً على سحاب اللغة المحشوة بالأمنيات. تجرأ وقاطع انهماكي بنفسي وقال لي: انظري يمينًا، على رأس الجبل هناكمشيرا بيده- أنا من هناك وكل من يمت بصلة جينية لي إنها قرية “بيت صفافا” ! وهنا مكان المحطة التي أوصلتني بك كانت قرية المالحة التي هدمت وبنيت عليها المحطة ، كانت ملعب أطفال وساحات بيوت معجونة بطين الأرض، واستمر في الشرح وأنا بصعوبة أمسك نفسي عن الكلام! وهدأت اندفاعي بحفظ دموعي للقاء، ليس الآن ! دقائق قليلة وسأنزل ولن يعد يربطني بهذا الشخص لا الطريق ولا الذكريات التي توجعه ! أي أنا وجعي بالكاد أحتمله وهل سأرث وجعه ؟! يكفيني نبض الثانية عشرة الذي يدق فيّ منذ غادرت صباحًا! وصرتُ أرى الأشياء ثانية عشرة.. ثانية عشرة .. لكنه استفزني مرة أخرى، ولم يفهم انكماشي في الكرسي الخلفي والتصاقي بأغراضي وأخذت أموه نفسي بحقائق أخرى تلقفتها بسرعة الضوء من فتات معلوماته حول المالحة وتهجر أهلها. بدا وكأنه يريد الخوض في تفاصيلي الشخصية ونحن بالعادة لا نتحدث عن معلومات تشير إلى تفاصيلنا، هكذا تعودنا في البيت وهكذا ورثنا مواجهة الأخر المختلف بالأخص الرجال. وبما أن الفرار من الحوار سيهب كالغبار قررت أن أتكلم ! سألني عن نفسي وأخبرته، جئتُ من المثلث- أسكن في باقة الغربية، تبعدني ساعة سفر عن القدس ! وهذه المرة الأولى التي أركب بها القطار المتوجه إلى هنا ! أمي فرنسية وأبي مهجر عاش مع أسرته في المغرب ! درس أبي في فرنسا وتعرف على أمي وتزوجها ! أنا أدرس الطب، هكذا شجعني خالي الجراح في أكبر مستشفيات فرنسا! وجئت اليوم للمستشفى! علي أن أجري بعض الفحوصات وأقدم بعض الأوراق، ومن ثم أتوجه إلى الأقصى وبعدها إلى المسرح الفلسطيني الوطني في القدس الشرقية. خفتُ أن يسألني ماذا تعرفين بالفرنسية؟ فأجيبه، بونجور، بونسوار، مسيو دوفاج، ليبغسيون، لافام فاتال، فيف لا فغونس، وجوتيم، جوتيم. أقرا لسيمون دي بوفوار ، أعشق هيغو لأني أشبه بؤساءه، وزرت الجيوكاندا في اللوفر العظيم وأحب أن أكتب بينما يسافر السين في نهر القصيدة، وأكثر ما أجيد حوار الشفاه بالفرنسية. – هل تعرفين تاريخ عين كارم؟ لي ابن درس الطب وبنتا أخرى درست الصيدلة وابنتي سوف تلتحق هذه السنة بدراسة الطب هنا في القدس في هداسا، هداسا عين كارم .. فيما قاطعته مكالمة استطعتُ خلالها أن التقط أنفاسي من القصص التي حبكني بها … – كم تطلب؟ أنزل نظارته السوداء وقال لي، بما أنك جميلة ومحجبة ودكتورة وتعلمت في فرنسا وتجيدين العربية والفرنسية من لغة أمكِ يكفي منكِ ناولته المبلغ المطلوب تاركةً له فرحة لقاء مسافر آخر يروي له بعشرين دقيقة من محطة قطار المالحة إلى أي مكان قصة المهجرين العائدين حلماً حيث كان يتعوذ من شياطين الغلب والدمار اليومي وضيق الخناق على الروح المحاصرة. قضيت بين دهاليز المرضى والانتظار سويعات طويلة جعلتني أتنهد من جديد وأتحين ساعة العودة، العربية عن يميني والعبرية عن شمالي وقلبي يخفق ويخفق بين ثنائية الوجودأمسكت نتيجة الفحص بيميني وكل عتادي الأنثوي بيساري وانتظرت خارجًا ساعتين إضافيتين إلى أن أنهكني الانتظار حتى دخلت للطبيب المعالج، كلمني الآخر من تحت نظارته الشفافة هذه المرة… أوصى أن أتناول مثلثاً من الأدويةهذا ما فهمته من خطه غير الواضح على المكتوب وبصعوبة! خرجت مترنحة وتعبة، وحمدت الله كل شيء! عاينتُ ساعتي بجزعٍ أكبر بعدما بدأت الشمس تتحرك بجديةٍ نحو المغيب، لقد مّر منذ الصباح ست ساعات قضيتها قطارًا وحوارًا وانتظارًا…. يا الهي ! الوقت يداهمني ! يا الهي ! المشوار لا يزال أمامي ! “ويا حُبّ، يا من يُسَمُّونه الحبَّ، من أنتَ حتى تعذب هذا الهواءْ وتدفع سيدة في الثلاثين من عمرها للجنونِ وتجعلني حارساً للرخام الذي سال من قدميها سماءْ؟ وما اسمك يا حُبُّ، ما اسم البعيد المعلق تحت جفوني وما اسم البلاد التي خيمت في خطى امرأة جنَّةً للبكاءْ ومَنْ أنت يا سَيِّدي الحب حتى نُطيع نواياك أو نشتهي أن نكون ضحاياكَ؟لا أدري لماذا بدأ قلبي يتمتم هذه الكلمات ولماذا الآن بالذات! ألا يكفيني من مراجعة الذكريات ما مضى؟ وأنا أمر على ذكرياتي الموجعة كما تمّر العجلات على سكة الحديد ؟ كم عمراً أحتاج لأحبك دفعةً واحدة؟ لا توقف ولا احتلال، لا هزيمة ولا انتصار، لا مرفأ ولا ميناء؟ لا سفر ولا حقيبة؟ كم طائر سنونو سأحرر من قفصي الصدري عندما سألتقي بك في ميدان الماء؟” حاولت أن أسكت الشجن داخلي فلا يتحرك على شفتي تمتمةً أو دندنة.. صديقي الذي لم ألتق به لسنوات أخبرني من أسبوعٍ أنه سيكون مساء الخميس في الأمسية، ولقد حضر خصيصاً بعدما عاد من سفره له وأنه سيحضر لي مفاجأة.. مصادفةً يهتز هاتفي بمكالمة تلو مكالمة تلو مكالمة منه… ولخفقان قلبي لم أرد … أردت أن أعطي نفسي مساحة أكبر من الخيال حول المفاجأة… تجاهلته عمداً وعمداً..هكذا أمتحن شوقه للقاء، إلى أن طالبني برسالة نصية أن أرد لأمرٍ طارئ… أعترف أني خفت ! هكذا يحدث معي كل مرة … لا أرد ولكن أرد ! اتصلت به ، يخبرني أنه اضطر لأن يسافر ويرافقه صاحب دار النشر الذي كان بوده أن يعرفني عليه…. وأنه يعتذر لعدم مرافقته ووجوده في الأمسية !!! ويا قلب ما يهزك صدمات !!! كيف سأستسيغ هذه الصدمة الآن ولا أملك وقتاً كثيرا لأهضمها ؟؟ لكن أقسم أني سأرد له الصاع صاعين ! هو وصاحب دار النشر ! لكن ليس الآن ! ليس من صالحي أن أفقد توازني العاطفي هذه الساعة ! تمام السادسة مساءً، تباطأت الطريق ربع ساعة إضافية وتواطأت مع التوتر عّلي، لحركة السير المتعرقلة في طريقي! دخلت المسرح الوطني، رافقي رواد ندوة اليوم السابع، استمعتُ أكثر مما تكلمت، رافقتُ المسافرين على متن أمنياتي رحلة جوية، وعبرنا معًا محيطات وحضارات، وتنزهنا معاً في نزهة نقدية، جواز سفرنا مختوم باللغة ! مع تأشيرة دخول لجميع الأمنيات المحتلة وغير المحتلة في مدن الذكرى ! قلبنا الهمزات على الألف وفككنا عقد التاءات المربوطة وأعدنا قلب قارورة الرمل! أطياف نقاشهم خلقت لي أجنحة كيمام الأقصى .. لمحتُ الساعة في يد زميل لي فانشطر قلبي أجزاءً لم يبق سوى أربع ساعات أمامي ! ولا أدري بماذا سأعود كآخر حقيقة من السحر المؤكد ! وبلعتُ توتري ! العودة .. العودة هي العودة التي تناديني، بوصلتي تمغنطني نحو مستقري! انتهت الأمسية، دعيتُ لوجبة العشاء في حي الشيخ جراح ! قبلت واشترطت عدم الاسترسال! أحدٌ لم يفهم استعجالي بالعودة … لكني عبرت بموعد القطار ! وكل دقيقة تأخر تكلفني ساعة ! تناولنا العشاء سريعًا رغم أني تمقتُ بيني وبين نفسي على قبولها ! فكل لقمة دخلت معدتي كفيلة بغلي الساعات في دمي! دفعنا الحساب وأمسكت بيدي فنجان القهوة لأونس عودتي ريثما أصل !

 

******************

 خرجنا من المطعم، أخرج الشيخ جميل المفتاح ليفتتح باب السيارة، وهو العائد حديثًا من أمريكا حيث كان بمراسم زفاف نجله من فتاةٍ تونسية ! فاجأني أن له خمسة إخوة وأبنا في أمريكا منذ ما يربو عن العشرين عاما وهو الوحيد الذي لم يعش ويستقر هناك ! والداعي لوجبة العشاء، الشهية بالأدب.. المفتاح لم يدخل في زند الباب ! بسم الله الرحمن الرحيم ! “حاوِل كمان مرة”. طلب منه أبو شاهين! وهو محامٍ حضر خصيصاً إلى الأمسية لولعه باللغة ، فوجئت أكثر أنه يعرف الشيخ جميل منذ سنوات طويلة تقدر بنصف عمري وأكثر. وكانت مصادفةً معقودةً بنيةٍ للاحتفاء بلقاءين بنصف ليلة. سألتُ المحامي لماذا ينادون على جميل “الشيخ” وهو ليس شيخاً؟؟ وشوشني وقال لي سأخبرك لاحقاً… قصته مدهشة جدًاحاول مرارًا أن يفتح الباب ! لكن، أبى المفتاح ! وأنا… من توتري لن أعود ! هكذا توقعت! الساعة الآن التاسعة والنصف ليلاً، والأضواء المنكسرة على زجاج السيارات المسرعة أمامي زادتني اشتعالاً ! طلب جميل من أبي شاهين أن يفتح الباب بقوةٍ، حاولَ وحاولَ وحاولَ ! استنجد برامي الذي يعمل في المطعم ربما لدية فنية أخرى ! المحاولات باءت بالفشل ! اتصل مدير المطعم بشركة التاكسيات كي يوصلنا فالمفتاح لم يفتح ! وأخبرنا، أن السائق يحتاج لعشر دقائق حتى يصل ! بينما نحتاج نحن لثلث ساعة لنصل المحطة ! وبما أن ليلة هذا الخميس كانت عيد الغفران” وعودتنا من حي الشيخ جراح ربما تحتاج دورة إضافية للكرة الأرضية كي نصل ! فقاعة السحر ستنفجر وستظهر الحقيقة وسأعود كسيرة الخواطر ! ولن تشفع لي دعواتي في الأقصى ! هذا ما في رأسي ! عودتي مهددة بالخطر المحتوم ! يحاول أبو شاهين مرة أخرى أن يجرب المفتاح ! بفكرةٍ جهنمية يدخل مفكاً من تحت الزجاج عله يصل القفل، لكن ….. خطاً ، يكسر زجاج السيارة ! شهقنا جميعاً وصمتنا! سائق التاكسي يتصل برامي ويخبره أن الطريق مغلقة بسبب دخول العيد ويحتاج ربع ساعة إضافية… سمعت ما سمعت وصحت بأبي شاهين، الآن احجز لي طيارة، سيارة، “أريد أن أعود، أريد أن أعود” .. هذا المفتاح لن يعيدني !!!! ليتني عدتُ مع رفيف بطريقها إلى أبو غوش ! من رفيف؟ يتلقفني أبو شاهين بالسؤال! أجمل فتيات القدس التاريخية، وهي التي بادرت لترتيب الأمسية بعدما زارتني في البيت قبل شهرين، تعمل في قسم الثقافة، وبيتها قريب من المحطة وهي تحفظ الطرق عن ظهر مقود .. أنا لا أعرف لماذا اختفت فجأة هي الأخرى ! أليس من المفروض أنها رافقتنا إلى وجبة العشاء؟ دعنا من رفيف الآن وجمالها، يلا دبر المسائل !! اخترع حلاً!! قلت له وهو يحاول تهدئتي ! “وأنا قلقٌ بشأن عودتي. اتكلي على الله، وطولي روحك“. قال لي مطمئنًا بصوته الذي أحتوى غضبي. يسمع رامي الحوار بيننا جميعًا المشحون بالتوترزجاج الشباك المكسور يعكس فشلنا المنثور على الأرض في فتح الباب ! والأدهى أن المفتاح لم يدخل أيضا في محرك السيارة ! “كملت على راسي” ! هذا ما قلته لهم ! يدخل رامي من الشباك مغامرًا بجرأةٍ بعدما أغمس المفتاح في الزيت وقرأ بعض الآيات، كي تهون عقدة العودة بسبب هذا المفتاح ! سجلنا الفشل على قائمة المحاولات ! عقارب قلبي تنفجر ! هاتفي لم يعد يستجيب ! الدقائق تلوكني ، والليل قطارٌ على سكة انتظاري، والعتمة تفتح باب الضوء في سُحبها ! يعاين رامي المفتاح ويتحسسه ، ويخبر الشيخ جميل: هل أنت متأكد من هذا المفتاح؟ يجيبه ، بالتأكيد التكعيبي!! فتش مرة أخرى ! يبدو أنه ليس ملائمًا للقفل ! يخبره الشاب بنبرة الواثق المتهكم ! يتحسس الشيخ جيبيه ويدخل فيهما يديه! فيجد مفتاحاً آخر! نصعقُ جميعًا !! ربما أخفينا ضحكاً ووجعاً معاً… ونحن نتبادل عبارات التهدئة المسكنة، عسى أن تكرهوا شيئا”، “مقدر ومكتوب” ، ربنا بختار الأفضل” و “كل تأخيرة وفيها خيرة“… تساءلت، كيف يمكن لعودةٍ أن تتم بالمفتاح الخطأ؟؟ ونحن في المدينة المقدسة التي يتوق البشر للعودة إليها، ونحن نريد العودة منها؟؟ أليس هذا غضباً من الله؟ عودتي تواجه الخطر وربما ليس هذا هو المفتاح وهناك مفتاح آخر! وبريبٍ إذا كان هو المفتاح الحقيقي الذي سيوصلنا للمحطة ! علينا أن نطير الآن ! لكن كيف وصل هذا المفتاح إلى جيب جميل؟ يتساءل الجميع !! وأتساءل أنا وأغراضي الثقيلة بصمتنا المريع .. يراجع الشيخ جميل وأبو شاهين تفاصيل وصول المفتاح الآخر المضلل لجيبه. أبو شاهين يخبرنا أن الدكتورة وفاء قبل أن تغادر الندوة تركت مفتاحًا، وسألتُ أنا: “لمن هذا؟لم يجب أحد ! ناولته لك، ووضعته أنت في جيبك ! في الوقت الذي كانت رفيف تتصل على هاتفي وأنا لم أرد عليها من صدمة التأخر لتخبرني أن وفاء نسيت مفتاحها وأن الشيخ جميل لديه مفتاح المسرح وتريد أن تعود لبيتها ولا تملك مفتاح السيارة ونحن نبتعد عن المسرح مسافة نصف ساعة من المطعم ! على وفاء أن تعود ولا تملكُ مفتاحًا ! وهو الآن بجيب الشيخ جميل مجددًا ! مفتاح المسرح مع السيد إبراهيم ! والشيخ جميل نسي هاتفة الشخصي في البيت ولا نملك أي رقم ! عليّ أن أعود إلى المحطة والطريق مغلقة بجهاتها الأربع ! بينما على أبي شاهين أن يعود مع جميل إلى موقف السيارات التابع لمنطقة الظاهرية عند المعبر قبل أن يتأخر الوقت أكثر، ورفيف تتصل علي وهاتفي بالكاد يستجيب ! الحادية عشرة إلا ربع…بعثت رسالة هاتفية لرفيف أن تخبر وفاء أن مفتاحها موجود في الدكان الذي يقابل المسرح الوطني لأنه الآن مغلق ، وجميل مشغول ولا يملك هاتفًا والسيد إبراهيم مسافر ! ويجب أن تذهب لأخذه قبل الساعة الثانية عشرة ليلا قبل أن يغلق ! لا أستطيع أن أخبرك الآن بكل التفاصيل لكن أكدي على وفاء الأمر ! واحتاج توصيل مفتاح الدكتورة وفاء للدكان المقابل حوالي ربع ساعة إضافية فقدت بها ربع ما تبقى لي من أعصاب ! الساعة الحادية عشرة، اضطر الشيخ جميل أن يسافر رأس الرجاء الصالح تحاشياً لتأخر الوقت. الطرق مزدحمة بسبب دخول العيد، وحركة السير تنظمها شرطة المرور التي أشارت لنا أن نسلك طريقا آخر ! طمأن توتري وهو يقول لي: سنصل لا تقلقي ! يا الهي، من أين يأتي هذا المقدسي برباطة الجأش فتنسجم معه الآلام والآمال ؟؟؟ أحسست أننا ضحايا هذا المفتاح، وليست طريق عودتي هي فقط ملكي ! لقد شعرت بتوتر أبو شاهين في دخان السجائر المتصاعد إلى الله بدعوات تتلبدُ في غيمة صغيرة ، لكني كنت أكثر منهم انفعالاً، فالرجال لا يلامون إذا ما عادوا بعد منتصف الليل، حتى السيارة لاقت منا تكسيراً وعناداً ونحن نحاول بعقلية الشرقيين فتحها عنوةً وإن كان بمفتاحٍ آخر !! لم أدر حينها إذا كان الأمر بسببي أم بسبب فشل المحاولات أم بسبب المفتاح ولم أعرف على من تقع اللائمة، لكني أدركت أن لكل عودة مفتاحاً خاص بهاوأي محاولة لمفتاح غريب ربما من القفل يعود خائباًليتني أخذت رقم سائق التاكسي ليوصلني بعد انتهاء الأمسية ! لوفرت هذا العناء، فلا يخفق كياني للعودة المريبة، وعدت إلى الحقيقة والسحر يرافق أوداجي فتتضاعف نشوتي وأبقى محلقة في أثير السعادة أكبر مدة ممكنة ! أعيش عالميين من السحر والواقع المقدس! بدلاً من خوفي على كل لحظة هددني بها الزمن. وصلت المحطة لم يبق أمامي سوى ساعة واحدة بالضبط ! ليتني أستطيع أن أوقف نبض العقارب من معصم الأبدية ! فاحتفظ بكل تفاصيل لقائي المقدس ! أشربها وأغلغلها مساماتي ! أتوحد مع السحر والقدسية، أتنفس من رئة اللقاء الموصول بالحب، والمعجون بالرغبة، أعود ودعواتي المرفوعة إلى الله لا ترد ! راياتي مرفرفة بيضاء وشفاهي حمراء لاهجة بالدعاء … أتمتع بكل ركعة صليتها في قدس الأقصى وكل تنهيدة حررتها من قلبي المعقود بالشوق، استرجع تفاصيل ذوباني حبراً سائلاً على سطور اللقاء وكيف ولدتني العودة من رحم الانتظار وكيف ولد المفتاح من رحم العودةالثانية عشرة إلا خمس دقائقعدتُ، أدخلتُ مفتاحي في باب البيت .. الثانية عشرة ليلاً… سقطتُ من التعبِ…تبدد كل شيءٍ فقاعة في الأثير ولم يبق من سحر هذه الليلة المقدسة سوى وسام المسرح الوطني الفلسطينيباقة الغربية – فلسطين 48

 

 

*عناق مواسي (قاصة وناقدة من فلسطين)

enakmawasee@gmail.com

 

.

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. شكرا سيدة عناق على هذا التوتر اللذيذ …. رغم بساطة الأسلوب فقد استطاع أن يفضح الرغبة و يشرح الشعور و يجرح بالمبعض مكمن الصد و معوقات الشوق و اللوعة ………………… مشكورة

اترك تعليقا