دأبت كثير من الجمعيات والمؤسسات شعرية على إجراء مسابقات شعرية ، تنتهي إلى القصيد الفائزة أو الديوان الفائز ليحظى صاحبها بالتكريم. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن :ما هي المقاييس التي يستند إليها المقوِّم الناقد أو لجنة التحكيم؟وهل بالإمكان إدخال الشعر في قالب ما ليرتفع مؤشر الجودة أو ينخفض؟ أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال ـ قطعاـ بلا ؛ لأن الناقد أو الحكم لا يستطيع أن يقدم تعريفا جامعا مانعا لماهية الشعر، والشعرية نفسها قائمة على مبدأ المخالفة ، وحتى إذا قلنا أن الشعر هو «كلام موزون مقفى له معنى» ،أو تجاوزنا ذلك للحديث عن الخيال والصورة والموسيقى الداخلية والخارجية ,تبقى معالم الشعر وحدوده متماهية ومتداخلة مع أجناس أخرى وأشياء تختلف عن الشعر تماما؛ الإيديولوجيا ، الدين، الأخلاق…
وبالعودة إلى التعريف المتواتر(هو كلام) ولكن أي كلام؟ هل ذلك في مستوى محور التركيب والاختيار أم الألفاظ والمعاني أم الغريب والمألوف ؟ وما قيل عن الكلام يمكن قوله عن الوزن على اختلاف الأبحر والقوافي وحروف الروي ، وكذلك المعنى ومدى براعة الشاعر في إيصال المعنى للمتلقي، وهل حقيقة أن الشعر معنى متفق عليه ؟ وعلى مستوى الخيال والتصوير كيف يمكن الحكم أن هذه الصورة الأجمل ؟
إن الشعر منفلت من التعريف .والمعنى الشعري زئبقي مراوغ لا يمكن أن تحتويه كف التعريف ، متسرب كالماء ، أخرجه قائله من تراكمات معرفية وثقافية واجتماعية وذاتية مختلفة يعي بعضها ولا يعي أغلبها حين الكتابة ، لكن يحاول أن يصنع فرادته التي تميزه عن غيره لأن الشعر اغتراب عن اللغة ،اغتراب عن المألوف ، فتحٌ لمجاهيل جديدة ومتجددة دوما ، إنجاز في مسابح الخيال أو في أغوار النفس ، وكل صورة لا ينتجها سوى شاعر واحد ، وكل موقف إبداعي لا يقفه إلا واحد.
والقارئ حين يقرأ النص إنما يقرأه من زاويته الخاصة ، تحت مؤثرات وموجهات ثقافته وتكوينه وشخصيته وتفكيره، وما دام النص متفردا في الإنشاء فهو متفرد في التلقي ، لذا يبقى الاختلاف هو السمة المميزة للشعر إذ يقول أدونيس: «إذا أردت أن تكون شاعرا فعليك أن تقلد شاعرا لم يولد بعد وربما لن يولد أبدا» ، فكيف لنا أن نقيس الشعر بالشعر ؟ والأشياء المتماثلة لا يقارن بينها والأشياء المختلفة جدا لا يقارن بينها والشعر مشتبه ومتشابه ، وبالتالي لا يمكن لنا القول أن هناك أنموذج أمثل أعلى نقيس عليه ؛ هل نتخذ المعلقات أنموذجا أم المفضليات أم أشعار المتنبي أم البياتي أم أنسي الحاج…؟ وكل منها أنموذج لنفسه.
وما دام الناقد لا يقيس الشعر بالشعر لاستحالة ذلك فبم يقيس إذا؟؟ أيقيس بالأيدلوجيا أم بالدين أم بالأخلاق ؟وكل هذه الأشياء خارجة عن جنس الشعر وكل تقويم على هذا الأساس يعني أن التقويم قد انتقل من الشعر إلى الشاعر.
هل يتم التقويم عن طريق المناهج النقدية المعاصرة من بينيوية وأسلوبية و سيميائية وتفكيك وتلق وغيرها ؟ وكلنا نعلم أن هذه المناهج في مجملها قد خلصت النص من أبوية الشاعر بإعلانها موت الكاتب .فهي بالمقابل لم تطلق يد القارئ ليمارس سلطة أخرى تتيح له أن ينصب نفسه موجها ومصوبا ومقوما للنص . أي بمعنى آخر حين أعلنت موت الكاتب أعلنت موت الناقد ؛ذلك الناقد الذي ينصب نفسه أستاذا على الشاعر ونصه ليقول له أخطأت هنا ، ولو قلت كذا بدلا من كيت….
إذا لم بق أمام الناقد التقويمي الذي يريد أن يفاضل بين مجموعة من القصائد ،لم يبق أمامه سوى منفذ واحد هو النقد الانطباعي ؛ أي أثر القصيدة حين يقرأها المتلقي يتعرض للتأثر بها سلبا أو إيجابا بحسب العوامل المشتركة أو المختلفة بين القارئ والشاعر .ويكون هذا الانطباع غير مبرر في كثير من الأحيان .
وتبقى القصيدة جميلة ، جميلة وكفى .
*الأزهر محمودي ( أكاديمي وشاعر من الجزائر)
.





ربي يوفق