قصة قصيرة “امــرأة فـي الـشّـارع “/عفيفة أم الشّيماء*
بواسطة مسارب بتاريخ 29 ديسمبر, 2013 في 06:50 مساء | مصنفة في متعة النص | 4 تعليقات عدد المشاهدات : 3664.

 

    انتصف اللّيل خرجت أجوب شّارعا تدثّر بظلمتة  تقودني ذّاكرتي. شارع مُظلم، موحِش،… نامت الطريق في حضن السكون ، يدقّ الصّمت فيه أجراسا… جرذان تهرول على امتداد الجدران المهترئة، و قطط تنبش القُمامة تطلب الحياة في بقايا الطّعام. شارع بالنّهار مزدحمٌ، يَتِيه الغريب في زِحام يحجب معالمه، هوالآن أكثر وحشة مـن الـمقابر…

سِـــــــــرت …

    كهلة انعزلت بركن تحتمي بظلامه، تفْـتَرش الورق، تتكئ متوجّسة على كُوم ملابس بالية نتنة الرّائحة، تتحسّس. أحاطت بها أوان قذرة. طريدة زوجها بعد زواجه الثّاني لضيق بيته، و ما عاد لأهلها بيت، بعد أن باعه إخوتها، واقتسموا ثمنه، بُعيْد وفاة والدتهم، تعيش التشـرّد في هـذا المكان منذ عـقد.

وَاصَــــــلْـــتُ الـــسّـــيْـــرَ . . .

    عجوز تغطّ في النوم، على مـقعد في موقف الحافلة، عليها طبقات من الأثواب القديمة. متاعها قارورة ماء، و حقيبة صغيرة تتوسّدها. يبدو بها خرف. ربّما خرجت من بيتها، و ما عادت تذكر طريق العودة،  تلازم هذا المقعد منذ أسبوع.

وَاصَـــلْـــتُ الـــسَّـــيْـــرَ …

    حسناء، حزينة التّقاسيم في ثوب رثّ، تجلس على عتبة باب بيتها، تكوّمت على نفـسها، تطوّق ساقيها بذراعـيها، أسندت جبينُها على رُكْبتيها، تمسح دمعتها بطرف ثوبِها، أبرحها زوجها المخمور ضربا، ثمّ رماها خارجا،  تنتظِر عودة عـقلهِ ليفْتح الباب، و يُدخلها ثمّ يُقبّل رأسها و يديها و يعْـتِذر، فتبتسم.و عيناها يغرقهما الدّمع ككلّ مرّة.

وَاصَـــلْــتُ الـــسَّـــيْــرَ . . .

    اقتربت من الضّجيج البعيد، معالم الشّارع أصبحت أكثر وضوحا. صبيّة لـم تبلغ العشرين كاسية عارية برفـقة شابّين، تَصْطنِع الفرح بمَلامح يائسة، طَمست براءة وجهها المساحيق الملوّنة، تخْتلس الـنّظر يميناً، و شـمالاً، تتحدّى بقايا الحياء في نفسها، تَمْتهِن الـفجور، ضحيّة تفتَرِس ضحايا، و يَفْترسونها منذ استنجَدت بالشّارع على جحيم زوجة أبيها مذ توفّيّ والدها.

وَاصَـــلْــتُ الـــسّـــيْــرَ . . .

    امـرأة لِلهَمّ على وجهها مَسحة تفـتح نافذة مطبخها، تظاهـرت بالعـطش، بعد أن رنّ هاتف زوجها، تمسح عبرتها بِخِمارها، تتألّم، و لا تئنّ، لا تُريدُه أن يعرف أنّه مفضوح الأمر، هيَ طالقٌ إلى حين انتهاء المكالمة، هـذه حالها منْذ خمسة أهلّة.

وَاصَـــلْـــتُ الـــسَّـــيْـــرَ . . .

    امرأة نيّفت على الثّلاثين شعْثَاء غـبْراء، تُهَمْهِم تارة، و تضحك أخرى، تتردّد بين المشي، و السّكون، حركات جسْـمها بلا معنى ، فقدت عقلها مذ هلكت عائلتها في حادث مأساوي منذ خمس سنوات، تمشي مُنفرجة السّاقين، سَتَضَع مولودها قريباً.

وَاصَـــلْـــتُ الـــسَّـــيْـــر . . .

    وراء قضبان السّياج، في زّاوية ساحة المسجد، أربعينية  تتهيّأ للنوم، عاقلة مجنونة، مبهمة الملامح، حاضرة غائبة، نادرة الكلام، هجرت بيتها، وزوجها، و تنازلت عن ثمانية أولاد، و لم تفطِم أصغرهم رغبةً في الشّارع، بعد أن كادت لها جارتها شرّا، إثر شِجار بينهما. تختلف إلى ساحة المَشفى نهاراً، و حديقة المسجد ليلاً. تبنّاها الشّارع منذ سبعة عشر حولا.

وَاصَـــلْـــتُ الـــسَّـــيْـــر …

    امرأة في حُلّة جميلـة غير مُتَبرِّجَة، و لا فاتِنة، تَشابكَت أصابِع يُمْناها بِأصابِع يُسْرى رجل أنيق ، عَادَت مَشْياً لشاعِريّة أكثر من المَطْعم اللّبناني، في نهاية الشّارع، حيث تناولت عشاء فاخراً، و قضت أمْسـية ممتعة. اللّيلةَ ذكرى زواجها الأولى.

وَاصَـــلْـــتُ الـــسَّـــيْـر …


التعليقات: 4 تعليقات
قل كلمتك
  1. المد لله ، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ، تحية طيبة و عرفان على المجهود الطيب جعله الله في ميزان حسناتك امين .

  2. بنوراما رائعة تصوير بليغة رسالة نبيلة …. و آلام متجددة … قصة مفتوحة على الحزن و الفرح القليل في قلب الأنثى في بلادنا …. شكرا عفيفة

  3. آمين ، و أطيب التحايا لك سيّد بابا مناعي
    أشكر مرورك و قراءة .

  4. هو ذاك استاذ عمار بوزيدي ، شكرا لمرورك المتميز و قراءتك العميقة . دمت

اترك تعليقا