امرأة للحِذاء و أخرى للغِليون/ قصة قصيرة / عفيفة أم الشيماء *
تربّعتْ على الثّرى عند أقصر الشّاهديْن حيث نُصِبتْ راية رحيله و الغياب إلى الأبد…تفوح منها رائحة دُخّان نار غُمَّتْ. تَعْبثُ أناملها بحبيبات التّراب، اتّكأت على هشيم الذّكرى تتهدّج بين الحزن و الفرح و الفخر و النّدم ، تَبْكي تـجهلُ أ هِي تَبْكيهِ، أم تَبْكي حظّها العاثر… لو سُئِلَت أَ كُنتِ تُحبّينهُ؟ لَردَّتْ لا أدْري!…كلّما مرّ بها أحد أعطته حفنة بَلّوط، و هي تقول: كان يحبّ البلّوط كثيرا… أقبلت عليها امرأة محتشمة اللّباس هادئة الملامح، مُتواضعة الهيئة مَـحبوبة القِصَر مَسحتْ بناظريها شواهد القبور الحديثة تبحث عن اسم واحد يعنيها… وقفتْ عند أطول الشاهديْن شَبَهُها لَبَـن خَضّ منزوع الزّبدة، و بادرَتْ بسؤال أخبرها قلبها بجوابه: أنتِ الأولى؟ و عانقتها بـنظراتها، كأنّها تقول: أنتِ أكثر النّاس شبها بي! ردّتْ الأولى: أنت الأخرى… و تَسلّل مِنْ دمعهما بريق ابتسامة لاحتْ من مُقلهما تُوَثّقُ أُخُوّتهما من كأس الـمُرّ، تؤثِّثُ لفرح في الأفق… الأولى: ظننتك فارعة الطوّل أقلّ جمالا ممّا أنت عليه. ــ الثّانية: تخيّلتك مَلكة جمال لحرصه على حَجْبك، و عزلك عن النّاس… لا تلوميني! لم يخبرني بوجودك، و ما علمتُ بك إلاّ بعد زواجي منه… ــ الأولى: لا طائل من ذكر هذا، لا أرغب الآن إلا بتذكر أجمل الأيام التي قضيتها معه من زمن صُنع حُصُر الدّوم و سلال القصب… رُعْبوبا رِتْكَة كانتْ، اختارتها والدته بعد أن عاينتها جزءا جزءا كنخّاس بَـخيل له بعد عزوفه عن الدّراسة لعَوز والده؛ رغم اجتهاده آثر شَدّ عضُدِه و مساعدته في حرفته كفخّارْجِيّ و التي لم تكُن تُدِرّ عليهم سوى دُريهمات تسُدّ رمق جوع تسعة أفواه، رأتْ والدته في “مَلِيكة” الأقْدرَ على تحمّل المشقّة، و الضّنى… كم كان عُمر اللّيال الملاح، و السّهر حتى الصّباح قصيرا مُنْكبّيْن على صُنع الحُصُر و السّلال، يتجاذبان أطراف الحديث و يتبادلان النوادر… يتَتَبَّع الأسواق على مدار أيّام الأسبوع و يقصدها لعرض سلعته يرافقة كثير من الحظّ. سرعان ما اجتهد و برع في التّجارة على تواضع دخلها و أضحى صاحب دكّان صغير في منطقة متوسّطة الحركة لبيع السّلال و الحصائر و القدور و مَكانس الدّوم و كلّ ما أصله يدويّ منزليّ الصّنع… ارتقى دكّانه في ظرف قصير الى بيع التُحف التّقليديّة، له زبائن من الضّواحي يقصدونه على الدّوام… اقترح عليه رجل صالح الانتقال إلى المدينة حيث يُقدّر النّاس أكثر هذا الصّنف من السّلع. استدان و اكترى دُكّانا وسط المدينة. ما مضى من الزّمن إلاّ شهورا و ارتفع دخله الشّهري الجديد إلى ما يقارب دخله السّنوي القديم لما تعجّ به المدينة من سُيّاح من داخل و خارج البلد… بعد وقت قصير ضمّ الدّكان المجاور لدكّانه و جعلهما متجرا كبيرا مُتنزّها رَمزيا لمختلف الثّقافات و الحضارات… اختلط بالنّاس اختلاط سواد الغراب ببياض النّوارس، بينما يُشدّد في ضَرب الحُجُب، و السُّتُر على “مَلِيكة” و الحيلولة دون اختلاطها بالعالم الخارجي لاعتقاده أنّ ذلك سيفسدها عليه، إلا نظرة من وراء شبابيك النّوافذ التي أحكم تحصينها… فَهِم قواعد اللّعبة سريعا… رَبَا ماله ربوا باهرا… أغلب زبائنه نساء صغيرات السّن، قضاءُ بضع دقائق مع إحداهنّ تُناقش ثمن التّحفة أو تطلبُ تُـحفا أخرى يُـحْضرها لها، و ربّما انحرف مَجرى الحديث إلى غير ذي صلة بالتُّحف، و سَرَيان سِحر عطرهنَّ إلى مَعاقل جوعه، و تحريرها ، و ركوب تضاريسهنّ بمخياله جَـرَّه جرّا إلى اعتياد النّظر إلى مفاتنهنّ و معاكستهنّ… عُرض عليه أحيانا ثمن قطعة فنّية بقطعة من جهنّم، أعرض في بداياته ثمّ استسلم دونما قَدّ قميص من دُبُر… يُهادن رواسب الخير فيه، و يتحايل على ضميره بالإقلاع؛ و لا بأس بالمرة ثمّ بالمرّتين… و تدحرج شيئا فشيئا إلى حفرة ما ظنّ يوما أنّه واقع فيها… و حليلته ما زال ثَوبُ نهارها ثَوبَ ليلِها تَعَتّقتْ فيه رائحة الثّوم و البصل و الزّيت و العرق و حتى قَلَس رضيعها على كتفها تُغيّره بعد الاستحمام مرّة في الأسبوع كما تعوّدت ذلك منذ صباها… دخل مُنتشيا ذات مساء بعطورهنّ مسحورا بذبذبات أصواتهنّ، قَــزّزه هِندامُها و رائحتها المعتّقة، و بـَخـَـرُ فمِها… أقلقه ضجيج أولاده، و فوضى الأشياء و الأثاث في البيت و لم يشفع لها غلاء أثمانها بأن تحظى بما يليق بها من عناية و ترتيب؛ صار على شفا سيل من الغضب بعد الخطوة الثّالثة من الباب يتصيّد لها اللّمَمَ ليخاصمها و يرسل بها إلى غرفة الأطفال إذا حان وقت اللّين، و أصبح للوقت طَعم التّوت البريّ كالعادة منذ فترة و ينام مُنفردا… قال فيما استرخى على الأريكة مُرهقا: قَدَمَاي…هرولتْ إلى آنية قدميه و أحضرتها، رَفعتهما بقليل من الجُهد منه و كثيره منها وضعتهما فيها، أفرغتْ عليهما ماء دافئا هيّأته قبل عودته، أضافتْ قليلا من الملح و هو يتعقبّ حركاتها يقتنص خطأ ما … هزّ رأسه مستحسنا، حرّك قدميه في الماء تلذّذا… تمدّد قليلا على الأريكة و هي تُدَلّك قدميه، ما إن فرغت أومأ إليها بطرف عينه، أسرعت بإحضار فنجان قهوته السّاخنة تُظهر له الابتسامة و الولاء غير متأفّفة، و تسأله هل أُدَلّكُ رقبتك و كتفيك؟، كثيرا ما كان ردّه بعد تفكير إشارةً بيده إليها: أن بَاشِري!… إيماءات و إشارات لغته إلاّ قليلا؛ لا يقيم لها وزنا؛ كيفما تـفانَتْ، و اجتهدت في خدمته لا تغنم منه بابتسامة؛ غلّق أبوابه، أوصدها، و رحل في حضور جُـثّته الكامل… كم هو موجع ذاك البعد الذي يزداد شسعا كلّما رغبنا في القرب !… على أثوابه أن تكون نظيفة مَكويّة على أُهبَة لِاختيار أي و احد منها وقتما شاء… يحدّد صباحا قبل أن ينصرف الى مَتجره الطّبق الذي ستُحضّره سواء كان سيَحضر لتناوله أم لا. فَتَرَ ما كان بينهما تدريجيّا، و اضمحلّ، و اتَّسَعتْ المسافة العاطفيّة بينهما حَدّ هروب العينِ مِن العين… و نزلتْ “مليكة” إلى رتبة الخادمة… يجمعهما سّقف البيت الواحد ليس إلاّ، و ثلاثة من الأولاد أفلتهم الموت من بين عشرة خرجوا إلى الدّنيا على امتداد عشرين سنة انسلختْ من حياتها البائسة… رابـَها سلوكه المتصاعد سوءًا فسألته الأنثى التي مازالت تسكنها ذات سَهو مِنها أين يقضي لياليه التي يَغِيبها عن البيت؛ ضربها بآنية الماء الدافئ الـمُعدِّ لقدميه؛ هَتَمَ رباعيتها و هشّم أنفها. يفتعل الشّجار كلّما شعر بعدم التّشبع مُتحسّرا على القدر الذي ساقها إليه… هي الخاسر الوحيد بعد خوض معركة تَدخُلُها عزلاء تعوّدت الخروج منها بكدماتٍ و جروحٍ و خُصيلاتِ شَعر اقتلعها من رأسها و هو يجرّها إلى الحمّام لِكتْم صراخها و توسّلاتها تناثرت هنا و هناك، و بصاقٍ على وجهها… تتجمهر كلمات ما عاد لها سبيل إلى قلبه الـمُسيّج و تتهافت على شفتيها فتبتلعها كخناجر تُـمزّق فؤادها… ــ تترجّاه: سَرِّحْني! لست أريد منك غير حرّيتي… يجيبها واثقا بنبرة الحاقد النّاقم و ليس بينهما غير ماضٍ يشهد لها بالأصالة، و الصلاح؛ أحسنتْ عونه؛ ساندته بما استطاعت و بما لم تسطعه تكلّفا و إلزاما: أنتِ لي و لن أقبل أن تكوني لغيري و لا حتّى لنفسكِ… “سرّحني” لفظ تدحرج من الطّلب إلى الرّجاء ثمّ استقرّ أمنية في نفسها قنطتْ بتوالي الأيام من تحقّقها… رضيتْ بحالها و ركنَتْ مَهدودة الرّكن لا تكترثُ لشيء تنتظر موتها أو موته… فقدتْ الشّعور بما حولها لا تحبّ، لا تكره، لا تشتهي، لا تغضب لا تحلم باشتداد ثقل جثّة الحزن الجاثم على صدرها… شيئا فشيئا زاد ألمها عن طاقة تحمّلها و فقدت الوعي؛ تسير كمُخدَّر أو نائم، أو آليّ مُبرمجة على الطّاعة و الإنصياع و الرّضوخ في صمت مُتَـناه، وحده حمار يحمل على ظهره قنطار قمح مُشتهاه حفنة شعير يُشْبهها. لم يـَخِبْ حِدس الأنثى التي تُـحْتَضَر بداخلها؛ بعد أن اتّسعت تجارته و شملتْ التّحف المغربيّة، و المصريّة، و التّركية، و الآسيويّة إلى التّحف الخزفيّة المحلّية الثّمينة دخلتْ امرأة دكّانه ذات نزهة… ما أكبر الشّبه بينها و بين زهرة النّرجس؛ اسم على مُسمّى… أغارت “نَرْجِس”على مشاعره فامتلكتها، و زعزعت كيانه، و بات يحلم بها…راودها فتعفّفت، و تأبّت عليه، فاختطبها… وحيدة والديها أعادها قَـفَرُ رَحِـمها إلى بيت والدها بِلقب “مطلّقة لِعُقرها”، ما رضي أبوها به إلاّ لأنّه غنيّ و لن تتطلّع عينه إلى بيت مهترئ من غرفتين في الطّابق الأخير من عمارة في حيّ عتيق كتبه باسم ابنته، و ما تزوّجها هو إلاّ رجاء ملأ فراغ و نقص شَعَر بهما زمنا طويلا و لم يتمكّن من معرفة ماهيتهما، و لا استدراكهما… أعظمَ ما يطلبه منها عنده و أروعَ مُتَعِه بها أن تحشُوَ غِليونه و هي في ثوبها نومها السّندسيّ الفُستُقيّ، و خصلات شعرها الذّهبيّ تهدّلتْ على كتفيها تَنُـوسُ، و هي تتهادى إليه في غُنج تَـحْملُهُ و هو مُستلق على سريره الفخم، فيتملَّكُـه شعور كأنّما حاز حُمْر النَّعَم؛ طقس يمارسه و إيّاها بعد يوم مُبتسم.. اكتمل له ما كان ينقصه ليُشبهَ تماما شِلّته… ما انفكّ في ارتقاء ظاهِره و سُفُولِ باطنه… امتدّت دائرة معارفه إلى دوائر السّوء… صاحَبَ ذوي البطون البارزة و البدلات السّوداء، و عشّاق اللّيالي الحمراء. أغراها ببيع شُقّتها و لا حاجة لها بها و هي تقيم في داره الخاصّة لاستقبال خاصّة الأصدقاء، و إقامة الحفلات الصّغيرة على شرف أحدهم أو إحداهنّ… رفضتْ بيعها بدون نقاش كأنّها صمّام أمانها تستمدّ منها قوّتها و تستند عليها… شعر بتهديد هذه الأخيرة له و خطرها عليه، فألحّ عليها ببيعها دون جدوى… نالَ مِنها بعد جَهْد التفكير و التّقدير حيث اهتدى إلى إقناعها بالسّفر بثمنها خارج الوطن من أجل التّلقيح الاصطناعي رغم تأكيد الأطبّاء لها بعدم نجاح الأمر، لكنّها آثرت تكذيبهم و التّمسّك بحلم الأمومة… ” ألا تتوقين إلى سماع كلمة ماما؟” “ألا تحلمين بهذا البيتِ تُردّد جدرانه صدى طفلنا؟” ” أحْلمُ بالظّفر منكِ ببنت تكون نسخة عنك تماما!”… “كم أنتِ قاسيّة يا نَرجس!”… “هل تـُقارنُ شقّتكِ بولد تحلُمين به؟”… “سيمضي العمر سريعا و تفوتك فرصة الحصول عليه”… تلك قصيدة يُسمعها إياها إذا اجتمعا، يحنو عليها بها كأفعى الأناكوندا تحتضن ضحيّتها و تلفّها تعتصر أنفاسها الأخيرة لعشاء آخر. ترافقه إلى المطاعم الفاخرة لحضور مأدبات عشاء على شرف أحد المقبوحين من أوجه المدينة البارزة. خَلع عنها ثوبها، و حِـيدَتْ عن دَيْدنها شيئا فشيئا؛ من التّعرّي على الشّواطئ إلى مرافقته إلى الحانات و المراقص… إذا أحسّ منها رَيْبا ذكَّرها بالولد الذي تحلم به… سرعان ما فقد هذا الحلم بريقه؛ فأيّ أمّ هذه التي سيفخر بها ولدها؟!… ذات عشاء انضمّتْ و زوجها إلى طاولة زُيّنتْ بأمّهات النجاسات لتسهيل الهضم، تَحلَّق حولها ثلاثة من أشباه قرود “البُونُوبُو” إناثُهم عملة للحرب، و للسّلام شُيوع بينهم، سود الطّواقم سُطوع الأضواء مُنعكِس على أذقانهم ترافقهم ثلاث حسناوات… تفَحَّص أطوَلهم يدا ثنايا حُسن “نرجس” بنظراته الخبيثة و قال فيما انسابتْ يده على يدها: أَ هذه لك؟ أليس لها توأم؟… أنا أريده!… نظرتْ إلى زوجها مُطأطئة الرّأس.. احمر وجهه، اتّسع منخراه، هَمّ بالوقوف، فجذبه الجالس بقربة من طرف سترته و أجلسه بالقوّة دون أن يشعر خبيث النّظرات… ردّدَ يُهامس غَضبه يُـمْسِك بِـجبينه و يَفْركُه يَـحسدُ خنزيراً يُسلّم أنْثاه: متى سأتخلّص من عادتي هذه التي أدفع ثمنها في كلّ مرّة غاليا؟… تتمنّى لو تتمكّن من العودة إلى الوراء لتَسْطُر لحياتها مَسار الرّاهبات… و من قِصّر يدها أقنعت نفسها أنّه لا مفرّ لها منه إلاّ إليه، و قصارى ما بيدها الـمُضيّ إلى الأمام بخطى متثاقلة… مالتْ و لانتْ قليلا قليلا إلى الرّضا بحالها و الإذعان إلى طلباته تُدرك مصيرها كَفِيل يَقْتَفيهِ الدّرب إلى مَقبرة الفِيَلة… زهرة بريّة، “نَرْجسة” رَبَتْ بين أحضان السّواقي الصّافية روّضها إصّيص صدئ ضيّق أخمد في نفسها حبّ البراري و خضرة الأرض و زرقة السّماء… يصطحبها ليلا كما في النّهار إلى سهراته مع نُدمائه، كأنّه يفاخرهم بجمالها الـمُسْبي و قَدّها الأخّاذ و هم برفقة رفيقات بالدّفع الـمُسبق… حِين تتحوّل مشاعرنا نحو الآخرين إلى أعواد ثقاب تضيئ الطّريق المظلم إلى مآربنا تستهلك زَحْفاً في كلّ الاتّجاهات ما كان بيننا من ودّ و ألفة و تستبدل عطر جميل الذّكرى بالحسرة و الوِحشة، فنَفْقِد القدرة على شمّ الرّوائح العطرة… امتطى حُلمها يَسير بها إلى غاياته كناقة طاوِية عِشرين مُدّتْ أمام عينيها جَزَرة…كثيرا ما أبقاها للسّهر مع أحد كُبرائه ليَعْقد من وراء دَياثةٍ صفقةً خطّط لها أسابيعا… الذّهب، القنب الهندي، الخمور المعتّقة، قطع غيار السّيارات و الشّاحنات؛ و أشياء أخرى ضمن دائرة هَوسه… جَـمْعُ المال الذي حُرِمَه هَوَسُه ، غاية جَـمْعِهِ له الجمْعُ، و من سَطوةِ هَوَسه عليه استغبى في آخر صفقة له شركاءَه و أراد الانفراد بعائدها بإيهامهم بتعرّضه للسَرقة، بعد أن دفع لِذي سوابق كثير التّردّد على حانته المفضّلة ليضربه و يكسر زجاج سيّارته و هو في طريقه إلى بيته و لم يكن يعلم أنّ الرّجل هو ذاته العَيْن التي وضعها كبيره الأوّل عليه، ثمّ أخذ المال إلى بيت أولاده حيث ظنّ أنّ لا أحد منهم يَعرف عُنوانه… لكنّهم تعقّبوه و اقتحموا عليه بيته مُقَنّعين… بعد مراوغة دامت لأكثر من ساعة و هو يرفض دلّهم على مكان المال إنكارا… رماه أحدهم برصاص مُسدّس صامت و هو يركض مُكمّم الفم نحو المرحاض ليجلبه و قد خبّأه في خزّان الماء، فسقط مضرّجا بدمائه، رأسُه داخل حوض الحمّام مبتلّ شعره بالنّجاسات… فاضتْ روحه في القذارة… تعلّم قواعد اللّعبة و لم يُتقنها؛ شتّان بين ” الدّامَّة” و ” الشّطَرَنج”. بعد مرور أسبوع على موته و ثلاثة أيّام من دفنه استأجرت ” مَليكة” سيّارة أجرة إلى المقبرة حيث الشّاهِدان على مرور زوجها على الدّنيا تحمل صَاعاً من أحبّ الأشياء إلى نفس والد أولادها “البلوّط”… في ذات اليوم و بغير تواعد مُسبق بعد أن توارتْ عند قريبة لها قصدتْ “نَرجِس” المقبرة تريد دليلا على موته لتُصدّق… الْتقتْ هناك “بِـمَليكة” و فاض صَدْراهما بـأوحال أسْرارهما، و مَضيتا إلى مستقبل سعيد لم يولد بَعْد آن مَـخاضه يَـستفزُّ فرحا سيجمع بينهما.
* قاصة من الجزائر





قصة رائعة , و حبكة أروع… بارك الله فيك و حفضك أستاذتنا الكريمة