التقاطب والتنافر “قراءة في رواية خرفان المولى” لـ: ياسمينة خضرا/ رفيقة سماحي *
بواسطة مسارب بتاريخ 4 مارس, 2014 في 04:44 صباح | مصنفة في حفريات | تعليق واحد عدد المشاهدات : 10160.

 


تتحدثرواية “خرفان المولى” عن العشرية السوداء في فترة التسعينيات، حيث تحكي قصة الأصدقاء الثلاثة (علال الشرطي، قادة هلال المعلم وجعفر وهاب)، الذين تعارفوا منذ الطفولة، كانوا يعيشون حياتهم البسيطة والهادئة في قرية غاشيمات بسيدي بلعباس، يحبون كلهم فتاة واحدة اسمها “سارة”– بنت رئيس البلدية- غير أنها اختارت – من بينهم- علال الشرطي زوجا لها.

وما يميز الرواية ويقلب كفة موازينها عودة الشيخ “عباس عيش” من السجن، ذلك الشاب الذي يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما، ويعد أمهر خطباء أهل القرية ورئيس حزب الجبهة الإسلامية للإنقاض يكلف قادة هلال بالذهاب إلى أفغانستان ليجاهد هناك وبعد أشهر عديدة يعود إلى قريته من جديد، ليتولى قيادة الجماعة بعدما أدخل عباس السجن وحُلّ الحزب الذي ينتميان إليه تتوالى الأحداث بمجازر مؤلمة تشهدها القرية بذبح الفلاحين والمعلمين والرعاة والأطفال والرضع من قبل قادة هلال وتاج عصمان والجماعة الإرهابية المختبئة في الجبل، ثم يتم الانتقام من علال الشرطي بقتل عائلته وزوجته “سارة”.

بعد تلك المجازر الرهيبة التي راح ضحيتها إحدى عشر شخصا على الأقل قررت مجموعة من أهل القرية الانتقام من الإرهابيين وتشكيل جماعة الدفاع المدني، وقد كان مع هذا الجمع كل من علال الشرطي وجعفر وهاب ، رحال.

تنتهي أحداث الرواية بالحوار الذي قام بين شخصية زان القزم وتاج الدين عصمان الذي أصيب إصابات بالغة واستنجد بصديقه بعدما اخترق جسده رصاص الجيش الذي قام بعملية تمشيط واسعة ومهاجمات عديدة للجبل، وقد أبى زان القزم مساعدة صديقه تاج عصمان وأخبره مهددا ومتفاخرا في الوقت عينه بقطع رأسه المطلوب لدى الدولة ليتحول إلى بطل في عين أهل غاشيمات.

بهذه الوقائع والأحداث بنيت أرضية الرواية فعززت موقع مؤلفها وكاتبها – ياسمينة خضرا – في الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية خاصة والتي لا يزال جرح الإرهاب فيها ملتهبا1.

 

 

ثنائيتي التقاطب والتنافر في رواية خرفان المولى:

عالجت رواية “خرفان المولى” لكاتبها ياسمينة خضرا” قضايا وأحداث تاريخية شهدتها الجزائر في فترة من الفترات فغاصت في أعماق المجتمع الجزائري بأسلوب فني ولغة راقية مزجت بين الفصيح والعامي.

فالمتصفح للرواية من بدايتها إلى نهايتها يكتشف مدى التقاطب والتنافر والتماثل والتناظر الذي أحدثه المؤلف في بنائه السردي ونصه الروائي، وهذا ماحاولت تتبعه والكشف عنه من خلال هذه القراءة التي أستهلها بالكشف عن تلك المفاهيم والأدوات الإجرائية السالفة الذكر، وقد جاء عنوان الرواية “خرفان المولى” بجماليته الفنية مرتعا لتلك المفاهيم بصيغة جملة اسمية التي قد تفيد الاستقرار والثبات وعدم الحركة وإن هاتين اللفظتين التي شملهما العنوان تتقاطبان وتتنافران في الوقت عينه وقد تجلى تقاطبهما في أن كليهما معرف سواء لفظة “خرفان” المعرفة بالإضافة أو لفظة “المولى” المعرفة بالألف واللام، وكأن الروائي يعلن منذ البداية أن القارئ على علم ودراية تامتين بموضوعه ومن خلال معرفته تلك استطاع خلق إرباك ودهشة في ذهن القارئ عن طريق جملة من التساؤلات التي قد يطرحها القارئ عند قراءته للنص الروائي بما في ذلك عتبته التي جاءت محملة بدلالات ثرة ثراء النص الروائي فملفوظ “الخرفان” مثلا جاء محملا بحمولة دلالية عقائدية نتيجة لتقديسه في الديانات السماوية وهذا ما استطاع الروائي خلقه واستحضاره من خلال نصوص غائبة استدعاها بطريقة ذكية عبر رصده للمقطع السردي التالي “أ تعرفون لماذا أمر الله إبراهيم بأن يضحي بابنه العزيز”2، حيث استحضر الروائي عبر هذا المقطع قوله عز وجل:﴿ فَلَمَّا بَلَغَ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَي إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرْ سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِين ﴾3، وقوله أيضا ﴿ وَفَدَينَهُ بِذِبْحِ عَظِيم ﴾4 هذا ما جاء في شأن “الخروف” في  الديانة الإسلامية أما في الديانة المسيحية فيشرح الكتاب المقدس طبيعة الإله وماهيته بقوله:[...خروف قائم كأنه مذبوح له سبعة قرون وسبعُ أعين هي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض]5، وطبيعة الخروف عندهم كذلك (المسيح في صورة ذبيحة الفداء) ويتضح أن النصارى متمسكين بدينهم لأنهم بمجرد إيمانهم بمخلصهم الخروف المصلوب يأتيهم الخلاص فهذه طريقةٌ أسهل من الصلاة والصيام والزكـاة – في نظرهم- أما في الديانة اليهودية: فللخروف رمزيتان متناقضتان فهو حيناً رمز للنقاء والوداعة والتضحية ودلالة لدماثة الخلق وشدة الصبر تحت ضغط المعاناة، وفي حين آخر هو رمز الجبن والغباء وسهولة الانقياد والانصياع للطغيان، كما ترتبط الخراف والحملان عند الدياناتالسماوية الثلاث بالأضاحي وبالنبي “إبراهيم عليه السلام”، لاعتقادها بأنّ “الله عز وجل” أراد اختبار إيمان “إبراهيم” طالباً منه تقديم ابنه “إسماعيل” ذبيحةً فانصاع إبراهيم لأمر ربه الذي فدا في اللحظة الأخيرة ابن إبراهيم، بكبش عظيم أبيض الصوف ذي قرنين كبيرين.6 ، أما “المولى” فهو الإله المقدس الراعي لقطيعه، وقد جاءت صيغتي العنوان متنافرتين فالأولى “خرفان” جاءت على صيغة الجمع وهذا ما يوحي إلى تعدد القراءة ، تعدد الدلالة في حين جاءت الثانية “المولى” صيغة إفراد وهذا التنافر الذي ولد التقاطب فالخرفان ما كانت لتكون متعددة إلا لأن مولاها واحد هو من يقودها، يحرسها ويسعى لسلامتها،  يتضح أن العنوان متعدد لغوي جاء محمّلا بدلالات عقائدية تحمل معاني التضحية الألوهية والتقديس، إضافة إلى العنوان نلفي بعض الشخصيات التي تتنافر أحيانا مع بعضها وتنسجم أحيانا أخرى حتى مع نفسها ولا أدل على ذلك من شخصية جعفر وهاب الذي قال: “لو كان لدي الخيار لأحببت أن أكون أسدا، نعم أسد وليس ملكا، للملك قلاقل كثيرة أما الأسد فإنه حيوان مريح البال”7  نستشف تنافر الشخصية وعدم انسجامها مع نفسها فهي غير راضية بحالها إلا أن هذا التنافر سيولد تقاطبا يؤدي إلى تنافر وهكذا دواليك، ومن البديهي أن الشخصيات تؤثر في المواضع والأمكنة وتتأثر بها ومن بين تلك الأمكنة قرية غاشيمات التي أعلنت جهارا عن تنافرها ومن ثمة تقاطبها، تلك القرية التي دارت حولها أحداث الرواية، وكانت تولد تنافرا ولم يجد شبانها إلا أن يبقوا في قرية النحس يقول أحد الشخصيات “لا أظن أنني قادر على العيش بعيدا عن هذه القرية المنحوسة”8 فالقرية منتجة للألم (تنافر) ومولدة للذة (تقاطب) في الوقت عينه وعبر هذا التنافر والتقاطب تكمن جمالية البنية السردية، فالقرية على الرغم من نحسها غير أنها تستقطب وتستهوي الشبان لدرجة أنهم غير قادرين على الابتعاد عنها، يقول الروائي في موضع آخر على لسان شخصية داكتيلو: “المعبد العتيق إنهم يخربونه”9، إن هذا الموقع التاريخي والمعلم التراثي الذي يحفظ للأمة ذاكرتها يولد تنافرا فهو لم يعد صالحا في نظر الجماعة المسلحة ولذا وجب هدمه وتدميره وفي الوقت عينه فإن مكانه  يستقطب المسلمين وذلك ببناء مسجد بدله.

نستنتج مما سلف أن ثنائيتي التقاطب والتنافر في رواية “خرفان المولى” أكسبتا النص وظائف عدة لا تتوقف عند حدود جمالية فحسب، بل أسهمتا في تشكيل النص إنشائيا ودلاليا، وأيقظتا تداعيات في أذهان المتلقين فجعلتهم يشاركون في إنتاج النص.

هوامش:

  1. ياسمينة خضرا، رواية خرفان المولى،، ت: محمد ساري ، دار سيديا ، الجزائر 2009 ص:45.
  2. الرواية ص:154.
  3. سورة الصافات الآية (102). 
  4. سورة الصافات الآية (107).      
  5. الموقع  http://www.aljame3.net/ib/index.php?showtopic=4640   مأخوذ عن:الكتاب المقدس : رؤيا يوحنا اللاهوتي {5} : الإصحاح 6.
  6.  ينظر : مجلة جهينة ثقافية اجتماعية شهرية، العدد:  66 ، 1 – 11 – 2010.
  7. الرواية ص: 15.
  8. الرواية ص: 12.
  9. الرواية ص:132.

 

 

 

* قاصة وباحثة من الجزائر

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. iron lady قال:

    شكرا أستاذة على الافادة , و أنا في انتظار المزيد لأن هذا المجال يهمني ^_^

اترك تعليقا