توقيع لحالة انتظار / قصة قصيرة / قلولي بن ساعد *
بواسطة مسارب بتاريخ 27 مارس, 2014 في 09:07 مساء | مصنفة في متعة النص | 3 تعليقات عدد المشاهدات : 3605.

 

قال الراوي

شتم أبي أمي  .. عندما نسيت أن تعد له خبزة الشيخ سيدي عبدالقادروهي عبارة عن قصعة كبيرة من “الفتات” الممزوج بقليل التمر المدهون بالسمن المحلي المستخلص من حليب الماشية    تعود أبي إخراجها كل يوم جمعة للجيران والأقارب وعابري السبيل إيمانا منه أن الشيخ سيدي عبدالقادر هو الذي رأي في المنام ليلة القدر   أنه سيرزق بإبن ذكر الذي هو أنا يحفظ إسمه  بعد عدد معتبر من البنات …  كنت أنوي الدفاع عن أمي  لكني لم أحرك ساكنا ببساطة لأنه أبي…. توجهت إلى غرفتي وإنخرطت في بكاء طويل لم أستفق من حزني إلا بعد أن هدأت العاصفة … كنت حين يداهمني الألم  والحزن الشفاف  أستأنس بقليل من قراءة الشعر العذري لأستمد منه بعض زادي وعزائي ..من حسن حظي أني لمحت غير بعيد من سريري ديوان شعر لجميل بثينة  أهدتني إياها  الضاوية    تلك الحسناء  العاشقة لي و للشعر مع عدد آخر من الكتب والنفائس الشعرية أرادت أن تتخلص منها جميعها لأنها كانت على وشك أن تزف لزوج من قبيلتها  أختاره لها والدها دون إذن منها رغم توسلاتها له برفض هذه الزيجة… قيل لها أن الزوج المنتظر أكثر قسوة وتزمتا وتطرفا من والدها ولا يستسيغ بتاتا أن يناقشه أحد أو يحدثه عن الشعروالحب و”الكلام الفارغ “…قرأت الديوان بلهفة وجدتني داخل أجواءه والمناخات العذبة الجميلة وأنا أنقاد إليها أسيرا … …تذكرت مجنون ليلى وحيزية وعاشقها سعيد الذي نشأ يتيما في كنف عمه ومات متيما بحبها  بعد ما قتلها بالخطأ حينما إعتقد أنها وهي على فرسها بلثامها الأسود غريبا أو خصما أراد أن يخطفها منه في فيافي سيدي خالد  وكل العشاق المجانين لم يغب عن ذهني أيضا  أراغون الشاعر الذي   وصف حبيبته ” إلزا “  بالاله وبصعوبة بالغة نسيت لبعض الوقت  حزني وأساي كنت أريد أن أنام لكن مزاجي النفسي بسبب ما حدث لأمي أزال عن أجفاني النوم  …ساعتان بعد ذلك من بقائي لوحدي في عزلتي طرق أبي باب غرفتي سألني ما بك  …لم أجبه ثم غادرت البيت وأصبحت قليل التردد عليه في دكانه الصغيرالمخصص لبيع المواد الغذائية ..لم أعد أيضا أتناول معه العشاء …صارت علاقتي معه شكلية وباردة  بالطبع هو لم يصمت حين إستشعر وقوفي إلى جانب أمي  سمعته مرة يقول ” تربية العزايج ولادة أماتها ” لم أرد عليه وألزمت نفسي بتجاهل ما يقول …كنت قريبا جدا من أمي أحبها بشكل لا يوصف ..لا أقبل مطلقا أن تهان أمي أمامي ولو لم يكن أبي لكان لي معه شأن آخر …مرة أيقضني من النوم في حدود الساعة الخامسة  صباحا طلب مني فجأة إعداد نفسي للسفر معه إلى البادية ومضارب قبيلتنا …كان يصر إصراره المحموم على إشعاري بعدد رؤوس الماشية التي يملكها وحدود أرض أجداده التي إستعاد نصفها بعد جولات ماراطونية في دهاليز محاكم الجلفة والتيطري ليقوم بحرثها وبذرها لتثمر قمحا وتبنا وشعيرا بالأدوات التقليدية المتاحة في ذلك الزمن …محراث بسيط ذوأنياب حادة ورؤوس مدببة يجرها حمار أو بغل ووراءه يقف رجل يحدد للحمار الوديع المستسلم لخدمة الأرض وتلقي الإرشادات والتوجيهات مسافات التربة وتضاريسها بالنظر لسنوات الجفاف والقحط وشح السماء التي إجتاحت سهوب ومضارب أولاد نائل في ذلك الزمن … تناولنا  وجبة الغذاء غير بعيد عن خيمة عمي الحاج المسعود الذي أكرمنا  ثم سرعان ما إعتذر لي عن سوء تصرفه مع والدتي قال لي كنت غاضبا جدا لم أتمالك نفسي ولم أستطع التحكم في أعصابي خبزة الشيخ سيدي عبد القادر يا ولدي خط أحمر لن أتخلى عنها أبدا ..لا يمكن إزدراء المرابطين وصلاح البلاد أو التنكر لكراماتهم قلت له أمي لا تزدري أحدا لقد سمعتها تلهج بإسم الشيخ كلما فرغت من الصلاة وعندما كنت أستسلم لضنوني الممسوخة   واللهو واللعب كانت لا تنقطع أبدا عن زيارة بيت الشيخ بين الحين والآخر ثم  طلبت منه أن يعدني بعدم تكرار ذلك ففعل …بكى أمامي …إحتضنته ثم توسلت إليه بنسيان ذلك …لأول مرة أكتشف هشاشة أبي وحنوه الباهض رغم الصرامة البادية عليه  …صرنا بعد ذلك صديقين أصبحت علاقتي معه أكثر قوة وصلابة وعندما طلب مني الإرتباط بواحدة من بنات قبيلتنا رفضت ذلك طبعا وقفت أمي إلى جانبي قالت له دعه إنه حر في إختياره لم يرد عليها إكتفى بالصمت كان الوعد الذي قطعه أمامي بعدم تكرار الإساءة إلى أمي كافيا لردعه …أقسمت له أني لا أفكرفي الإرتباط حاليا ولا علاقة لذلك ببنات قبيلتنا الأكثر طهرا وشرفا اللواتي تنسل منهن في قيامهن وقعودهن كل إيماءات الحشمة والطاعة والحياء…سرى الخوف إلى قلبي أن يكون أبي غاضبا مني فمنذ لحظة بكائه أمامي ومعاناته من ضيق التنفس والآلام الصدرية التي صارت تنتابه خصوصا في فصل الشتاء غدوت كثير الخشية عليه… كنت أحاول إستمالته وكسب رضاه بكل الوسائل الممكنة ما عدا فكرة الإرتباط بواحدة من بنات قبيلتنا التي لم تكن واردة بذهني أبدا …لا حظ ذلك فتنازل عن طلبه ..قرأت سر تنازله في بعض حديثه المقتضب معي …. كان يجهل تماما أني تخليت عن فكرة الإرتباط نهائيا بأية أنثى مهما كانت منذ أن علمت أن الضاوية    أجبرها والدها على الإرتباط بواحد من أبناء قبيلتها وأنه لا قدرة لها على التمرد أو الرفض والشطط الجنوني …ولم أشأ أن أعذبه بحلقة جديدة  من قصص الثأر والإنتقام المربكة السائدة بين قبيلتينا منذ أزمنة سحيقة وموغلة في القدم …أذكر كنت لا أزال طفلا يافعا ” شواربو مازراقوش ” مثلما تقول  قابلة قريتنا ”   زنينة”"الحاجة الطاوس”تلك  المرأة الطاعنة في السن  التي ظلت لسنوات  تقوم مقام القابلة وتكبدت لوحدها عناء قطع ” حبل السرة ” لكل نساء قريتنا  لحظة مخاضهن حين تتحدث عن مرحلة ما قبل البلوغ لدي الفتيان  التي تحددها لخبرتها الطويلة بالحياة بالزرقة التي تغزو شواربهم عندما كنت ألمح من بعيد  قوافل الأحمرة والبغال وهي تتهادى قادمة من جبال سردون وأحراش السهوب تنوء بما تحمل من أسراق الحطب يقودها رجال البوادي البعيدة والسهوب الغارقة في العتمة والتيه واللاجدوى ….رجال بعمامات بيضاء يختبئون داخل جلابيبهم البنية اللون المنسوجة من وبر الإبل وقد زحفت على سحناتهم السمراء المكدودة بالتعب والشقاء أخاديد الزمن والبرد والجوع والمسغبة يقضون يومهم بحارة الزيقم وشوارع قريتنا المتربة يبيعون بعض ما حملوه من حطب التدفئة بأثمان زهيدة غالبا ما يدفعونها مقابل أخذ ما يحتاجونه من مؤونة غذائهم اليومي وقوت أطفالهم التي لا تتعدى قليلا من السكر والزيت والبن والتمر والفاصوليا والأرز والطماطم ثم سرعان ما يعودون لخيامهم الحمراء المنتصبة عند سفح جبل سردون …تلك هي يومياتهم طوال أشهر الشتاء القارس والبرد الموجع وهم يدفعون عن أبنائهم وأسرهم عناء السؤال أو التطلع إلى ماتجود به عليهم حسنات الأثرياء من الموالين لأنهم مثلما سمعت أبي  يقول منعوا من حرث وبذر أرض أجدادهم التي إفتكها منهم الحاكم العسكري الفرنسي بإيعاز من قايد محلي وسلمها لتاجر يهودي يدعى “عازار”الذي باعها هو الآخرلقبيلة أخرى بعقد إداري مزور  قبل أن يغادر إلى باريس مطلع الإستقلال هو ومن معه من ملته وطائفته تبين لي بعدها  أنها  هي نفسها  القبيلة  التي تنتمي إليها  رفيقة صباي ومهد حبي ووجعي  الضاوية لذلك لم يكن ممكنا أبدا التفكير في الإرتباط بها والزج بأبي في مغامرة أخرى مربكة وهو على ماهو عليه من ظروف صحية متدهورة وآلالام في الصدر لم يعد يقوى على مواجهتها يومها  يقال أقسم شيخ قبيلتنا   في مقصورة الشيخ سيدي عبد القادر وعلى مسامعه وبحضور شيوخ القبائل الأخرى بقطع كل أواصر التوادد أو التصاهرمع نسل وذرية أولئك الذين إستولوا على أرض ليست لهم وأخذوها بقرار ظالم رغم معرفتهم بملكيتها الأصلية والتي توارثها الآباء والأجداد  فسارت الضاوية  في طريق حياتها أو موتها راضية  إلى حتفها الزوجي بينما أضربت أنا عن أي إرتباط ممكن لسنوات طويلة قضيتها أتطلع إلى جذع قصة أخرى وحكاية حب أخرى تعيدني طفلا تجره  فتنة القصيدة والوهج الأنثوي إلى مرابع الصبا وزحام العواطف المجنونة  وحين لم تطرق باب قلبي زائرة أو أنثى عاشقة ومجنونة مثلي  وقد داهمني وحش العمرو غزى الشيب رأسي وجدت نفسي أستسلم لرغبة وأبي  إستجابة لصوت القبيلة  بينما يترددفي أفياء ذاتي المعذبة دبيب خفي ينفث ذبذباته محذرا إياي كن أنت لا تسقط في مهاوي والخضوع والتماثل  … …ومع ذلك كنت قد حسمت أمري وقراري مرغما مطأطأ الراس مستسلما   لقد مر من الزمن الكثير ولا مبرر لبقائي في دكة الإنتظار …كل بوارق الأمل وأشعة اللهب والوجد  التي عانقت عيناي وأمزجتي إنطفأت شموعها وذابت أشجاني في دهاليز الدجى والسواد المباغت واقعا تحت وطأة الصمت   والإستسلام كمن كان في انتظار موعد قديم  أجلته  عقارب الوقت المخيفة ليجلوا نهاية نزق وحلم بعد طول مكابدة و مسافة عمر   إنطفأ فيها وميض الإبن الذي كنته وكنت  إشرأب إليه وأتجاسر في التطلع له وقد إستحال إلى عدم وخواء ساخرا مني ومن تعبي  ممعنا في النزول إلى الظلال الداكنة  لحياة من سبقوني في سكون مريب شارد الذهن ألامس وقع الأثر الذي يخلفه رذاذ  القول المأثور  ” بنة عمك تستر همك”

 

 

 

* قاص وناقد من الجزائر



   

التعليقات: 3 تعليقات
قل كلمتك
  1. عمار بوزيدي قال:

    استسلمت لصوت العقل … لماذا ؟ … أين تضحية المحبين..؟ أين مغامرة العاشقين.. ؟ لماذا لم تهربا بحبكما و تدعا الثأر لأهله و تعيشا لما خلقتما له .. الحب النقي ؟ … صديقي بن ساعد أسلوبك راق و محكم … و تصويرك رائق و رائع … و المكان فسح للخيال مجالا … و التشخيص أعطى للنفس دفئا و حنانا … غير أن أفق التطلع خافت لولا جمرات يلهبها نفس التنهت و الأسف من مثل قولك : بينما يترددفي أفياء ذاتي المعذبة دبيب خفي ينفث ذبذباته محذرا إياي كن أنت لا تسقط في مهاوي والخضوع والتماثل …. ألف شكر أيها المبدع

  2. نص ثري زاخر كثير المحطات: من” ضرب أبي أمي أمامي بيده الخشنة” إلى “تعود أبي إخراجها كل يوم جمعة” و “لم أحرك ساكنا ببساطة لأنه أبي” ثمّ “بسبب ما حدث لأمي أزال عن أجفاني النوم” و “رفيقة صباي ومهد حبي ووجعي الضاوية ” و
    “قابلة قريتنا ”زنينة” و “وقد داهمني وحش العمر” فالمحطّة الاخيرة “بعد طول مكابدة و مسافة عمر إنطفأ”، قرأته اكثر من مرة، قرأت فيه الكثير من الأشياء الجميلة، من مشاعر رقيقة، الى أخلاق حميدة، إلى و مبادئ و قيم اجتماعية .، الا تلك العادات الظالمة. و بلغتي أيضا من آخر النصّ وجع الكاتب و المرارة التي يشعر بهما و الأسف على ما مضى من عمره الذي تدحرج في انتظار موعد ممكن و لم يكن ابدا. احببت فيه اسلوب التشويق و التّصوير الجميل . و ما زاد النص جمالا ان راوي القصة بطلها. فشكرا لك استاذ بن ساعد، و دام لك هذا التميز و الخصوصية في كتاباتك.

  3. wajd.mohammed.hassen قال:

    ما أجمله الكاتب أن لم يحنى قامة نصه لوهم طنين الأيدلوجيا أو ضجيج سرد خال من الشعور…مُكرها أو مختارا فقد فاض رذاذ تعابيره وانطلق صوته كبوق زاعقا للقبلية..للطبيعة ..لصدق الحقيقة،نصكم سيدي تدفق حبا وحرية، صوت سمعته آت من خلف بُنى اجتماعية ونفسية تناسب قدسية الأعراف القولية ان صح التعبير.هنا سيدي يصعب اشباع القارئ المُتخيل مثلي ..أحن إلى عيش ذاك الجو الماضوي…باركك الله قلمك أستاذ بن ساعد أسعدتني بأن عشت وحرفك لحظات ناعمة.يقال: لا كتابة خارج التجربة الممارسة، ولا معنى للنقد والتجربة والممارسة إن هي لم تكن متجهة نحو التحرر كما التحرير….كل التوفيق لكم.

اترك تعليقا