السِّمات الأُسْلُوبية في ديوان ( بَلاغاتُ الماء ) للشَّاعر مصطفى دحيـة / قراءة : سعد بولنوار
بواسطة مسارب بتاريخ 3 فبراير, 2012 في 11:02 مساء | مصنفة في حفريات | تعليق واحد عدد المشاهدات : 7758.

 

سعد بولنوار -باحث جامعي

   يعتبر ديوان ( بلاغات الماء ) من الدواوين القليلة التي عالجت بعض القضايا المتجسدة مضمونيا أو شكليا في لغة الشعر بصورة تتسم بالتكرار و ببعض الاطّراد ، حتى غدا تناولها مشروعا قائما بذاته ، وعندما نلفظ بكلمة التكرار فليس القصد من ذلك التكرار الذي شاع مفهومه السلبي في النقد الكلاسي و إنّما نروم من ذلك ما يحقق من جمال فني بواسطة ذلك التكرار إن بالإحالة المرجعية السياقية أو بسلطة النسق ( النص ) … و هذا الطرح في اعتباري مدعاة لممارسـة نوع من المقاربة ، و هو المقاربة الأسلوبيـة التي تسمح بنوعين من التناول : التنـاول الوصفي العلمي  ( الإحصاء ، التعداد .. ) ، ثم التناول الذي يفسر النتائج المتحصل عليها خلال الوصف أي قراءتها القراءة التأويلية الراجحة بمقتضى المعطيات أو القرائن الظاهرة .
  و قد تعددت الأسلوبيات بتعدد جوانبها المعرفية و المنهجية ، و بمقتضى الأصول التي بنيت عليها و الترسيمة التالية تبين الاتجاهات العامة لها :

و ككل بداية منهجية لابد من مراعاة شقين من الدراسة ، الجانب النظري الذي سيكون من مقررات القاعدة أي تلك الآليات و المفاهيم الإجرائية في مستواها النظري ، و كان اختيارنا منصبًّا على الأسلوبية الإحصائية ممثلة في ما جاء به الألماني ( هربرت زايدلر ) ، و كان الناقد ( محمد العبد ) قد نهج هذا النهج في بحثه ( سمات أسلوبية في شعر صلاح عبد الصبور ) ، و في بحثه راعى خطوتين أساسيتين وهما كما كنا قد أسلفنا بالذكر : 1
    الأولى : الوصف اللغوي المجرد للمثيرات اللغوية ذات القيمة الأسلوبية ، و قد لجأ الباحث إلى الإحصاء لقياس معدلات تكرار المثيرات أو العناصر اللغوية الأسلوبية : قلّةً و كثْرةً ، و استعان في ذلك بالدراسة الأدبية التي تساعده على تحديد النص المعيار الذي يقارن به نصه المدروس ، و يكون النص المعياري بمثابة الخلفية للنص المدروس ، و قد يجعل الباحث من خبراته الماضية أساسا للمقارنة .
    الثانية : وصف التأثيرات الإخبارية الدلالية و الجمالية لتلك المثيرات ، و يُضاف إلى ذلك تحديد قيمها الأسلوبية في إبداع المعنى سواء من خلال الصيغ التي تصاغ فيها الخبرات و التجارب أو من خلال التراكيب اللفظية التي تقدم إمكانات مساعدة على إبداع المعنى من خلال اجتماع الألفاظ في وحدة عليا .
و قد أخذ ( محمد العبد ) في اعتباره الشروط الثلاثة التي حددها ( زايدلر ) التي تخص بيان نظام القيمة  و هي كالتالي :
   أ – الانطلاق من معرفة اللغة ، فعن طريق اللغة ذاتها يمكن الاقتراب من القيم الأسلوبية بوصفها صياغة للشعور الإنساني بالعالم .
  ب – تأمل الجانب الإنساني في صورته اللغوية ، لا تأمل اللغة بوصفها بنية شكلية منفصمة عن صورتها الإنسانية أو تأملها بوصفها نظاما من العلاقات يمثل مواصفات لغوية خارجية .
 ج – النظر إلى فن اللغة بصفته منظومة من الطاقات الأسلوبية و العناصر الأسلوبية .
    و الشق الثاني من الدراسة هو الدراسة التطبيقية وفق مقتضيات السياق و ما يتحصل عليه من  مزج المنهج بالمدونة عن طريق التوافق ، هو التحليل الصحيح المفضي إلى نتائج ملموسة .
1 – القيم الأسلوبية :
    بعد القراءة المتأنية أو الاستكشافية كما يقول ( تودوروف ) للديوان الشعري بلاغات الماء  ، نلحظ مجموعة كبيرة من القيم الأسلوبية و يمكن إجمالها على هذا النحو :
   1 – الخطاب و النداء .
   2 – استعمال بنية معجمية متكررة من مثل : الماء ، الموت ، الله …
   3 – العطف بالواو ، و ابتداء الغاية بـ : من .
   4 – استعمال الأفعال المضارعة للزمن الحاضر .
   5 – استعمال أسلوب الاستفهام .
   و نبتدئ التحليل من أول عنصر .
1 – الخطاب و النداء :
   مما هو من القيم القارة أسلوبيا في هذا الديوان هو أسلوب استعمال الخطاب و النداء على المخاطب ، إذ أن ورود استعماله تكرر في أكثر من موضع مثل الأبيات التالية من قصيدة حديث النشأة :2
        أنت :
Homo habilis        منحة
      لطخته
    بثوره
      منساته
و من قصيدة استهلالات من آية الماء :
      قلت :
      يا مصطفى :
     كم يعذبني الماء .
     قلت للماء :
     يا وطن الله .
و من قصيدة وقت :
     يا ابنة الماء
     و الشعر
    و الوقت
2 – استعمال بنية معجمية متكررة :
   معجم الشاعر فيه ما يكاد في اطراده أن يصبح إيقاعا يضفي على قصائده جمالا منقطع النظير ،  و سحر هذه الألفاظ لا يكتفي كونه يشكل عنصرا من عناصر القصيدة و حسب ، بل يتراقص عنفوانا إذ أنه المحور الأساس في العملية الإبداعية للشاعر من خلال ديوانه ، و هذه بعض الألفاظ التي رأيناها تتكرر : الله ، الماء ، الموت .. و كثيرة تلك الألفاظ و سنكتفي بالثلاثة التي ذكرناها .
في قصيدة رؤية :
    و فيما …
    يسيل عرق الله
    على الأرض
    و تحفرين أنت أسرار احتفائه بالماء …
و في قصيدة حديث النشأة :
    تناوب الماء و الحمأ مهد تتخلق فيه رغوة النشوء
    و المتعة
 وفي قصيدة استهلالات من آية الماء :
    هذا …
    و يسرقني الله من غفوتي
    كلما حلمت بعرش على الماء .
من نفس القصيدة :
    الله في جنازتي
    يا ماسحين الأرض بالعسل
    صبوا على قصيدتي
    سطلا من المعاني و القبل
من قصيدة وقت :
    أذكر الموت
    أبكي
   و إذا ألتقيه
   تعتريني الأغاني
3 – العطف بالواو ، و ابتداء الغاية بـ : من .
   هذا الأسلوب نراه غالبا على أجزاء كل القصائد في الديوان ، و أقصد هنا الأدوات الفنية من الروابط التي تسهم في جمالية القصيدة ، بحيث يغدو كل رابط علامة دالة بما يتيحه من اضفاءات بالعلاقة بما يجاوره ، و هذا نلاحظه في الآتي :
مثال العطف في قصيدة أحلام :
   و أستعيد الحلم شاحبا
   يطفر منه الظل
   و الزر
   و اللون و العناب
و في قصيدة حنطة :
   و التآكل نجمتها الأبدية
   و البحث عن وجهها الهمجي – في رحم للبداوة
   و الشعر – برجها السعد ؟
و مثال ابتداء الغاية بـ : من في قصيدة أحلام :
   من مسواكها
  من دمها
  من فلتة العمر
و في قصيدة ميتا :
  من صمتهم …
  من عيون النبوات
  من جناس اليمامات
4 – استعمال الأفعال المضارعة للزمن الحاضر :
  الغالب في الصيغة الزمنية التي يبدع بها الشاعر في شعره أسلوب المضارع و الاستشراف لما يمكن أن يكون أو ينبغي أن يكون ، و هو تناول زمني لا يتاح إلا لقلة من الشعراء لصعوبة ركوبه و هروبه من إمكان التطويع و الترويم ، و في هذا نرى تعددا لافتا للنظر في ديوان بلاغات الماء إذ استعمله بتنويعات مثيرة و نذكر بعضا من تلك التنويعات في الآتي :
  في قصيدة حبيبتي نرى ملمحا رائعا لاستعمال المضارع :
    تغسل دمها بدم الغائبين
    تتشهى نوار الكلام
   و لكن للموت عرفا قديما
   يتسرب من مسامات الكون و فراغات اللغة
وفي قصيدة حديث النشأة :
   سيلهث شطرك خلف معاني الشطر الآخر
   يكتبه بالماء الأول معرفة
   تبتز مصائرنا من لطختك الصفراء
5 – استعمال أسلوب الاستفهام :
يغلب على الديوان طابع الاستفهام و الذي يخرج به في البلاغة العربية إلى معاني لامتناهية ، فكل استعمال لهذا الأسلوب ينحو منحى معينا من المعنى ، و المعاني تتعدد بل هي مطروحة في الطريق بتعبير الجاحظ ، إنما المزية في طريقة نظم الكلام و من هذا الأسلوب في شعر الشاعر نجد :
في قصيدة استهلالات من آية الماء :
   فكيف تستبين عيني عينها ؟
   قال :
   إنما الإبصار فورة العماء
و في قصيدة مرثية جسد :
   و ارتبت ، هل جسد يطاول صبوتي ؟
   أو جذوة تهب السماء رماديا ؟
  و بعد هذه الجولة البسيطة في القيم الأسلوبية ، و التي اختصرناها إلى حدها الأقصى سنحاول قراءة ما توصلنا إليه قراءة تفضي بنا إلى اقتراب معين من حدود المعنى المضمر في لغة الشاعر بتفحص الكفاية الأسلوبية ، و النظر بعد ذلك إلى المقاصد .
2 – المعاني و المقاصد من خلال أسلوب الشاعر :
  قراءتي ستكون محض تعاضد تأويلي مني باعتباري قارئا و من محصلة النسق الإحصائي باعتباره محمل الاشتغال و كذا من رؤية الكاتب نفسه باعتباره الكائن النصي المضمر .. الذي يعني دلالة معينة و يقصد قصدا معينا ، نزولا عند رأي إقدن و ريتشاردز في ( معنى المعنى ) 3 المتلقي دائما أمام ثلاث أسئلة أولها : ماذا قال المؤلف ( المعنى ) ؟ و كيف قال ما قاله ( الجانب الأسلوبي ) ؟ و ماذا أراد بما قال ( الجانب التداولي المتعلق بالمقاصد ) ؟
   و على هذه الاعتبارات مجتمعة تكون القراءة مرتكزة على ثلاثة محاور : الله – الماء – الموت ، فالكاتب من خلال نصه يكتب عن حقيقة علوية سرمدية هي الله و حقيقتين سفليتين لهما علوق مباشر بالإنسان الفاني و هما الحياة في صورة الماء ثم الموت .
  فالسمات في عمومها ، في بيانها لنظام القيم ، تنحو المنحى الصوفي الذي يتجرد أحيانا ضمن الحقيقة المطلقة ثم ما يفتأ أن ينزل واضعا في يده الحياة .. راغبا عنها .. في قلبه زهد الممات ، هي
حكايا صوفية تغازلها الألفاظ .. و ينهكها عالم الحرف في متاهاته ، هل يريد الكاتب فيها صوغ العالم وفق ما يراه هو ، أم ما تراه أعين الحقائق ؟

      الصراع صراع جدلي في بلاغات الماء .. فالكاتب ينتصر للحياة من خلال العنوان ، و يريدها هي البؤرة المركزية للانطلاق في تفسير ما خفي تفسيره ، و ذلك من خلال لفظ (بلاغات) إذ أن المقصد أن يجعل الإنسان عالم الماديات دالا و موحيا على عالم الروحيات لتتجلى الذات الإنسانية و هي تبتعد عن الشق الثاني للثنائية العجيبة .. إذا من هو المنتصر و من هو المخفق فيمن يتعلق بالماء أم فيمن بغيره .. بعالم الملكوت .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1-  محمد العبد – السمات الأسلوبية في شعر صلاح عبد الصبور ، مقال موجود في الأنترنت ،  و كذلك في الأسلوبية و تحليل الخطاب لنور الدين السد ، الجزء الأول .
2- مصطفى دحية – بلاغات الماء ، منشورات الاختلاف ، 2002 الجزائر .
     3- Egden & Richards – meaning of meaning .

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. قراءة وإن كانت موجزة وسريعة فهي ملمة بإجراءات المنهج المطبق ومدعومة بالتطبيق، هذا التطبيق والتمثيل الذي يتعذر على طلبتنا إجراؤه بشكل مناسب لقلة التجربة والمران….. فشكرا للدكتور سعد بولنوار على هذه الإفادة.

اترك تعليقا