I) سر جنوح الشاعــــر:
“سوف أجنح إلى الصمت رغم هذا الضجيج الذي يملأ العالم ورغم هذا الحزن الذي يملأ الوطن!” .
هكذا يختم الشاعر مقدمة مجموعته أو ديوانه، لسنا ندري!
قد أضيف سؤالا إلى أسئلته الحزينة: – لماذا الجنوح للصمت ؟
إن الجواب عن هذا السؤال ممكن دون استجواب الشاعر الذي قدم لنا مجموعته أو ديوانه وتركنا نتساءل عن جنوحه للصمت رغم الضجيج ورغم الحزن!
نحن معرفيا أحرار في الكشف عن سر هذا الجنوح للصمت؛ خاصة أن الشعر كلمة متمردة على الصمت بكل أشكاله الاختيارية أو الإجبارية، بوسائل الفن أو وسائل السياسة، بآلية القلم أو آلية السيف.. الشعر انتصار وثورة ضد الصمت والصامت!
فلا أستأذن الشاعر في فضح هذا الجنوح لأنه باختصار أحرجنا بتصفح هذه المجموعة أو هذا الديوان واستفزنا بقرار الجنوح للصمت؛ وحتى نرد على هذا الاستفزاز اللبق والممتع والمحفز.. وجب عليَّ إذن إبراز سبب هذا الجنوح للصمت، وتلبك هذا الحزين ذي الأسئلة المومسومة صدقا وفرحا وشعريةً!.
أ ) قصائد الفرح:
(حزن الأسئلة) وقد يحلو لي أن أكتبها هكذا: حزن/الأسئلة، أو أكتبها هكذا: حزن… الأسئلة أو هكذا: حزن-الأسئلة،، وهذا الفصل بين الكلمتين يستدعي مني الوقوف دلاليا بين هاتين الكلمتين: الحزن والأسئلة أو السؤال في حال الإفراد الصرفي للكلمة،، ونقرأ كلمة الحزن على إفرادها وإضافتها، ونقرأ الأسئلة على التعريف والجمع،، والحزن عملية شعورية غير صادرة عن الفكر فالعواطف الحزينة تفرغ نفسها من خلال دوافع خارجية يكون الموت أكبر دافع لها،، هذا إذا كان الموت يأتي بصورة عادية رتيبة وبلا فوضى؛ فكلما كان الموت أكثر اعتيادية كان الحزن أكثر شعورية وأعمق بالوجدان وألصق بالذات!
أما الموت المعربد كل صبح وعشي، الممتد زمانا ومكانا فإنه يعقلن الحزن ويرسله إلى الأسئلة، ولهذا نرى الشاعر “أحمد موفقي” أكثر صدقية وتعاملا مع الحزن فأحاله من دائرة الشعور إلى دائرة العقل!
والجمع في كلمة الأسئلة التي هي السؤال في حال الإفراد الصرفي يعني دلالة واضحة الإلحاح المستتر في عقلنة الحزن من جهة وتوسيع دائرة الفكر فيه،، وذلك الموت المعربد على الروح فيسلبها أو الموت المعربد على القلب فيميت فيه أشياءه المستباحة والمقهورة! حزن الأسئلة يدفع إلى المشاركة لصنع النقيض (الفرح) في شكل صوفاني (صوفي) لذيذ،، فلذة الفيض والكشف مسبوقة بألم الإرادة، والتجرد، والمجاهدة، والاختلاء.. فالحزن الممزوج بالفكر لا يترك مجالا للغربان أو الهامات تنعق ليل الشاعر العميق في حزنه المُلِح في أسئلة؛ ولهذا يفاجئنا فهرسيا بأولى القصائد تحت اسم “عصافير الفرح” فالعصافير لا تحزن إلا في الخريف حزنها العابر ثم هي إلى الفرح تكون عصافير ربيعية تجعلنا ننتشي قائلين:
:1) لما مشينا على الطريق تهامست
2) ومشى العصفور والحقول جميعها
3) كل يمضي يا حبيبتي هائما
فهكذا الحزن يبدأ كرنفالا من الفرح والنشوة حتى ينهزم الموت؛ إنه حزن الشاعر المتسائل في محراب التصوف الذي لا يولي اهتماما مطلقا بهذا الحزن أو هذا الموت؛ فعند غيره يكون الحزن تراجيديـا بكائية مفرطة في الرثاء؛ لكن عند الشاعر تنقلب التراجيديا إلى ملهاة يتلوها متصوف مجهول يفيض علينا بمكاشفاته؛ فربما يكون هذا المتصوف الشاعر نفسه أو التاريخ الذي تشوفه الشاعر من خلال فيض المكاشفات:
لما مشينا على الطريق تهامست ومشى العصفور والحقول جميعها كل يمضي يا حبيبتي هائما .
كل الحدائق: هاهي نسرين والماء والأحواض والحسّون.. فكأنك في الكون أنت الكون!
ين مددت يدا للدفء أبسطها ردت إلي تضم الشوك والشذبا
أنا فتحت مجال القوس فاتسعت رؤى النشيد تغطي السهل والهضبا
يا محور النار كم هبت محاجرنا واستيقظت فراشاتي تحضن اللهبا
من قبضة الريح ردي الناي وانتفضي ردي الحياة إليّ كي أعي الحجبا
فالفرح دائما يملأ هذا الحزن الآتي المتربص بالفرح الأبدي..! ويبهرنا بلا حزنه أو اهتمامه بالموت المعربد وبكل تحد وتمنع من الحزن:
أنــت الحياة ترن حين تأخذنــــي
دنيـــــا الحياة لألهو في أقاصيهــا
هذا المقطع أو هذا البيت من القصيدة رقم(3) من الفهرس “أنت الحياة” ليتم اللقاء بين العصافير المضافة إلى الفرح مرورا بكوميديا المتصوف المجهول حيث تكون النتيجة في أنها الحياة ترن حين تأخذه وليس الموت ما كان يشغله أو يأخذ فكره أو شعوره؛ ربما أحدث فيه حزنا حرره شاعرنا بأسئلة المتصوف السعيد الملتهي بالكشف والرؤيا!
ب) حقيقــة الأيقونــة / الملهـــــــاة:
لكن ماذا بعد الفرح؟:
(في هامش الهوامش البعيدة حقيقة الأيقونة الملهاة)
ثم تعلن الاغترابات عن عزلة البهاء والكينونة الملغاة، ويستحيل الفرح المقدم في أول الديوان ليبتعد عن الحزن العميق ويسقط في البوح واليوحيات أمام الذات والمرأة والوطن:
(ماذا تركنا من مجالسنا
غير الكآبة والأحزان مأوانا)
(من يمسح الظلمة عن وطني
من يقتل غول الغابات ووحش الردّة)
(أحبك مهما يُغِيرُ بي بابك المنتهي
نحو أشواكه من غروب،،)
فالشاعر في قصائده: “اغترابات”، و”صباح آخر”، و”إحالات غجرية”، إلى “أجراس” ينقلب من الكشف إلى البوح أمام ثالوته الماثل: الذات / المرأة / الوطن؛ ليُعرّي الأسئلة ويترك الحزن حقيقيا يكشف تلك الملهاة التي تلاها في رحابة تصوفه؛ فهو الحزين أمام ذاته، أمام المرأة، أمام وطنه!
فالشاعر أدخلنا محرابه وأبهرنا بالفرح وكنا متوقعين أن نعيش حزن العالم والوطن والذات، لكنه يطلق علينا عصافير الفرح عند الولوج ثم يتلو علينا ملهاته الصوفية لنلبس معه الجبة ثم (ما بين شدو وبين الدرب مرتقبا) إلى أن يقول: نلملــــم الشمل تحت الدفء يجمعنــــا
وجـه الصباح ودنيا سوف نمشيهـــا!،،
الشاعر يضعنا وسط كرنفال من الفرح ثم يمشي بنا كل صباح في اغترابات تفضح لحظات فرحه بشيء من الحزن والأسى،، فقد أسقطنا الشاعر معه في السهو إلى “صباح آخر” ليس فيه عصافير الفرح، ويمضي بنا مع “إحالات غجرية” تسقطنا في التكهن رغم صفائية ذلك المتصوف السعيد ورؤياه؛ فأين يمضي بنا الشاعر؟،، إنه يجيب:
(لست أمضي..؟
ولكني سوف أمشي إلى شجرة
في المسار
على هامش الظل)
حيث يقودنا إلى “بحر بلا شاطئ” مستحيل العبور لكنه يتحدى:
أنا لا أريد النجاة ولا أرى في النجاة عصا الساحــــــر
ولكنني قد بسطت يدي على خوض بحري إلى الآخر!
لكن إلى أين؟ أليس إلى المنفى يسافر بنا يستنفر ذكريات طفولية وأشواقا قلبية وأحلامًا للرؤيا:
يــا شرفة البدء هذا الطفل عــذبـــه
أن يطفئ العمر محموما بنجــــــواك
والدرب يمضي على الأيام محتسبـا
يرجـــو التقــــرب لمسعــــــــــاك
هذا الرجاء في القصيدة الموالية يتحول إلى “رثاء”:
(كل الورود أعدمت
والذكريات والجنون
أنا وأنت والذين غادروا
في الصمت والشجن)!
ثم تتحرك فيه الأسئلة مرة أخرى حتى لا يكون أسيرا للحزن:
(فهل ترى سنستريح من عنائنا
وتستريح من عذابنا
فراشة الوطن)
إذ به يمنطق مأساة الوطن في داخلنا المليء عذابا، والوطن يتقمص فراشة يستهويها العذاب ليزيد في تعميق العناء للذات فمتى إذن تدق الأجراس؟!
فبعد هذا السؤال يقرع الشاعر أجراسه الصوفية ويفتح أبوابه الروحية ليرقى بنا إلى الفرح ومقام الوردة رغم الكثيب الحارق والغائص بأقدامنا إلى أشياء نجهلها:
(أزرع فوق الرمل كتاب الشمس
أرسم للشرفات أقمارا زرقاء
لمقام الوردة أشعلت
أبوابا من روحي!)
وبعدها فجاة يبحر بنا في زورق من الأحلام في شيء من الحزن وللأمل والتحدي المطمئن والداعي إلى الفرح:
|
أ ين مددت يدا للدفء أبسطها ردت إلي تضم الشوك والشذبا أنا فتحت مجال القوس فاتسعت رؤى النشيد تغطي السهل والهضبا يا محور النار كم هبت محاجرنا واستيقظت فراشاتي تحضن اللهبا من قبضة الريح ردي الناي وانتفضي ردي الحياة إليّ كي أعي الحجبا
|
لكن يعود فيرتاب في أحلامه في نص “طفولتنا”:
(أحقيقية أحلامنا
إننا لم نكن
غير أرجوجة في مهب الزمن
هي صائفة من شطوط المباهج راحت
ونافذة من قرنفل أحلامنا
لا تجيء)!
فكلمة (لا تجيء) إلى أسفل اليأس أسقطتنا ولا شيء يرفعنا ويسمو بنا إلى آفاق آملة متفائلة سوى الكلمات العاصفة بذلك اليأس.. اقرأوا كلمات الشاعر:
|
رغم العواصف والهزات والعلل شوقي إليك يضم منتهى أجلى هذا جناحي مهيض بريش مهترئ نحوي العداء وخلفي سطوة الجبل أمضوا على الورق موتي وما علموا أني أهرب رؤياي مع الحجل في كل ليلي يستل الحمام رؤى ويمهر الورد أشواقي مع الأمل . |
ففي مملكة الشاعر القائمة على كلماته يبحث عن أغنية من أغنيات العصافير؛ يزيح بها مساءات الحزن:
(لا غناء أرد به غيوم العشيات
لا رنة في القوارير
توقظ من رغبتي )
فأي رغبة ينحو إليها الشاعر؟ إنه في صيغ أخرى يتجاوز مفردات المدى والصدى والندى بأوزانها وإيقاعاتها لأن فيها دلائل الاكتمال والانتهاء وإعدام الرغبة الشاعرية التي تقول:
(المدينة مفتاحنا الأبدي
وأبوابها الآن نحن
إذا هبت الريح
يفتح من رعبها ألف باب
فما السبب؟)
وفي قصيدة “أمنية” يكون ثالوث الشاعر: المرأة والذات والوطن في شيء من الحلول والاتحاد، وفرض كل الاحتمالات ليركن الكون إلى الهدوء وتكف الأجراس عن الرنين والمدائن عن بث أضوائها لتتسلل الحبيبة إلى الشبابيك تحمل معها الأمنية وتسعده باللقاء الذي يضيق له العالم والسماء، والسحب المحملة بالاغاني لم تنقشع ولن تنقشع لأن الشاعر يعلن ها هنا عن الانتهاء الذي يريد ويشتهي على طريقة سرب البجع:
(كل هذي الاغاني لها
ولي الآن أن أنتهي
مثلما ينتهي سرب البجع!)
هذا الانتهاء يبرره الشاعر:
(الدروب ضباب
ولا نشوة في الصباح تدلل عني
ولا وردة في الصباح تبرر حزني
سلام عليّ
سلام على الحزن صورته
دائما في اكتمال الورع.)
ج) الجنــــوح الآن:
تحية لك أيها الشاعر الجانح للصمت، سلام عليك وعلى حزنك مكتملا في صورة الورع، ها إنك جنحت بنا للصمت الذي تريد، للصمت الذي وضع كفه على فم الحزن وقال له:
(سلام علي
سلام على الحزن صورته
دائما
في اكتمال الورع!..)
فماذا بعد هذا التوديع الرائع للحزن؟
اقرأوا معي هذي المقطعة الشعرية الرائعة:
|
لما مشينا على الطريق تهامست ومشى العصفور والحقول جميعها كل يمضي يا حبيبتي هائما . |
|
كل الحدائق: هاهي نسرين والماء والأحواض والحسّون.. فكأنك في الكون أنت الكون! . |
الآن في هذا المقطع يبلغ الشاعر ذروة الهرم الضمني للشعر، وهذه خصيصة لا نجدها إلا في بعض قصائد الشعراء العالميين أمثال: “إليوت” و”رامبو” و”لوركا” والشاعر الهندي الكبير “طاغور” الذي قرأت له نصا يصف فيه حبيبته وصفا مندمجا بأشياء الكون من طير وزهر وماء كلها تشارك وتفضح الشاعر الذي لا يمكن له مداراة هذا الحب الكوني العظيم المجسّد عند الشاعر في “نسرين” التي تضعنا الآن على (مقام الوردة) وتفتح لشاعرنا نوافذه المبتغاة:
ماجت نوافذ في أقواسها أثـــــــري
حتى تغنى على أنقاضها الأمـــــد
ومع شيء من الارتباك الحزين الذي ودعهُ الشاعر يختم نوافذه قائلا:
هذي المفاتيح في قلبي أوزعهــــــا
وأترك الغيم على صفصافها يلـــــد
إنها قمة التفاؤلية على ما قال آنفا:
(ونافذة من قرنفل أحلامنا لا تجيء،،)
إنها الآن بمفاتيح كل المدائن جاءت إلى قلب الشاعر ليوزع تلكم المفاتيح ويترك أغنيات السحب التي أعلن بعدها لأنه يدرك بحس قلبه وعمق إنسانيته أنها ستلد أشياءها الجميلة لأنها شامخة متجذرة كالصفصافة لا تهزها الرياح ولا العواصف،، صلابة وشموخ واخضرار في عز حزن الشتاء!،، إنها في أسوار منيعة..
ولقد جاءت كل القصائد المفردة بعناوين نكرة إلا قصيدة “الأسوار” فقد ألبسها الشاعر ملكوت (ال) التعريف لتكون للعارفين منيعة لا يدخلها إلا الذين حزنوا ويحزنون وفرحوا ويفرحون، ويجمعهم الشاعر في الأسوار المنيعة التي لا تقلقهم بكلمات الحزن:
(أيها المائي هذه غفوتي للنار،،
أحقاب توالت، هبة من خفقة الروح
وموت يتباهى خلف أشباه الجنازة
ثم أمداء ستبقى مهما أمضت
من منافيك الحرائق)
إلى أن يقول:
(ولنا أن نلتقي في تماس المرفأ المهجور
في حلم الرؤى
عرشت في الدير أحلامي
وخانتني اللغة)
فهذا الراهب الذي أدخلنا ديره في أسوار شاعرنا بعد الإعلان عن وداع الحزن يبرر هذا الارتباك بأنه اللغة وليس سقوطا أو تناقضا من الشاعر الذي يمتلئ ديره بالأحلام التي استوطنت المكان فمنعتها اللغة من تأشيرة السفر خارج تلك الأسوار؛ بيد أن الشاعر يتحدى خيانة اللغة بتهريب أحلامه خارج الأسوار:
(كيديك فسحة السير، تريني جنة النعمى
وملهاي يميد بالتشهي
إلى أن يقول:
(وحنيني شاطئ الأحلام
أحياه وأروي قلقي)
لكنه يعترف أن الأسوار غير اللغة كثيرة، وأن الإغراء الذي أجاب الترحال وفسحة السير من النجوم البعيدة المنال والمدائن بفوضاها، فإن الشاعر يعترف بأن الورق أغواه بالرحلة إلى تخوم وأغوار لا يعرف مداها،، إنها بحاجة إلى إضاءات ضمير (أنتِ) المؤنث في صورة امرأة تضيء الفانوس بأمر من هذا الصوفي الشاعر؛ لتخرج الفراشات من باب أضاءته أصابعها وليس الفانوس إلا قلبها المنطفئ بالعذابات والركون إلى الظعن والإقامة الجبرية التي أزاحها النور إلى الوجه الشعري المسافر لإحراق كل المدائن/كل الضمائر التي تصبو إلى إطفاء هذا الفانوس الذي أضاء مساحة للانطلاق ثم يعود غير قانع بالكلام ليتركه في زاوية من القلب؛إنه يطلب من هذا الضمير التجلي بتوسيع دائرة الضوء من خلال توسيع رؤى الشاعر نفسه ليتم بينهما الاتحاد بعد التجلي فبعد هذا التجلي يذوب كل شيء في داخل الشاعر إلا الصمت الذي جنح له هذا الشاعر،، لأن الشاعر يدرك من عمق ثقافته التراثية المطالعة في فتوحات “ابن عربي”، وطواسين “الحلاج”، وأشواق “السهروردي”، وعشقيات “ابن الفارض”، الذين أدركوا جميعا ألا هدوء ولا فرح ولا أمن إلا في غيبوبة الروح؛ إنهم جميعا يطمعون كما طمع موسى عليه السلام: ]وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ[(الأعراف/143).. فقد غاب موسى عن وعيه أمام الجمال الإلهي والنور الرباني دون أن يراه فالجبل العظيم انذوى كالشمعة أمام الوهج النوراني فمثل هذا الوهج لا وجود له في شعر الحداثيين المدعين تفجير اللغة؛ مثل هذا الوهج يصنع اللاخوف واللاأحزان والجمال المنتظر والماورائي وليس الجمال المحصور في دائرة وجه الأنثى الذي لا يحتمل احتراقات عود ثقاب ولا يزيل خوفا ولا حزنا ولا يجيب عن سؤال من أسئلة هذا الشاعر الذي استمد توهجاته من الطواسين والأشواق والفتوحات ليختم لنا حزنه بهذه الأسطر الشعرية المتصوفة:
(افتحي صفحة الفانوس
ترتاد إليك هالة النور
وباب للفراشات ووجهي والسفر
هيئيني لمكاني
ها أنا أحرق كل المدن الأخرى
وأبقيك
أيها القلب الكلام
يا سليل الضوء
أعطيني اتساعي
كي أراك)!
فهكذا يتوجه الشاعر إلى سليل الضوء ليركن في اتساعه المحتمل والممكن حتى يمكن له الجنوح للصمت بعيدا عن الغيبوبة التي تعلن فعلا الانتهاء الذي لا يريده الشاعر أمام جميع الشعراء،، إنه يطلب الرؤية صمتا عن الحزن وليس الشعر.. فما رأيكم يا شعراء الوطن العربي؟!
* * *
وتدليلا على كلّ ما سبق ننتبه الآن إلى المقطع رقم(14) من قصيدة “ملهاة لمتصوف ما”، الموسومة على الغلاف الأخير والصفحة الأخيرة من ديوان (حزن الأسئلة) وليس من ديوان الشاعر،، إذ حلم الشاعر ورغبته الحقيقية التي يمكننا أن نجعل منها مَعْلمًا ونقطة تحديد لمستقبل الشاعر؛ ففي خطابية انعكاسية تتجاوز المونولوج يحلم ذلك المتصوف الذي في نظري لا يعدو أن يكون غير الشاعر نفسه، بأنه يرغب رغبات ملحة متكررة أن تكون الدنيا كلها مملكته الشعرية ببهاء الشعر، ومغسولا بطهر الطفولة التي تمثل للشاعر بئرا عميقة من الماء الذي يجلّي تلك الرغبة الشاعرية، ويكرر رغبته لتبقى الرغبة أشبه بالطعنة في الجسد الميت/القتيل الذي يفتقد إلى تجاوبه مع تلك الطعنة؛ أي: تعبير عن حالة الاستحالة في الوقت الراهن حتى يتماهى قليلا لنداء الرؤيا متوغلا في صوفية عبر فراديس الوجود وحتى يعطي لمملكته الشعرية علِّيةَ أن يكون كالوردة في إشراق لونها وحالميته ونفاذ عطرها وتعشقها من قبل الناظرين لها:
(ترغب أن تملك كل الدنيا مأخوذا ببهاء الشعر
ومغسولا بالطهر الطفلي
ترغب
ترغب
وتبقى الرغبة كالطعنة في الجسد المقتول
لك أن تتماهى قليلا لنداء الرؤيا
تتوغل صوفيا عبر فراديس الكينونه
تلبس ثوب الوردة!)
ولعلنا نتوسم أن تتجسد الرغبة بعد جنوح الشاعر للصمت ليصنع مملكته الشعرية في غضون المجموعة القادمة،، ولم لا؟
II) عموديات “أحمد موفقي”:
من خلال القراءة السابقة للمجموعة(*)، والمتسمة بالاقتضاب والسرعة،، حيث سبب ذلك أن مهمة النقد تكمن في البحث عن الحكم لا المكوث طويلا في شرح النص، لأن الوقفات الشارحة الطويلة تجعل القارئ تلميذا أمام الناقد، وليس على الناقد أن يقوم بدور الاستعلائية والأستاذية على القارئ أو المبدع، إن دوره الحقيقي في إصدار الحكم، وحتى يتجاوز الحكم صفة الرأي على الناقد تعليل حكمه على النص، هذا التعليل يضطره إلى بعض تلك الوقفات من خلال قراءة سريعة وشمولية للبحث عن العمود الفقري بين النصوص الشعرية والقصصية أو الفصول الروائية والمسرحية،، وقصائد الشاعر في (حزن الأسئلة) انطلقت من قاعدة الفرح مرورا بالسفح الحزين حتى الوصول إلى الذروة الغنائية ثم هبوطا على سفح الخوف والارتباك وصولا إلى الناحية الأخرى من القاعدة الهرمية؛ إلى حيث أعلن صمته وهدوءه والركون إلى لحظات التجلي الشعري فيستفيق على قصائد أخرى تنحو منحى آخر.
أ) مقدمة في المثلث الشعري:
إن القارئ لمعلقات الشعر العربي في الجاهلية يشعر بأنه قرأ نصوصا طِوالاً لشعراء من مختلف الأعمار، وبشكل هندسي آمدي –خليلي اصطلح عليه النقاد اسم (القصيدة العموديّة)، والتي شكلّت مخيالا شعريا لدى الشعراء والنقاد الأوائل ولا تزال ظلاله ممتدة إلى الآن في زمن الأنترنيت!
تلك النصوص التي وصفوها بالمطوّلات إذ شارك فيها الشاعر اليانع الشاب “طرفة بن العبد” إلى الشيخ المحنك الذي سئم تكاليف الحياة “زهير بن أبي سلمى”،، فكانت معلقة الأول أكثر تأملية وأدعى إلى السؤالية من معلقة الأخير التي أمدت للقارئ بعقل الشاعر في غير سؤال في جملة من التجارب والحِكم!
إذن فما دخل الطول أو القصر ما دام كل شاعر منهما قدم معلقته الخالدة؟
وما دخل العمر شبابا أو شيخوخة ما دام كلّ منهما نظر إلى الحياة بمرآته الشعريّة؟
وما دخل العمود والقصيدة في تعضية التجربة وتشكيلها وكلاهما نسج قصيدة باللغة أو الصورة أو الإيقاع المتاح لهما؟
هل صحيح أنّ عمر الشعر محصور في سنوات الشباب؟ والأعجب من هذا السؤال أن بعض الرؤى الغربية للعمر الشعري لا تتجاوز السنوات العشرين!
ثم لماذا كان شعراء العربية سابقا يتفاخرون في طول القصيدة وغزارة القصائد؟!
والأدهى من هذا أن القراء العامة يحترمون شعراء القصائد بغض النظر عن إبداعيتها ويزدرون صاحب الأبيات والمقطعات وأشباه القصائد والقصائد القصيرة!
بالإضافة إلى سيطرة الشكل العمودي على ذاكرتهم وذائقتهم فأحدهم يفضل ألفية ابن مالك على الشعر الجديد ليس إلا أنها اتخدت شكلا أفعوانيا مصطفا كناطحات السحاب!
أما عن العمر فقد أبدع “المتنبي” روائعه الشعرية في ذروة الكهولة واستمر “نزار قباني” يكتب إلى السبعين، حيث القلب المتيقظ لا يعرف الغفلة عن الشعر أو الذكر والغافل أو الخامل فإن شعره ينطفئ في عز الشباب وأضرب مثالا على هذا شعراء المرحلة السبعينية في الجزائر وهم أحياء؛ ذلك لأن فيهم المنتحر بالإيديولوجيا والمدّعي للنبوغ والعبقرية، والمتاجر المرتزق الذي نال حظه من المناصب في مجالات الإدارة أو السياسة!
أما عن الشكل فغير متعلق بعملية الفن والإبداعية، فكثير من العموديات المحكمة قد باءت بفشل ذريع وكثير من المفعلات الحرّة نالت حظوظها من التلقي والقراءات النقدية!.. فيمكن للقارئ المثقف أن يقارب بين “الجواهري” و”نزار قباني” حتى يعرف حقيقة أن الشكل غير متعلق بالعمل الفني وأن الإشكالية كامنة في المبدع لا في القالب المتصارع عليه،، اُكتب شعرا جماليا وإنسانيا ولا يهمك يعدها القوالب عمودية كانت أم تفعيلية أم نثرية!
أما عن الحجم فلم يكن مقياسا قط للإبداعية وإن كان “أبو تمام” جمع بين الإطالة والإبداع فهذا لا يعني قاعدة على الشعر والشعراء أو منقصة لشاعر قصير النفس، وربما نالت لافتات “أحمد مطر” ذات النفس القصير الحظوة في التلقي أكثر من إسلاميات “مصطفى الغماري” ذات النفس الطويل!
إن العمر أو الشكل أو الحجم لا يمكن لواحدة من هذه الأشياء أن تصنع شاعرا متميزا فقد تصنع هرما شعريا نعرف من خلاله مسيرة الشعر والشاعر أو نطبقه على شاعر وشعره لنعرف من خلاله آليات التحكم والاستمرار لديه، هذا إذا كان شاعرا يقال عنه أنه شاعر!
ب) هاجس الشاعر:
تحدثت آنفا عن الوجه الضمني للهرم الشعري؛ لكن ماذا عن الشكل لهذا الهرم لدى شاعرنا؟ في الفقرة السابقة حدّدت العناصر الثلاثة للشكل الهرمي للشعر ممثلة في:
1) العمر، 2) الشكل، 3) الحجم. أو باصطلاحات أدق: 1) الزمن الشعري، 2) القالب الشعري، 3) النفَس الشعري.
فإذا تصفحنا مجموعة / ديوان (حزن الأسئلة) ننتهي إلى فهرس شعري مشكل من (21) نصا شعريا، يمثل فيه الشكل العمودي نسبة 3/1 أو تزيد من مجموع النصوص و3/2 تكون للشكل التفعيلي؛ ففي سائر النصوص العمودية لا نجد إلا قصيدة واحدة بالمفهوم الكلاسيكي للقصيدة؛ فالشعراء والنقاد الأوائل ينظرون إلى التدريج الشعري انطلاقا من البيت الشعري المشكل من الشطرين وقد يحمل صفة التبعية للأبيات المؤلفة ضمن المقطعة أو القصيدة، أو يقسم بالعفوية والتمرد مثل بيت القصيدة والبيت السائر الذي قل أو عجز عن إمدادنا به شعراء اليوم،، ثم الدوبيت (البيتين الشعريين) ويأتي على شكل رباعية ذات أربعة أشطار وتتسم باللاتبعية فهي متفردة وحدها إلا ضمن سلسلة الرباعيات كرباعيات “عمر الخيام”؛ وثالثا تأتي المقطعة الشعرية انطلاقا من البيت الثالث ولا يتجاوز البيت السادس وكثيرا ما اصطُلح عليها في عصرنا بمصطلح “توقيعة” وربما تنضغط ضغطا شعريا فتكون ومضة شعرية أو لقطة شعرية على حد تعبير الحداثيين، لكنها تبقى مقطعة شعرية في شكلها الكلاسيكي ولو أطلقوا عليها قصيدة قصيرة جدا على وزن قصة قصيرة جدا، مع أن اللقطات الشعرية يستهويها القالب التفعيلي على غرار التوقيعات الشعرية فغالبا ما تأتي على النمط الخليلي!
أما القصيدة فقد حددها الأوائل بسبعة أبيات فما فوق وبعضهم يعترض ويجعلها من عشرة فما فوق وتوفيقا بين هذين التحديدين يمكن أن نجعل من 7 إلى 9 أبيات “شبه قصيدة” أي: ما تجاوزت المقطع أو المقطعة ولم تبلغ عدد القصيدة؛ وعلى النحو نتناول عموديات “أحمد موفقي” من خلال التدريج السابق.
إنه لا وجود لفكرة البيت الشعري المتفرد في مجموعة (حزن الأسئلة)، سواء كان هذا التفرد داخل القصيدة أو خارجها/ أعني أبياتا شعرية مشذرة، كما أنه لا وجود لنظام الدوبيت أو الرباعيات أو ما أصطلح عليه “البيت المثنى” بدلا من اللفظة الفارسية “الدوبيت”،، إذ أن الشاعر ينطلق بعمودياته الثماني بدءا من البيت الثالث وكأن في فكره أن الأبيات الثلاثة يمكن الضغط عليها واستفزازها شعريا لتتجاوز مفهوم المقطعة الشعرية ولعله أصاب في هذا المنحى حيث أنشأ لنا قصيدته مضغوطة بشساعة هذا الكون ممثلة في قصيدة أو مقطعة “غناء”:
|
1) لما مشينا على الطريق تهامست 2) ومشى العصفور والحقول جميعها 3) كل يمضي يا حبيبتي هائما . |
|
كل الحدائق: هاهي نسرين والماء والأحواض والحسّون.. فكأنك في الكون أنت الكون! . |
فترجموا هذه المقطعة إلى لغات العالم جميعا لتصير قصيدة في أي لغة من تلك اللغات!
ثم يقفز الشاعر إلى الدرج رقم(4) في تشكيل القصيدة العربية العمودية ولا يتجاوز معه فكرة البيت المربع أو المقطعة الشعرية؛ فلقد تعثر عند الارتقاء إلى البيت الرابع طمعا في قصيدة مضغوطة أخرى، إذن فإنه سيحاول حتما الصعود إلى البيت الخامس في “صباح آخر” ولا يشرق علينا هذا الصباح الآخر إلا ببيت مُخمس الأطراف له نظائر في التشكيلات العمودية لكثير من الشعراء القدامى والمحدثين، لكنه في “بحر بلا شاطئ” يموج بنا موجة شعرية فيها لون من التميز رغم الاشتغال على الوزن والإيقاع ولعلها المقطعة الوحيدة في الديوان التي تصلح للغناء والأداء لارتكازها على الإيقاع الشعري والبساطة اللغوية والنفس العاطفي! وإن لم تخلُ من التلبك والارتباك في المطلع.
وعلى هذا التدريج من البيت الثالث إلى الخامس يريد الشاعر القفز إلى البيت السابع حتى لا يسقط في السادس سقوطه في الخامس والرابع حيث البيت السابع يصل به إلى “أنت الحياة” ليكون قد قفز عن المقطعات والتوقيعات الشعرية العمودية والدخول إلى محراب آخر يقربه من محراب القصيدة شكلا على الأقل، وفعلا تجاوز بقفزته التوقيع الشعري إلى شبه القصيدة في تشكيلها العددي؛ ففي هذه الأبيات السبعة يكون الشاعر قد تخطى الحاجز الأول لدخول المضمار القصيدي لينتقل إلى الرواق الثامن فيكتب “منفى” و”نوافذ” مؤلفتين من ثمانية أبيات لشبه القصيدة الواحدة؛ عندي أن “نوافذ” بعد “غناء” أجمل العموديات السابقة وأقربها إلى انفعال الشاعر وثورته الشعرية أمام ثالوثه المتكرّر: المرأة / الذات / الوطن،، مشحونة ومليئة حسَّا وشاعرية تجعلها أكثر صلاحا للحن وخضوعا للغنائية من “بحر بلا شاطئ” وإن كان طابع الإنشاد يغلب على كثير من عموديات هذا الشاعر،، فإنك وأنت تقرؤها تشعر برغبة الشاعر في تشكيل عموديات من حيث الوزن والعدد وكأن هذا التشكيل هاجس يثير فيه الحزن والارتباك!
قلت في البدء: إن عموديات الشاعر لا تحوي إلا قصيدة عمودية بالمفهوم الكلاسيكي والطرح الآمدي لتشكيل القصيدة العمودية تنافست دلاليا مع عنوان “في زورق الحلم” ليتوحد الهاجسان: الهاجس الشاعري من خلال المنظور الذي قدمنا من طرحنا السابق(*) عن سر الجنوح للصمت،، والهاجس الشعري مختزلا في تشكيل عموديات على النسق الآمدي المتوارث ولعل حلمه في هذه القصيدة تحقق بتشكيل قصيدة عمودية تتجاوز التشكيلات العمودية من البيت المفرد إلى البيت المثنى والتوقيع الشعري وشبه القصيدة ليدخل بأبياته الثلاثة عشر محراب “الآمدي” كما دخل أول مرة محراب “الخليل” في مثلثته “غناء”،، ومع هذا الاختراق للحاجز الآمدي فهناك حاجز ثالث يحلم الشاعر بتخطيه، وحكمنا هذا مبني على تطبيق مفهوم التدريج الشعري من البيت المفرد إلى القصيدة الآمدية،، تخطيا يخترق الحاجز التمامي (نسبة إلى أبي تمام)،، أي: الحلم بقصيدة تمامية لا تقطع أنفاس الشاعر بل بالعكس تجعل الشاعر نفسه يقطع أشواطا في القصيدة الطويلة، أما ما كتبه باختراقه الحاجز الآمدي فإنما كان قصيدة قصيرة، وهذا النوع من القصائد يحيلنا إلى فكرة النفس الشعري، حيث القصيدة القصيرة قد لا تتجاوز عند الكثير عشرين بيتا، هذا المفهوم متعارف عليه حتى في أوساط الشعر الشعبي فلا يعترفون للشاعر الشعبي بأنه كتب قصيدة إذا كانت دون العشرين بيتا لكنها في الشعر الرسمي قصيدة قصيرة تكون من عشرة إلى عشرين بيتا ،، ولعلّ النفس الشعري يمكن تقسيمه هو الآخر إلى ثلاثة أمداء:
1) المدى القصير: يتراوح من 10 إلى 20 بيتا،
2) المدى الوسيط: يتراوح من 20 إلى 40 بيتا.
3) المدى الطويل: يتراوح من 40 إلى 80 بيتا.
حيث الحدّ الذي تستوي عنده كثير من المعلقات الشعرية الموسومة بالمطولات، وهو الحد أيضا الذي اتبع به كثير من الشعراء وإن كان بعضهم تجاوز هذا الحد إلى مئة بيت أو أكثر من ذلك؛ فإن الخروج عن هذا الحدّ (80 بيتا) لا يكون في الشعر الغنائي (الوجداني) وربما يصلح للشعر التعليمي إذا تجاوز الحدّ ذلك ،، أما الشعر الموضوعي من مسرحي وملحمي فقد يبلغ المئات ويخرج عندها عن اصطلاح القصيدة إلى المسرحية والملحمة!
ج) التجربة والعمر الشعري:
لأفرض سلفا أني لا أعرف عمر هذا الشاعر، فإنه يمكن لي تأطير مجموعته أو ديوانه (حزن الأسئلة) داخل المرحلة أي ما بعد (1988م) وربما ما بعد (1992م) لارتباط كثير من القصائد بالمرحلة، ولعل بعض القصائد تكون ما قبل المرحلة لارتباطها بالذات الممتدة مع عمر الشاعر،، وتاريخ الطبع الأول يمثل للشاعر مفترق الطرق بين ماضيه الشعري ومستقبله،، إن الشاعر الحقيقي لن يخضع لفكرة عمرية الشاعر وزمنية الشعر الداعية إلى أن الشعر ابن الشباب، وإذا كان سن الأربعين هو ذروة العمر بدءا من الميلاد فإن ذروة العمر الشعري على أقل تقدير يكون مماثلا من ميلاد أول لحظة شعرية إلى بلوغ الشعر الزمن الشبابي؛ أي: على الأقل مضي عشرين سنة على أول لحظة شعرية تمخض بها قلم الشاعر.. ولنعد إلى ديوان الشاعر ونفتحه على قصيدة “إحالات غجرية” ونقرأ المقطع السادس:
(منذ عشرين عاما
توكأت قلبي
فلم أحصد الآن
إلا الحنين
وفي غمرة العنفوان
تأرجح عنقود قلبي)
فمن خلال قراءة غجرية للقصيدة يمكننا الكشف عن عمر التجربة التي بلغت على الأقل في عام (1997م) عشرين عاما، ولم أذكر سنة (1997م) جزافا لأنه التاريخ الذي جنح فيه الشاعر للصمت فإذا انتقصنا العشرين عاما من ذلك التاريخ فإن بدء التجربة احتماليا، وولادة اللحظة الشعرية عنده تكون خلال (1977م) (قد تنقص أو تزيد سنة)، حيث كنت آنذاك أتعلم ألفبائية اللغة العربية ولم أفكر أو يخطر على بالي أني بعد ربع قرن تقريبا سأكتب عن هذا الذي جنح للصمت!
إننا سنعرف الإشكال بسهولة خاصة أن ظهور المجموعة كان في صيف عام (2000م)، وحتى ينبسط الإشكال سأطرح سؤالي:
أولا: – أين تجربة ما بعد الجنوح للصمت والمقدرة إلى الآن بأربع سنوات (ماي 2001م تاريخ كتابة هذه السطور ) باعتبارها مدة كافية لإبراز تجربة جديدة؟
ثانيا: – أيمكن أن تتمخض تجربة العشرين عاما في عمل شعري واحد؟
والجواب عن السؤال الأول نتركه للمستقبل وللشاعر، أما عن السؤال الثاني فإن قصائد الديوان معظمها يوحي بأنه مكتوب ما بين 88 أو 92 و97؛ ومنه فإن الديوان يمثل نصف التجربة ولعلّ الشاعر أسقط نصفها الآخر لعدم توفر العموديات فيها من جهة، ومن جهة أخرى لكونها لا تستنطق المرحلة!
والشيء المغري بعد الجنوح للصمت أن نتوقع ديوانا آخر أكثر صوفية وتعميدا، ولعلنا سنلمس نَفَسًا تماميا قد يتجاوز الأربعين بيتا من طراز صوفي متفرد ،، ولم لا؟
وفي الأخير لا يمكنني إلا القول الشعري الذي قاله الشاعر:
(سلام عليّ
سلام على الحزن صورته
دائما
في اكتمال الورع!)
واكتمال مجموعة جديدة وجيدة إن شاء الله.
* قاص وناقد من الجزائر





أشكرك أخي الناقد عماري ابو الخير على هذه المداخلة الرائعة .أشكر كذلك موقع مسارب على جهوده في مجال الثقافة..شكرا