المقال الإسبوعي / عبد القادر صيد*
بواسطة مسارب بتاريخ 6 أغسطس, 2014 في 07:57 صباح | مصنفة في متعة النص | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 2489.

يحمل معه خشبة على شكل رشاش ، يرش المارة برصاص يخرج من قلبه بأقذع الألفاظ المثبتة في قاموس القاذورات و حتى المرفوضة من القاموس  إبقاء على أدنى نسبة من الحياء و الالتزام، إلى درجة أن  الناس خجلوا أن يصوروه  بكاميراتهم، يهيم على وجهه عبر شوارع المدينة ، و يسلط تسديده أكثر على من يبدو من خلال هندامه  و هيئته أنه شخص مهم ، أحدهم يبطئ الخطى ليشنف أذنيه بهذه المأدبة السخية من الشتائم  لأنه  ربما يتمتع  و هو يرى نفسه كما ولدته أمه  أمام المرآة من غير تكلف أو تحفظ..

   عبثا يحاول  أن يجد شخصا يشمئز من هذا الشتم ليغيضه ، عبثا يبحث عن قلب بالمعايير العالمية العادية ، قلب يخترقه الرصاص ليثبت الرصاص على الأقل ليثبت بذلك ذاتيته ، من نذالتهم يصرون على حرمانه من فرصة إثبات فاعليته و تأكيد صلاحيته ، من أي بلد استوردوا هذه الواقيات التي تجمّد الرصاصة  بمجرد الاصطدام بها ؟
   يمشي المجنون  و رشاشه مفتوح  على صدور الناس و عيناه  تمشطان شوارع المدينة ، يتفحص المارّة وهم منهمكون في تفاصيلهم التافهة، ربما يكون أرقاها الحديث عن حرارة الجو ،غلاء الأسعار،المسلسلات و أنواع السيارات..
    و لما نفد ما عنده من الرصاص  دون أن يصل إليهم منه شيء ، بدأ يبصق في وجوههم  بحركة هستيرية ، نفد ما عنده من الريق أيضا، راح يتحسس الأرض .. يبحث كالأعمى عن أي  شيء يرميهم به ،  هذه المرة رأى الرعب في   وجوههم ،فقال :
ـ لا تخافوا لن أرجمكم بالحجارة لأنني أعلم أنها شقيقة قلوبكم من ثدي  القساوة،أخشى أن تنقلب إليّ ، فالشقيق لا يؤذي شقيقه إلا إذا كان صنع في يعرب.. سيدتي الحجارة تبرئي منهم رسميا بعد أن تيممت بأيدي أطفال فلسطين ، لا تشرفك سيدتي قرابة قلوب تكتري وقت الأزمات شققا في برادات التمر، دعيني أريحك من الإحراج  ،سأرجمهم بقارورات الخمر التي قاءتها طرقاتهم بعدما ضاجعت أحلا م شبانهم..
   و حين بدأت تصلهم  تلك القارورات ، و شرعت  تُدمى رؤوسا ،  وتهوي أخرى ،راحوا يمارسون وظيفتهم الأصلية و هي الفرار، يجرون  مفزوعين فدهسوا بأقدامهم القوية طفلا صغيرا، سقط على رأسه ، تألم المجنون لذلك، حاول الالتحاق بالطفل لإسعافه ، لم يجد إلا ورقة ليمسح بها الدم السائل على رأسه ..ها هو الآن يجري و الورقة في يده ، و الطفل يجري و يبكي مذعورا،  يلاحقه ليداويه لكن الطفل يجري لا يلتفت و لا يريد أن يسمع شيئا .
ـ انتظر يا بني لأمسح دمك ، لا أنوي أن أوذيك ، لست مجنونا كما تعتقد ، أنا دكتور جامعي ..
ـ النجدة ..النجدة ..أدركوني يا ناس .. المجنون يجري خلفي .. بابا ..ماما..
   يكاد أن يمسك به ، و لكن الطفل أسرع بسبب حالة الهلع التي أصابته ،  و مع ذلك تمكن أثناء ملاحقته  من أن يضع الورقة على رأسه لتتلطخ بدمائه ..
   بينما هو يجري مادا يده أمامه خلف رأس الطفل الهارب ، إذا به يسمع صوتا أنثويا يقول له:
ـ صباح الخير ،  حان وقت  الذهاب إلى  الجامعة .
   حركت زوجته كتفه بلطف ،لتخرجه من كابوسه ، ها هو الآن يستيقظ بصعوبة ، و يتفاجؤ  بنفسه و هو يحمل ورقة مملوءة  حاول دون جدوى طيلة ليلة كاملة أن يكتب فيها و لو حرفا  واحدا ، و لكن ها هي الآن مملوءة  بكلام كله شتم     و قذف ، و لكنه في الصميم ، ليس فيها حرف من التجني أو المزايدة .
   ترى هل يجرؤ أن يرسلها إلى رئيس تحرير الجريدة  الذي  يستعجله في إرسال المقال الأسبوعي ؟

 

 

 

* شاعر وكاتب من الجزائر
التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. الإنسان الذي لم يعد له وطن، يتخذ من الكتابة وطنا يقيم فيه والحجارة التي لاتقتل تنتج أفكار ترمى على مجتمع أحترف النوم

  2. نص غاية في الامتاع من ناحية الفكرة و السرد الفني ,,, دامت كلماتك متألقة

اترك تعليقا