رأيته قرب العين غير بعيد عن ممر طويل يؤدي إلى أعماق البساتين كان جالسا لوحده يبكي بكاءا مرا مفجعا أحنى رأسه عندما رآني ثم غادر منكسرا لم أشأ إحراجه أو النبش في أسباب بكاءه وتصدعه ..بقيت أياما وليال أحاول فهم ما الذي حل به كلما رأيته وقد ذوى وجهه وذبل ولم يعد ذالك الرجل القوي الذي عجزت السلطة عن ترويضه ..كان من أبرز رموز المعارضة السياسية في البلد لم تنفع معه كل الإغراءات التي كانت تقدم له عبر وسطاء ولا سنوات السجن والإعتقال الطويلة التي قضاها محبوسا دون أن يساوره الندم عن ما فعل أو يتنازل عن مبدأ له أو قضية من القضايا الكثيرة التي كان ينافح عنها ..حقا دموع الرجال غالية هذا ما سمعته من والدي رحمة الله عليه عندما رفع في وجهي عصاه يريد ضربي لما علم بحزني الشديد و بحالات الإغماء التي كانت تنتابني بعد نهاية فصول قصة حب عنيفة جمعتني بجارتنا الريم التي أجبرت على الإرتباط بطبيب مصري في عمر والدها وفد إلى قريتنا قادما إليها من الإسكندرية لعلاج المرضى ..كان أبي يقول لي يا “جايح” البكاء للنساء أنت رجل والرجال لا يبكون ومن أجل من .. ؟ من أجل “شئ لا يستحق الذكر” الأنثى كانت “شيئا لا يستحق الذكر” فهي لا تستشار عندنا ولا يؤخذ برأيها بل لا يسمح لها مطلقا بالكلام في حضرة الرجال وهي تنفذ طائعة كل ما يطلب منها فعله دون أن تتردد أو تشق عصى الطاعة أو تساير أحلامها النائمة في المهد المتروكة للإهمال والنسيان ..كنت أعرف الكثير عن شجاعته النادرة وجرأته التي لا حد لها ..كان يعبر عن ما نشعر به في الزمن الأحادي البائد ويترجمه لأفعال حية نالت تقدير وإحترام كل الرجال والفقراء ومن لف لفهم ..إحترام كبير كنت أكنه له لما توسمت فيه من معاني النخوة والشموخ مع أصدقائي سرا مما جعلني ذات مساء الثناء عليه في قصيدة أردت كتابتها وتقديمها له هدية في عيد ميلاده الأربعين لولا أنه زج به من جديد في غياهب السجون خلال أحداث الخامس أكتوبر 1988 ولم أجرؤ على نشرها خوفا من العواقب الوخيمة ولاءات الردع المسلطة على رقابنا .. مرة صادف في قريتنا إمرأة مغبونة تعرضت في مقر عملها لمضايقات شديدة وصلت حد المساومة على شرفها من طرف رئيس البلدية الذي لم يغادر كرسيه الوثير منذ الإستقلال سنوات قليلة بعد عودة والده من الخدمة العسكرية في صفوف الجيش الفرنسي فأخذها في سيارته المهترئة قال لنا آنذاك يحي البراح في ساعة سمر جمعتنا به شامتا فيه أن رئيس البلدية بال في سرواله لما رآه قبل أن يفر هاربا وقد أوصى نوابه بالإعتناء بهذه المرأة المغبونة وعدم التعرض لها بتاتا ..خطر في ذهني هذه المرة لما رأيته جالسا لوحده على كرسي وسط الحديقة المقابلة لمقهى الحران وعلامات الأسى بادية على وجهه أن ألقي عليه التحية والجلوس معه قليلا لعله يفتح قلبه لي ولما تقدمت منه إبتسم في وجهي ثم غادر المكان ..أسبوع بعدها كان في نفس المكان ..قمت بتحيته من بعيد فرد علي بمثلها …خرص أصابني حين تقدم نحوي وناولني في صمت رهيب نسخة من جريدة مستقلة أنشأت بعد إقرار التعددية الإعلامية وقد حملت في جوفها تقريرا مفصلا عن حادث مرور أليم راحت ضحيته زوجةسياسي مناوئ للسلطة مع إبنها خلصت الجريدة فيه إستنادا لمصادرها أن الحادث هو من تدبير جهات في السلطة ومن يومها وهو على هذه الحال من اليأس المتهالك والخيبة التي ” أناخت” عنه فسقط سقوطا مرتبا في هاوية سحيقة قضت على كل شموخه ونخوته
الجلفة في 12 / 08 / 2014
*قاص وناقد من الجزائر





سقوط مرتب لرجل منا.. قصة قصيرة . بقلم الأستاذ بن ساعد.
كالعادة يوظف الأستاذ بن ساعد أسلوبه المميز بالتكثيف وإغراء القارئ؛ ليروي
في بضعة سطور ما يمكن توسيعه ليتول رواية ..
قصة رجل أنهكته مهلكات السياسة والدسيسة ، وبعدما صعد في سلم السياسة،
وأحس بنزعة المعارضة للسلطة القائمة، صار التسكع في الحديقة العامة وظيفته
الأثيرة، حتى إن البطل الراوي تأثر لذلك، وحاول أن يفهم سب هذا ” الضياع”؛
ربما لأنه يعرف أن الرجل عندنا، لما يصعد، فإنه لا ينزل، خلافا للقاعدة ” لا بد من نزول بعد كل صعود”..
والذين أنزلوه بتريب ” عقاب كل من يشق عصا الطاعة” ، أرادوا أن يثبتوا له
أن الأمر بيدهم، يوجهون الأحداث كما يرغبون، رتبوا اغتيال زوجه وابنه بحادث
مرور، كأنما يريدون أن يجتثوا أثره من على أرض الواقع..
تكثيف الأستاذ بن ساعد في نصوصه؛ يتطلب من القارئ أن يبذل الجهد ليحيط بكل جوانب النص.. فكأنما يقول لقارئه ” أنا لا أكتب للكسالى” على مقولة ” العقاد”. ففي هذ النص، نجد حال الرجل الصاعد النازل كحجر، ونجد حال شيخ
البلدية: وهنا تجدر الإشارة، إلى أن هذه النقطة تحمل أكثر من حدث. فنجد استغلال
السلطة . كأن رئيس البلدية يرى في هذه المؤسسة ملكية خاصة، يتصرف على هواه. ثم هذا الشخص الذي استوى على ” عرش” البلدية منذ الاستقلال” وهي ظاهرة مستشرية عند حكام الجزائر.. منهم من تجاوز سن التقاعد بعقد من الزمن، ولكنه لا يزال يتمتع بحرارة كرسي السلطة، بسبب الامتيازات التي يتمتع بها هو وكل من يعود إلى قرابته .. ثم ظاهرة التحرش التي طالما تحدث عنها الجزائريون
ولكن باحتشام، وكأنها تدخل في الطابوهات التي تقيد الناس..
أسلوب السلطة في تروض المناوئين لها ، فتارة بالترغيب وأخرى بالترهيب،
إلى السجن والتشهير، ثم قطع الأنفاس ( الواقع يحمل أمثلة كثيرة ).
ولو تعمقنا في قراءة العنوان .. ( سقوط مرتب لرجل منا) . فيلاحظ القارئ كيف أن كاتب النص قد بنى قلعة بهذا التركيب.. فالسقوط : يتم من أعلى إلى أسفل.
وهو قانون الجاذبية، وقانون الطبيعة، لا ينجو منه كل من فقد أسباب التمسك.
مرتب: فالأستاذ بن ساعد لم يقصد المعنى العام العادي المتعارف عليه لدى العامة.
فالترتيب في العرف سمة حسنة وتصرف لائق.. ولكن الذي يعنيه في العنوان، إنما يشير إلى الخديعة والدسيسة، والضرب في الظهر ” فنلاحظ كيف أن خصوم الرجل
لم يقفوا له وجها لوجه.. بل اختاروا الطريقة الموجعة التي تؤلم الشخص المضروب، وتنذر بسوء العاقبة من تسول له نفسه أن يلعب لعبة هذا الرجل” إذن القارئ هنا أمام أفعال ” المافيا” السياسية، وربما الاقتصادية، التي تحصد الأخضر واليابس، لتزهر تجارتها..
كما يمكن ملاحظة أن الأستاذ بن ساعد لا يتعب قارئه، بما يسمى التقعر اللفظي، على العكس من ذلك ، فهو يستعمل لغة فصيحة جارية؛ ما يجعلني أجرؤ على القول : إن نصه هو نص المضمون لا التصنع اللفظي..
نص جدير بالقراءة والتأمل.
لا أملك أستاذي محمد بوحبيب أمام هذه القراءة المنتجة منك لنصي ” سقوط مرتب لرجل منا ” سوى الإستمتاع فالنص خرج من يدي حين نشر وصار من حق القارئ الناقد إنتاج المعنى والدلالة منه