الصاعقة / قصة قصيرة …قلولي بن ساعد*
بواسطة مسارب بتاريخ 6 مارس, 2015 في 10:46 مساء | مصنفة في متعة النص | تعليق واحد عدد المشاهدات : 2097.

 

ذاب في لجج الوجد واللوعة … رأى أنه سقط سقوطا فضيعا أمام هسيس أنثى صغيرة هي في عمر ابنته …استسلم لها طائعا مثلما لم يشعر قط أنه جاء متأخرا ..خارت كل قواه العقلية ولم تعد لديه القدرة على المقاومة أو الرفض للخروج مما هو فيه … كان يبدوا كالأعمى أمامها هادئا مستكينا رابضا أمام شاشة عينيها السوداوين ووجهها الناصع البياض وصدرها البديع الراجف كحقل أينع وينتظر من يجوس في أفيائه منقطعا عما سواه مستلقيا ناظرا إليها وهي تربت بأصابع يديها اللامعتين على صدره بحنو باهض كسائحة أجنبية تكتشف للوهلة الأولى بيداءه الخالية منذ زمن موغل في القدم مستمتعة بكل الذي ترى ومالم تر نازلة نحو مشارف الهاوية السحيقة المتروكة للإهمال والنسيان وهو في حل من أمره لا يكاد يعرف إن كان في حلم من أحلامه الكثيرة المشتتة الذاهبة دون رجعة أو صدى لرغبة ممكنة أم أنه الآن فقط “خلق من طين لازب” …كانت منهمكة بمناغاته كطفل ساقه اليتم لها ماسحة عنه ما تراكم فيه من ضروب الحرمان والكبت والنسيان الذي عشش فيه واستكان له مجبرا محركة شيطان اللوعة به … تمدد بكامل جسده متأبطا شواظ الغواية والتوحش ليحتويها أو مأت له ” هيت لك “…كان العرق يتفصد من وجنتيها وجبينها اللامع الندي اندست فيه ساكنة وادعة… ضمها إليه بعنفوان كهل وجد نفسه مفعما بحرارتها ثملا بها …تعجب من قدرتها الرهيبة على محق ما علق بخلايا جسده اليابسة بأطراف لسانها وشفتيها فصار يشعر أنه طفل أو كالطفل الذي لم يرتو من حليب أمومته ثم سرعان طبعت على شفتيه قبلة شرهة مجنونة بشفتيها المبتلتين ريقا كأنه العسل المسكر ذائبة فيه محذرة إياه من مغبة الكلام لا تسمع سوى شهيقه وتأوهاته الشجية … نسي نفسه أو كاد بين يديها…ظل لأشهر يأتيها كل يوم طائعا ورذاذ الشوق لمرآها وشوشاتها يجره كخروف وديع نحومكامن فردوسه ومأواه ..لم تنس أبدا أنه وقف إلى جانبها في محنتها الأخيرة عند ما كانت والدتها تعاني من مرض عضال … طاف بها كل الأطباء والمستشفيات من شرق البلاد إلى غربها في الوقت الذي تخلى عنها بنو عمومتها ..لقد فعل ذلك من باب الواجب والشفقة لا غير… لكنها أصرت أن تكافئه بكرمها الأنثوي فوجدت فيه الصدر الذي يحميها من عواصف الدهر ونوائبه ورغم أنه تردد في البداية رافضا عرضها السخي شاكرا لها فضلها الكبير غير أنه في آخر المطاف لم يستطع مقاومة السحر الذي يتقاطر منها فوجد نفسه يغرق في رضاب فحيح جسدها الناعم ومدارج فتنتها ..هي الآن وحدها دون والدتها التي غادرتها إلى مثواها الأخير ولا أنيس لها سواه ومن الغباء السماح له أن يغادر أرضها والفردوس الذي أسكنته فيه ..لقد أصبح منذ أن لازمها متأملا فيها محاطا بها شاعرا بالنعيم الذي أغدقته عليه دون حساب يعتني أكثر بمظهره فصار يختار ما يناسبه من اللباس الأنيق حتى العمامة البيضاء التي كانت لا تفارق رأسه وصلعته السمراء سرعان ما تخلى عنها واستبدلها “بالبيري ” مثلما أصبح يحرص على أختيار بعض العطور والروائح الرجالية…. لولا بعض الشيب الذي غزى لحيته ولم يجد حلا له…زوجته استغربت هذا التحول فيه سألته فأجابها قائلا “لا شيء لقد أردت أن أنتبه لنفسي هذا كل ما في الأمر ” لكنها لم تقتنع وظلت تحاول معرفة من التي أحدثت فيه كل هذا الإنقلاب ..كان من النوع الكتوم القليل الأصدقاء لا يسمح لأحد بالإقتراب منه ولا ينطوي على السذاجة التي تجعله يبوح بأسراره حتى لأقرب المقربين إليه وفي قرارة نفسه حين يذكر أبناءه وبناته يشعر بتأنيب الضمير فيذوبه الخجل من نفسه ومما هو فيه ثم سرعان ما يحاول تدريب نفسه وهواه على النسيان منصرفا لأسرته ولشؤونه الخاصة لكنه لا يصمد طويلا فبمجرد رسالة نصية قصيرة ترسلها إليه عبر جهازها المحمول يجد نفسه من جديد بين أحضانها كأنه لم يفعل شيئا…… مرة سمعها تقول له وهي مستلقية أمامه بكامل زينتها ” أرجوك ساعدني على الإلتحام بك وسط الدفء الذي أشعر به حين أكون بين يديك إني أحس بالخوف ؟ “..استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ..استغفر ربه ثم شرع في تهدئتها .. حاول أن ينخرط في نوبة من الضحك والهيستيريا والسخرية من نفسه لولا أنها أيقظته من شروده وكررت على مسامعه رجاءها ” قلت لك ساعدني على الإلتحام بك وسط الدفء الذي أشعر به حين أكون بين يديك إني أحس بالخوف… ؟ ” ولم يكن يعلم أن هذا الشعور منها بالخوف من الآتي لم يكن محض هاجس مرضي بل صار حقيقة فقد بلغه فجأة أن ابنه المجند في صفوف الجيش أصيب بانفجار عبوة ناسفة في المكان المسمى” تعظميت” قضت عليه قضاءا مبرما .. وصله النبأ عندما كان بين أحضانها معلقا بين أهدابها مشتعلا بها غارقا في أنفاسها اللاهثة فتعرض إذذاك لصاعقة عنيفة تضاءل بسببها صوته ثم أحتفى تماما… أصبح لسانه يتحرك دون أن يسمع صوته قبل أن يهتدي إلى التواصل مع أفراد أسرته بلغة الإشارات .. حزنت لأجله بأسف وحسرة لا حد لها .. زوجته بعد نهاية العزاء استهجنت في البدء ما حدث له شامتة فيه لكنها سرعان ما جرجرتها عواطفها نحوه فأحاطته بسياج من المنع الغامض لحمايته من الأذى والغياب ومن ” شرالوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ” مستبقية إياه بصلف في ركن قصي من البيت مصرة إصرارها المحموم أن تذرو في ركنه القصي قليلا من البخور والجاوي والعرعارالذي كانت تخبئه داخل ” صرة” لمنديل أخضر تذكرت أنها وضعتها منذ سنوات طويلة في جوف صندوق زواجهما الذي ذكرها بأشياء جميلة تداعت على إثرها باكية شاحبة الوجه وقد علقت في رقبته بعض التمائم لإبعاد الأرواح الشريرة عنه وعن محيطها العائلي مرددة بعض التعاويذ والأدعية والتسابيح التي تخرج من فمها مجللة بشآبيب الصبر والرحمة تشع من عينيها تمدها بالعزيمة والدعوة له بالشفاء بقلبها الصافي كحليب الاطفال

 

 

 

الجلفة في 08 جانفي 2015

 

 

 

 

*ناقد وقاص من الجزائر

 

 

 

َ

 

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. العاصفة: قصة قصيرة للأستاذ بن ساعد.
    هي قصة رجل كهل، قام بمساعدة فتاة، في القيام بعلاج أمها. ولكنه سقط صريعا تحت ضربة لصاعقة الخيانة الزوجية.. أليس هو أبا أسرة، له أولاد وزوجة!!.. هي النفس الأمارة بالسوء، المنهزمة أمام الغواية المتأججة في وجهه..
    وكان لها صيدا سهلا، ولقمة سائغة” سقط سقوطا فظيعا أمام هسيس أنثى صغيرة”. والضمير ، لا ينام، وإن غفا فإنما إلى حين فقط.. حيث صار صاحبنا يشعر، بوخز يقض مضجعه، فحاول الإقلاع، عن التمادي في شرب كأس الرذيلة.
    ولكن كيد الأنثى ـ الغواية، لم يمهله؛ فأعاده إلى بيت “الطاعة”؛ طاعة الشهوة، ونداء السقوط..
    وها هي الصاعقة، تصعقه على الحنك الأكثر شعورا بالألم ـ حنك الأبوة ـ فقد خطف الموت ابنه البريء. فذهب معه صوته، وذوت صحته، فلم يعد سوى شبح لنفسه ـ ذاته ـ على أنه كان يوما، يريد أن يخرج عن طوره؛ فلعبت الزينة برأسه، وبان أثرها على هيئته؛ ما دفع بأم البنين إلى استفساره.. فزاد مسمار الخيانة دقا، في نعش أبوته، فأظهر ضد ما يخفي لها وعنها..
    هذه الفتاة التي استلقت في مستنقع الرذيلة ـ في زهرة شبابها ـ تحرك في أعماقها، وازع ” الحاسة السادسة ” ، فأججت نار سلاحها ضده، وأفلحت.. وكذا الحاسة السادسة ـ وهي من خصائص المرأة ـ تيقظت في أعماق زوجته، فأشعلت فيها نار الغيرة، وحرضت غريزة الانتقام، فيها هي ـ الزوجة المخدوعة ـ فقررت بعد هوانه، أن تلقي به في مكان قصي من البيت، كأنما تلقي بشيء غير ذي قيمة..
    ويا له من مصير!!.
    قصة قصيرة؛ استطاع الكاتب أن يقول فيها الكثير؛ فهي تتناول طباع الناس وطبائعهم ـ التي أودعتها الطبيعة في البشر ، منذ بدء الخليقة ـ الخيانة المرتبطة دائما بانصياع الفرد وراء الشهوات، والقفز على وازع الخلق والواجب.
    أنهاها الكاتب نهاية حتمية ـ منطقية ـ فيها إذن عاقبة الإخلال، بقدسية الروابط العائلية، وإن ظهر البطل الرئيس ـ في بداية تحركه ـ في صورة ” حاتم الطائي”؛ ولكنه انقلب إلى ذئب جائع، أتى بضعفه على قلعة المقدس ـ الرابطة الزوجية ـ وتخلى عن فطرة الأب ـ ولكن دفع ثمن ذلك غاليا..

اترك تعليقا