و سارا معا.. في صمت و وجوم، كأنما يودعان عزيزا راحلا. توقف الزمن بها فجأة هاهنا، حيث توارى الأحلام و النرجسيات..
هم واحد يسكنها، يشتت فكرها، يقذف بها الى هوة اللا انتماء.. إحساسها بالضياع.
الظلام يخيم في هدوء، و دروب المدينة خالية إلا من ذئاب بشرية، أدمنت عشق هذا المكان؛ حيث تموت و تختلس البسمات، و في عمر الزهور يقتطف الفرح قبل أوانه، فهاهنا لا رحمة و لا ذرة التفات.
شيء ما بداخلها قد تمزق، و شرخ ما يحاول قلبها الجريح لملمته..
ها هو الوجع يتألم، و الضعف الأنثوي يتوارى خجولا أمام كل الكلمات؛ فتاة لعوب من وراء البحار، جرتها، لطخت عرضها، مرغت كرامتها في التراب، ثم رحلت..
تلك لم تخسر شيئا.. أما هي فقد خسرت كل شيء. لتجد نفسها بين أنياب من لا يرحم، و براثن منسلب من الشيطان جرأته حين وقع ثم وقع، ليدفع بها إلى غياهب الظلام و ظلمات المجهول، ثم يختزل همجيته في “نزوة عابرة”
و خلف أسوار الذكرى، تقبع كل المبكيات.. يوم قدومها الحي الجامعي رفقة الأحضان الدافئة،
حين أصرّ والدها ألا يذهب حتى تتفقد أمّها الغرفة وما ينقصها من احتياجات. ثم عادا وما توقفا
عن السّؤال عنها، وفي كل حين.
ويقطع حبل الذكريات متسكع ثمل يحاول معاكستها، ثم يولي متمتما بأقبح الكلمات..
الكرامة، العزة، الأنفة.. مفردات تساقطت فرطا من قاموسها الجديد.
الحبّ، الحنان، الدفء.. كلمات هي الآن على الشاطئ الآخر من حياتها. ترمقها وتحسد كل
من لا يزال هناك مستمتعا يغترف منها غير مكترث بما هو فيه من النعيم.
أحست بالدّوار.. مال عليها و أسندها إلى صدره، صدره الذي كان دافئا منذ حين، ومحموما بوجع من نوع آخر.. أما الوجع الذي يسكنها الآن فهو لا يعرفه. وأنى لمثله وكيف أن يحس بوجع الأنثى.. ؟
أيها الضعف الأنثوي لملم شتاتي فقد بعثرتني الأيام.. ارحم حيرتي، انتشلني من ألمي، استل خناجر الغدر المغروزة في خاطري.. آه كم ستعييك كفكفة دموعي، لكم سالت سخاءة فأوجعت كبدي.
ضعفي الأنثوي.. ردني إلى دفء عائلتي وحنو أيامي، أرسم لي لوحة الماضي، أعزف على أوتاره البكر، لأغرق فيه وأنتشي.. فهو البلسم الشافي لقروحي و ألمي.
كان الوقت قد تأخر حين وصلا نحاس نبيل**، ذلك الحي الجامعي المنتصب في إباء و شموخ، هو الآن يغط و من فيه في سبات وأحلام، نام الجميع إلا أضواء خافتة تشع من بعض الغرف، فهناك دوما من يتابع في ألم وصمت وهدوء.
اختلست النظر إلى وجهه، و قبل أن يسلمها للعذاب، و من وراء حجب ضعفها الأنثوي وجراحات قلبها، حيث تختبيء كل المواجع، يسائله صمتها؛
” احترت يا من حسبتك حبيبا كيف أصنفك، أوحش بشري أم أيقونة غدر ومجون “
قرأ ذلك في عينيها، لا قدرة له على تحمل العواقب، مال عليها و همس في أذنها مودعا؛ لا تخافي لازلت العذراء الكاملة.
َ
**نحاس نبيل/ حي جامعي بالشرق الجزائري
َ
َ
* قاصة وكاتبة من الجزائر
َ





قصة مِثرة جدا حدالوجع،عبارات منتقاةتعج بالمعاني وعذابات الضمير، سقوط في مستنقع الذيلة أفضى الى بؤس يشبه الاذلال….تحياتنا وشكرا