وضع عند رأسها فنناً مزهراً من شجرة المشمش أخذه من بستان جدّه ثمّ قرأ على روحها فاتحة الكتاب .. حدث هذا في ذكرى وفاتها الأولى؛ قال وهو يبتسم لروحها : ـ أعاهدك يا زهرة الرّوح أن تكوني وحدك في القلب فقدْ علّمني إلهي العظيم أنّ الكون لا يملكه إلهان اثنان فكذلك قلب الرّجل لا تسكنه امرأتان، حبّك وحده لا شريكة له فأشهد أنّك حبيبتي الأولى والأخيرة .. لترقدي بسلام سأهب مـــا تبقّى من حياتي لإلهنا العظيم الّذي وهبك لي هو منبع الحبّ وباعث الحياة أسأله أن يكرمك فـــي ضيافته البرزخية.
في منزله المتواضع حمل ألبوم صورها ومصحفها الشّريف وعلبة حليّها وهاتفها الجوّال إلى غرفة ابنته وخبّأ أغراضها في خزانة الطفلة؛ قالت : ما تفعل يأبتِ ؟ قال: ستدركين هذا يا ابنتي لاحقاً وسأقدّم لك أغلى هدية في عيد ميلادك الثّامن عشر؛ وما أطلبه منك أن تكوني مثلها فربّما سأغادر هذا العالم وأترك لك كامل قلبي أنتِ ولأخيك الصّغير وأمّي العجوز حفظها ربّي لكما يا صغيرتي .
لم تفهم الصّغيرة مراده الكبير، كيف ينتظر عيد ميلادها الثّامن عشر وهو سيغادر هذا العالم ؟؟ طبيبه أكّد له أنّ شكّه كان في محلّ اليقين، سرطان الدم يكتسح كلّ كريات دمه الملتهب حبّاً؛ كأنّ هذا الخبيث قد امتلأ غيرةً وحسداً من تجلّيات عشقه لزوجته الّتي قتلها هي الأخرى في رحمها حتّى لا يثمر حبّهما ثماراً أخرى للبيت السّعيد ! قبل أن يغادر كانت زيارته الأخيرة لزهرة الروح أنْ طرح عند قدميها بشرى اللقاء وهو يبكي بكاءه الأخير، ليس على نفسه بل ابنته وأخيها وهما يحملان لقب يتيمين .. تبتلّ عتبة القبر بعبراته التّي تسحّ بحرارة تلتهب بقلب عرف كيف يحبّ زوجته ! زوجته امرأة بسيطة أحبّها في بيته ورأى فيها ما لا يراه الآخرون، كانت تنهى زوجها عنْ شراء الهدايا لها وتنصحه بالتصدّق على ابنة عمّه الفقيرة الّتي تقطن في الريف مع زوجها المصاب بعجز كلوي .. كانت تُهدي ثيابها وثياب صغيريها لتلك الأسرة التعيسة، وفي رمضان تدعوهم للمكث في بيتها ويفترقون علي عيد سعيد .. بلْ حاضرة معهم في كلّ مناسبة.
كان أبوها خيّاط القرية مسقط رأسها قدْ تعرّف على زوجها كزبون ومتردّد على محلّه البسيط وأدرك محاسن أخلاقه فتقرّب منه وخطبه لابنته الصّغرى وهي في الثّامنة عشرة من سنوات عمرها الّتي لم تكمل الخامسة والعشرين ! أمّه العجوز تسقي الآن شجرة المشمش والدمع لا يغادر عينيها الواهنتين، كانت شجرةً مسوّمة بقلب أخضر كان قد رسمه فقيدها العاشق؛ كان يقول دائماً : “الحبّ حتّى يدوم عليه أن يكون كشجرة المشمش أخضر مزهراً قبل أوانه” .. وفي آخر كلّ شباط يجدّد الميثاق لزوجته تحت شجرة المشمش وهما يسقيانها بماء رضابهما من قبلة العهد السّنوية.
القبران يتجاوران كما وصّى صديقي الّذي غادر عالَمنا، وفي كلّ جمعة يأتي والدها الخيّاط وفي جِرابه كيس الحلوى ينثره على قبريهما لأنّ صبيان القرية وصباياها يشتهونها في ضحى النّهار؛ كان يداعبهم بقوله : “اقرأوا الفاتحة هنا لأنّ الفاتحة ستطعمكم حلوى الرّوح خمس مرّات في اليوم واللّيلة” ! وفي محلّ خياطته القديم بعد اثنتي عشرة سنة يعلّق آخر أجندة للسنة الّتي ستبلغ فيها حفيدته الثّامنة عشرة من سنوات عمرها انتظاراً لهديتها الموعودة؛ أليس مفتاح خزانتها الصّغيرة في يد جدّها في ركن من بيته بعد رحيل الجدّة حزناً وكمداً تاركةً أحلى ثمرتين من شجرة العشق الموحّد تحت شجرة المشمش.
َ
َ
* قاص وناقد من الجزائر
َ





أحببت طريقة توظيف الراوي الذي انتقل من شخصية لأخرى دون أن يحدث ذلك شرخا في النص، أو حتى دون أن ينفلت الخيط منه.هو وفاء المشمش في زمن اختلط فيه المشمش بالخوخ في تلقيح يفقد هويتهما على السواء(مجرد رأي من قارئة هاوية) تحياتي.