ماتبقّى من العمر/ قصة قصيرة / سعد نجاع*
بواسطة مسارب بتاريخ 4 نوفمبر, 2016 في 09:30 مساء | مصنفة في متعة النص | تعليق واحد عدد المشاهدات : 2452.

كان الليل قد أسدل ستاره لِيرسم أحلامه للذين يؤمنون بالأوهام ،..يسأل نفسه بعدما نزلت دمعة ساخنة من مُقلته التي احمرت وهو يفركها يبحث عن ابتسامة تنسيه حزنه الذي بات ظاهرا لزوجته :ماذنب هذه المسكينة التي أفنت معي عمرها الوردي؟،وماذنبي إن تعلقت بهذه الأمسية التي لم أعشها من قبل، …آه كاد تزييف الحقائق يقتلني ،لم أعهد نفسي هكذا… كلُّ في مكانه زوجتي في مكانها ،وتلك ال…. /يصمت هنيهة، تلك الحروف الدافئة التي باتت تعانقني في ليالٍ باردة هل يعقل أن أتجاهل نغمتها بهذه السهولة… لا…لايمكن لقد باتت جزءا مني، من بيتي الصغير …يسأل نفسه:هل تُصنع السفن من الورق أم من الخشب؟… قالها وهو يتمتم بعبارات ظنها غير مفهومة… لكن سرعان ما أمسكت زوجته بيده وهي تقول:لا يهمك يا عزيزي من ورق أو من خشب… نحن البحر الذي يُنير ظلماته حضورك،البحر الذي يأتيك بثياب النوم دائما، لا نحتاج منك زياً رسميا، نريدك كما أنت، نحن عائلتك، نحن كل شيئ بالنسبة لك ولنا… دعك منها… لا تكسر خاطرك بها حاول أن تنساها، مجرد تفكيرك بها أفقدنا لذة الجلوس معك… مدّ يده وهو يداعب شعر إبنته النائمة التي لم تره طوال اليوم… لقد شعر بإجحافه في حقهن… شعر بالإساءة والتذلل… شعر بجداره الهش يتساقط أمام أوهامه العزباء… لم يرى أوهاما عزباء كأوهامه من قبل… آه لقد كان تفكيره بها يمنحه نوعا من الشراسة… الشراسة التي تبعده عن عائلته الصغيرة ،لقد كان ضحية ليل بارد لم يجد مايكفيه من حطب ليستطيع الإمساك بقلمه والكتابة على ناصية زوجته الوفية برماد أسود ينبثق من قلبه الضعيف… أو ضحية عالم أزرق يحصد من الكلمات رؤوسها اليانعة ،ويصطاد من الرجال من قُطعت سُرّتُه في ظلام دامس ببيت ترابي قديم .،لأنه لم يعهد كل هذه الأضواء التي باتت تلاحقه وبنغمات مختلفة…هو ذلك القروي، الجبلي، الأصيل الذي أغوته أزرار التكنولوجيا… كانت هاته ليلته الأولى في التفكير بها، وكانت تلك هي زوجته التي باتت تترقب تمتماته وهي ترميه في متاهات الشوق لتحدث في نفسيته الضعيفة صوت ارتطام الأرض بالسماء…لقد نام بعد تعب في التفكير وقد أسندت زوجته ذراعها إلى رأسه الساخن بالأفكار السخيفة وهي تردد… نني… نني …يا بشّة…نام وهو يستندها كقط وديع بعدما مدّ أرجله الباردة ليملأها دفئا من حضن تلك البراءة النائمة محاولا طلب الصفح عن تقصيره الجلي…لقد غطّ في نومه العميق بعدما نال منه الأرق، لينهض في الصباح الباكر كعادته متوجها لمكتبه يبحث عن ضوء جديد، عن قصة مماثلة، عن وهم مزيف….لكن لقاءه بها في أحد الشوارع كان كافيا ليعيد إليه سيناريو ليلة البارحة… حدث كل هذا قبل ولوجه لمكتبه، لكنه كان سريع الخطى كمن يدفع البلاء بصدقة… دخل المكتب ألقى تحيته على الكاتبة وجلس في زاويته العابسة بالأفكار المشوشة، آه لقد تذكر شيئا مهما، انتفض من مكانه حمل محفظته وخرج… لقد نسي المرور على صديقه صاحب المقهى العتيق *حمزة*،الزميل الذي لازمه مقاعد الدراسة يوما ما، ليرتشف فنجان قهوة محمص كعادته ويمضغ بعضا من أطراف الحديث وهو يسترجع ما فات من العمر، كما أنه نسي ذلك المجنون الذي يلازم زاوية المقهى كل صباح وهو يمد يده متسولا جيوب الوافدين للمقهى… هذا هو حال “سعيد” كاتب المدينة المشهور بمراسلاته الخارجية والتي لا تعود لزبونه إلا بنتيجة و لم يخامره شك يوما ما في فشل مراسلاته فهو لا يجالس غير كبار السن من المتقاعدين وأرامل الشهداء، لكن هذه المرة عادت به تلك الفتاة الشابة لأول سنين العمر حتى لا أقول سنين الجمر، ظلّ يحدِّق في المارّة فاتحا فمه ودواخله تناجد حنينا مفقودا صادفه هذا الصباح في أحد شوارع المدينة،… يرن هاتف “سعيد” يخرجه من جيبه فيجد زوجته تطلبه… يااااه لقد أحست حتى بتفكيري ،ينظر للهاتف ملياً ثم يضعه في جيبه دون رد، كيف يقنعها بأنه كان مشغولا بغير ذلك،… لكنه سرعان ما عاد لتفكيره بتلك الفتاة… يضربه حمزة إلى كتفه وهو يقول :لم أعهدك مهموما هكذا يا سعيد، ما بك؟ أخبرني ربما أستطيع مساعدتك، …لكن سعيد كان يُقَلِب بصره بين الوجوه الموجودة في المقهى وهو ينتف ما تبقى من سيجارته، ويبصق تارة أخرى وهو يعاينهم باهتمام… لا جديد في حياته غيرها،  فكل الوجوه مألوفة لديه… يسرح برهة بتفكيره ثم يعود ليجيب صديقه *حمزة*،لا أريد أن أقحمك فيما تبقى لي من العمر يا صديقي فهموم الهاربين من سداد مشروباتك تكفيك، ثم انتفض من مكانه وإذ بأحد زبائنه يقف عنده فيبتسم “سعيد” ابتسامة افتقدها ليوم كامل وليلة”أهلا بالحاج الحواس، كنت قادما للمكتب، أعرف أنك كنت تنتظرني، خذ برقيتك يا الحاج قد أعددتها لك أمس ومد يده وأخرجها من محفظته، ثم انصرف لمكتبه…وبأعصاب متوترة ونفس قلقة وتوتر وخوف، شعر بدوار شديد وقد رمى بنفسه على كرسي مكتبه كمن ألقى بجثة على قارعة الطريق مقطع الأوصال، يشعر بحدوث عاهة مستديمة تلازمه تفكيره وتبعده عن تلك العائلة السعيدة الصغيرة،فيجد نفسه بلا أسرة يداعب من جديد فتاةً جميلة جدا ماحقّ عليها أن تشاركه يومياته،… فجأة تدخل سكرتيرته وتخبره بأن زوجته تطلبه… وقف وبسرور عصبي، سرور من نجا من شرود كاد يُغمى عليه منه …ثم جلس وأخذ نفسا عميق كمن أخرج عقابيل خوف لا زالت ناشبة في صدره…إنه يدفع وبقوة صورة تلك الشابة المغرمة به وهو لايعلم من ذلك الأمر شيئا سوى أنه لا يخلد للراحة إلا في الهزيع الأخير من الليل تفكيرا بها….ثم صاح تفضلي يا زوجتي العزيزة وهو يتمتم “ربي يجيب الخير برك…. دخلت زوجته وبخطى متثاقلة وكأنها أول مرة تزوره، جلست على تلك الأريكة الكبيرة ثم استرسلت قائلة:مابك ياسعيد؟.. ولم تتم حديثها حتى خنقتها العبرات، ولكنها تداركت عواطفها، ثم قالت بلهجة لا تدل على ذات نفسها… مابك تركتنا اليوم بدون “مصروف”..لم نعهدك هكذا يا سعيد، ذهبت إبنتك للمدرسة وهي تردد”لماذا لم يترك لي أبي دريهمات كالعادة يا أمي”..،كما أنك نسيت ساعتك وربطة عنقك،… ساد صمت رهيب مكتب “سعيد”ثم قال بصوت متهدج مرتعش” لا أعرف شيئا”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* قاص من الجزائر 

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. جزء أول رائع لقصة تعد أكيد بأن تكون جميلة

اترك تعليقا