فراشات الملكة …/ عبد القادر برغوث *
بواسطة مسارب بتاريخ 16 فبراير, 2012 في 02:29 مساء | مصنفة في متعة النص | 3 تعليقات عدد المشاهدات : 4455.

 

 

   عادتي في بداية كل ربيع أن أقضي سحابة النهار بالاستمتاع في مراقبة دود الصنوبر الذي يتحول  من مخلوقٍ ملتهم للأوراق الإبرية إلى فراشات لطيفة ،ألوان أجنحتها الأرجوانية البرتقالية المزركشة بالنقط السوداء تفتنني إلى حد لا أشعر فيه بالعالم حولي .

     ربما أنا مرتبط بلقمة العيش إلى درجة غير معقولة تكاد تندثر سنين عمري كله معها في وظيفة شبه تافهة توفر لي بجهد وضيق ما يسد الرمق و هذا ما يفسر في نظري من الناحية النفسية ربما ولهي بفراشات الصنوبر و على فكرة أن أسمها العلمي هو فراشة الملكة ولهذا ربما هي تعيش حياة سعيدة تلهو وترقص بين الزهور و الورود إلى أن تنتهي بنهاية تراجيدية .

    غالباً ما تنهرني زوجتي -ككل عام- عن ترك هذه العادة التافهة وأن أهتم بعملي و هي معذورة و سيما أنها تحمل على عاتقها تدبير شؤون منزلنا وحياتنا, فالمسكينة منذ سنين ماضية قبل أن تتزوج بي  كانتْ تحلم بحياة أفضل و فارس أحلام يحملها من الأرض إلى السماء كيف لا وهي و هي الجميلة الفتية ولكنها ما إن تزوجتني  حتى صُدمت بالضيق والتقتير وزوج غريب الأطوار لا تتورع في نهره وزجره ورغم ذلك أتعلل بالحجج الواهية في عملي لأنصرف عنه إلى فراشاتي ،..فراشاتي ؟ الحقيقة أنهن ليست فراشاتي ولست ملكاً ليميني ولكنني أنا الوحيد في هذه المدينة من يهتم فيهن وينتظرهن بفارغ الصبر في كل عام ولهذا أدعي أنني راعيهن الأول وخاصة وأنا أحمل لها معي في كل يوم قطع السكر وكؤوس من الماء لأنشرها في أماكن محدودة و أراقبهن لأيام طِوال وهن يقبلن على ما أحضر لهن , فأشعر بسعادتهن وشعورهن بالامتنان وخاصةً عندما تحط الفراشات على رأسي و كتفي , وكان هذا أكثر شيء يسعدني في هذه الحياة .

     بدأ شهر جوان بالاقتراب وتكون فيه الفراشات قد انتهت من التزاوج وتنشر بيوضها في كل مكان على النبتات والتراب ثم تدع نفسها تموت طعاماً للعصافير والنمل والبعض الآخر يفضل أن يتناثر كما تتناثر أوراق الأشجار اليابسة , في السنين الأولى كان يصيبني حزن شديد على هذه الموت الجماعي لهذه المخلوقات الرقيقة أما الآن فأكثر شيء ينغص علي حياتي غرقي مرة أخرى في الحياة الروتينية الرتيبة وخاصةً ساعات العمل الطِوال ولعل الشيء الذي يجعلني متعلق بالحياة هو حصولي على راتبي في عملي آخر كل شهر وانتظاري عودة الربيع من جديد .

—————————————————————

   * عبد القادر برغوث ( قاص وروائي – الجزائر)

التعليقات: 3 تعليقات
قل كلمتك
  1. الأمجد مكـاوي قال:

    و قصتك أيها المبدع من فراشات القصص……كم أنت رائع…..و بكل بساطة تستحق صداقة الفراشات

  2. شكرا على هذه القصة الرائعة ارجوا ان لا تحرمنا المزيد وحقا لا أحد يهتم بالفاراشات ولا بغيرها من المخلوقات الرقيقة

  3. مسارب قال:

    بل أنا الشاكر لطفك و ذوقك ألف شكر

اترك تعليقا